سمير القنطار لـ«النداء»: تيار المقاومة يتقدم، ومشروع ضربه فشل استراتيجياً

سمير القنطار لـ«النداء»: تيار المقاومة يتقدم، ومشروع ضربه فشل استراتيجياً

*  يسمع أغاني المقاومة وينوي الزواج قبل زيارة اليمن ويدعو الرئيس صالح إلى العفو عن بجاش الأغبري
*  أنا حزين لأن محمود درويش توفى قبل أن يكتب للمقاومة الإسلامية في لبنان
*  ما يهمني هو المقاومة وحمايتها، ولتنجرح التيارات السياسية كما تشاء
*  السيد حسن نصر الله تفهم رغبتي في عدم الترشح للانتخابات النيابية
 
يحيا سمير القنطار في الضاحية: حصن المقاومة حيث في وسعة استئناف صراعه الوجودي ضد «الكيان الغاصب».
«عميد الأسرى» صار «أسير المقاومة»، المقاومة بما هي المأوى والملاذ لشخصه وأمته، وعنوانها البارز راهناً هو الحزب الذي استنقذ القنطار من أسر امتد نحو 3 عقود: حزب الله.
«أنا في المقاومة»، قال لـ«النداء» التي  التقته في بيروت الخميس قبل الماضي.
قالها بروحية إيمانية عميقة لا تشوش عليها الشبهات التي تثار لدى قطاعات سياسية وفئوية لبنانية حول سلاح المقاومة ووظيفته في بيئة محلية وإقليمية تتجاذبها مخططات ومحاور.
وفي هذا الحوار يلخص «الأسير المقاوم»، في عبارات مقتضبة، لا تخلو من صرامة، تجربة الشهور الخمسة التي أمضاها منذ تحريره في يوليو الماضي في حصن الشعب ومعقل المقاومة. وإلى التحولات القيمية والعقائدية التي بدأت في السنوات الأخيرة من الأسر، أجاب القنطار على بعض الاسئلة التي تتعلق بشخصه، ومنها مشروع زواج قريب. وهو اكتفى أحياناً بالضحك لمواجهة مقترحات طريفة أرادت كسر الصرامة التي غلفت آراءه تمشيا و حدَّة الأزمة الوطنية اللبنانية.
 

* حوار: سامي غالب – فكري قاسم
 
> بعد 5 أشهر من الحرية، ما الذي تغير في قنطار الاسير؟
–  لدي إصرار أكبر على المقاومة والتمسك بنهج المقاومة الذي بدأته. عندما تخرج إلى الحرية وتلقى هذه المحبة في لبنان والوطن العربي والعالم، تشعر بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقك. هذه المحبة نابعة من سنوات تضحية طويلة بقدر ما تشعرنا بواجبات يجب أن نقوم بها. هذه محطة مهمة بالنسبة لي ليس من أجل أن نعيش على الماضي بل من أجل أن تتقدم اكثر في هذا الخط. كل هذه المشاعر الذي وجدتها في لبنان، وعندما زرت سوريا مؤخراً، جعلتني أشعر بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقي في ألاَّ أخيب آمال الناس، وأن أبقى على هذا الخط وأن أقدم أكثر مما قدمته.
> اللحظة الراهنة في لبنان، كما نراها نحن من خارج لبنان، لحظة انقسام وطني، كما ويتم طرح أسئلة كبيرة فيما يخص المقاومة، هل تمنيت لو خرجت من الأسر في لحظة مغايرة؟
– أولاً هذا الانقسام تاريخي. عندما غادرت لبنان باتجاه فلسطين قبل 30 عاماً كان الانقسام موجوداً، وكان الانقسام حاداً وذا طابع مسلح. في ذلك الوقت كان هناك مؤامرة على المقاومة وعلى الحركة الوطنية، وكان هناك قوى فتحت علاقات واسعة مع الكيان الغاصب، وتلقت منه كل الدعم. وعندما عدت إلى لبنان وجدت هذا الانقسام موجوداً، ولكن بحدة أخف ممَّا كان عليه قبل 30 عاماً لأسباب تتعلق بتغير الموازين وبانهزام العدو (الاسرائيلي في جنوب لبنان) وبالتحرير الذي حصل عام 2000، وايضاً بالهزيمة الأكبر للعدو في 2006. هذا الجو خفَّف من حدة المؤامرة على المقاومة، لأن القوى التي تآمرت والدول التي دعمت القوى التي تآمرت أدركت أن القضاء على المقاومة ليس أمراً سهلاً. الانقسام كان دائماً موجوداً، ولكن وتيرته الآن أقل خطورة بسبب قوة المقاومة والالتفاف الكبير للشعب حولها.
>  صحيح لم يكن هناك اجماع حول المقاومة في أي وقت، ولكن تحقق ما يشبه الاجماع بين منتصف التسعينات وحتى 2005 ما يعني أن الوضع كان مختلفاً حينها؟
– نعم، لكن هذا لا يعود إلى قناعات ذاتية لدى تلك الاطراف، بل لوجود سوريا في البلد، وجود سوريا كان يحمي ظهر المقاومة، وكان كفيلاً بمنع الانقسام حول المقاومة. وبالتالي كل القوى التي تقف اليوم ضد المقاومة هي نفسها التي كانت تؤيد المقاومة بشكل أو بآخر.
> في السنوات الاخيرة من سجنك كنت دائماً توجه نداءات أو رسائل إلى زعامات سياسية لبنانية وإلى الشعب اللبناني بخصوص المقاومة وأهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية، بعد خروجك من السجن وعودتك إلى لبنان هل تابعت هذه الجهود مع شخصيات سياسية مثل وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي؟
– الشخصية الوحيدة التي التقيتها هي السيد حسن نصر الله. لم أزر أي زعيم سياسي لأسباب شخصية.
> ألم تلتق وليد جنبلاط؟
-التقيته في مناسبات خاصة. عندما خرجت وجاء لاستقبالي في بلدة عبية. وفي مناسبات أخرى التقيته بالصدفة. لم أزره بشكل شخصي، وليست لدي نية في القيام بزيارات إلى زعامات سياسية في لبنان، لأسباب تتعلق برغبتي في الابتعاد عن الحركة السياسية الواسعة، وأن أركز جهدي في المقاومة.
> أفهم أنك لم تعد في الحزب التقدمي الاشتراكي كما كنت في الماضي؟
– لم أكن في الحزب الاشتراكي في الماضي، كنت في تنظيم فلسطيني.
> لماذا السيد حسن نصر الله فقط؟
– لأنه قائدي، فأنا جزء من المقاومة ومن حزب الله، وبالتالي ذهبت للقاء قائدي، ذهبت لجلسة عمل.
> أنت حالياً عضو في حزب الله؟
– نعم.
> هل يوجد أعضاء في الحزب من خارج الطائفة الشيعية؟
– لا. لكن هناك السرايا اللبنانية للمقاومة التي تضم كل الأطياف.
> لكن هذه السرايا خارج المكون التنظيمي لحزب الله؟
– هي سرايا مستقلة نسبياً تحظى بدعم المقاومة الاسلامية وحزب الله.
> هل تشعر بنوع من السلام الداخلي وبأنك متصالح مع قيمك السياسية وأنت داخل حزب الله؟
– طبعاً.
> حسب معلوماتي فأنت كنت أقرب إلى التقدمي الاشتراكي وضمن اليسار؟
– ذلك كان قبل فترة طويلة. التحولات التي حدثت كانت منذ سنوات عندما كنت في الأسر.
> هل السبب هو شعورك بالخذلان تجاه القوى التي كنت محسوباً عليها في السابق؟
– لا أريد أن أقول خذلان. لكن  الأمور في خواتمها. عندما تمضي مسيرة إلى خاتمة لا تسر الذين كانوا فيها، يحصل استخلاص للعبر ونقاش. وعندما تصل إلى إجابات على «لماذا؟» تذهب في الاتجاه الذي يؤمن السير في المقاومة نحو أهدافها.
> ألا ترى أنك تمضي عكس الاتجاه السائد راهناً؟
– لا. نحن نمضي في الاتجاه السائد. المقاومة تيار يتقدم ولا يتراجع. وإذا وجدت عثرة في الطريق، فإن التقدم يتحقق من خلال القوة الأنضج التي تتسلم الراية وتواصل التقدم.
>  أتريد أن تقول إن حزب الله هو امتداد لحركة التحرر الوطني، فالعملية التي أسرت لسببها حملت اسم جمال عبدالناصر؟ أيوجد في اعتقادك لقاء بين هذه الرمزيات: حزب الله، عبدالناصر، الثورة الفلسطينية …إلخ.
– السيد حسن نصر الله عبَّر عن ذلك في خطابه عند استقبالنا في ملعب الراية. قال إن المقاومة مسيرة طويلة تمضي، وتأتي قوى تلعب دوراً في مرحلة معينة تتعثر تتراجع تتأخر، فتتسلم الراية قوة أخرى. بالتأكيد أي طرف يمضي في هذا المشروع هو امتداد لما كان سابقاً لا انقطاعاً عنه. تراث المقاومة ممتد، والمقاومة يتسلمها جيل بعد جيل بألوان مختلفة وبأحزاب مختلفة وبتسميات مختلفة، لكن الأهم أن المقاومة لم تتوقف منذ غزو فلسطين عام 1882.
> فيما يخص الانتماء لحزب الله، نعلم أن حزب الله حزب عقائدي، ولديه منهجية فكرية وتعبوية، ماذا عن العامل المذهبي الذي قد يشكل عائقاً مع الحزب؟
– لا. على العكس، أنا جزء من هذا الخط وهذه الايديولوجيا. المذاهب ليست ثابتة، والمذاهب تتغير حسب القناعة.
> ولكن التعبئة داخل حزب الله تأخذ طابعاً مذهبياً؟
– إذا قصدت أن الايديولوجيا تأخذ طابعاً مذهبياً، لا. هناك عقيدة، وهي طبعاً تنتمي إلى خط وفكر ديني، وهي جزء من ارتباط رباني. هذا تعبير، لكن هناك تعبير في مستوى ثانٍ يتجسد على أروع صورة، هناك من يطرح فكرة ايديولوجية يسميها ربانية، لكنه يجسدها في أبشع صورة وهناك من يتبنى فكراً ربانياً قرآنياً، ويجسد كل القيم الربانية والانسانية الرائعة، وحزب الله كذلك.
> متى بدأت هذه التحولات لديك، هل في مرحلة مبكرة من الأسر؟
– بدأت في أواخر التسعينات.
> أكان هناك سبب مباشر يمكنك الحديث عنه؟
– طبعاً. عندما تقف أمام تجربة متسائلاً: لماذا فشلت هذه التجربة؟ الانسان الذي يضع كل المعطيات أمامه ويفكر في سبب ما حدث، ولماذا تعثر المشروع ولماذا حصل الانحراف، وكيف نصحح ذلك، يجد الجواب على «لماذا؟».
> ما هو الجواب الذي توصلت إليه عن السؤال: لماذا؟
– الجواب عندي، هو أن القوى التي حملت مشروع المقاومة لم تكن قوى جذرية لديها فكر واضح منسجم مع تراث وتكوين مجتمعها.
> اتقصد أنها كانت قوى علمانية؟
– ليست علمانية فقط، بل وقوى تحمل أفكاراً مستوردة غريبة عن مجتمعاتنا.
> الأفكار الاشتراكية مثلاً؟
– نعم. أنا لا أؤمن بالافكار المستوردة، بل بالعقائد التي تنبع من داخل المجتمع، ومنسجمة مع قيم ومعايير المجتمع.
> ولكن الافكار التي تعتبرها مستوردة قابلة لتكييفها في واقع أي مجتمع، وهناك نماذج ناجحة؟
– هناك من يطرح تكييف الفكر، هذا ممكن أن ينجح، لكن الأساس يجب أن يعتمد على قيم ومعايير المجتمع، أي أن تُكيف الأفكار مع قيم ومعايير المجتمع الذي تُطبق فيه.
> حتى النماذج التي يزعم أصحابها أنها تنبع من المجتمع وخصوصيته، فشلت، وأمامنا النموذج السوداني، والنموذج الإيراني وما يظهر من انقسامات حوله داخل الشعب الايراني، لا يوجد، كما ترى، نموذج ناجح وملهم…؟
–  لا يمكن أن تحظى أية تجربة بإجماع. من الطبيعي أن يكون هناك انقسام حولها وتناقضات، وهذه طبيعة المجتمعات، تتفاعل مع الفكرة وتطرأ تناقضات. لكن المهم العنوان الأكبر، المهم العنوان السائد.
> ما بعد الأسر وبعيداً عن السياسة، بالتأكيد كانت لديك أشواق إلى أمكنة وأشخاص، وأصدقاء؟
– طبعاً التقيت بالكثير من الاصدقاء الذين تغيرت ملامحهم، وزرت الأماكن التي أحببتها ولديَّ ذكريات فيها.
> مثلاً؟
– قريتي، بعض الأماكن في الساحل، بعض الأحياء هنا في بيروت. هناك ارتباط عاطفي بالمكان وفق الذكريات القديمة.
> وفيما يخص صداقاتك القديمة هل اتصلت الآن؟
– القليل بقي منها، لأن البعض استشهد والبعض سافر.
> بكيت لفقد أحدهم بعد الأسر؟
– كنت وأنا في الأسر أتابع وأطلع، وكنت أتأثر جداً عندما أعلم أن فلاناً استشهد أو أصابه مكروه، كنت مطلعاً على بعض التفاصيل.
> أكان هناك شخص في بالك عند خروجك من الاسر تتشوق إلى لقائه، واكتشفت أنه لم يعد هنا؟
– لا،  لم يحصل ذلك.
> أكان هناك حبيبة تنتظرك؟
– (ضاحكاً) لا، ما حدا انتظرني.
> وفيما يخص الأصدقاء القدامى، بالتأكيد استعدت ذكريات، ووجدت البعض وقد قام بمراجعات وتحولات.. تماماً كما حصل معك، كيف كان وقع ذلك عليك وعليهم؟
– نعم، التقينا وتحدثنا طويلاً عن الماضي، وتناقشنا واستمعت إلى اسئلة عن أسباب هذه التحولات، وأجبت عليها.
> حدثنا عن صداقاتك الجديدة بعد الخروج من الأسر؟
– الصداقات الجديدة في معظمها داخل الحزب (حزب الله).
> في هذا السياق هل تصف السيد حسن نصر الله كصديق؟
– هو الأب والصديق والقائد. هو بالنسبة لي الرمز الأول.
> تابعنا لحظة لقائك به عند عودتك، والعناق الذي تم بينكما، وبالتأكيد جمعتكما لقاءات لاحقة، ما الجديد الذي اكتشفته في شخص نصر الله؟
– هذا رجل متواضع جداً جداً. عندما تلتقي شخصاً تحب أن تستمع وأن تجيب، وأن تأخذ وتعطي، ولكن الرجل (نصر الله) عندما تجلس معه تتملكك الرغبة في أن تستمع فقط.
> هو مرح أيضاً؟
– نعم.
> حدثنا عن لقائك الأول به؟
– كان لقاء عمل امتد لأربع ساعات. وتناولنا فيه ما حدث في الماضي والتطورات الجديدة.
> عدا التواضع، ما الذي اكتشفت في شخصه؟
– كلما تقدم الوقت خلال لقائي به اكتشفت أشياء جديدة. أهم شيء تواضعه،  ورغبته في أن يستمع، رغبته في أن يراعي رغبتي أنا، وماذا أريد. وجدته شفافاً جداً.
> وماذا عنك، هل اكتشفت أبعاداً جديدة في شخصيتك بعد خروجك من الأسر؟
– قبل أن أطلع من السجن، كانوا يقولون لي: أنت ستلقي خطاباً أمام الملايين في العالم العربي والعالم أجمع، وعليك أن تعد لخطابك وتكتبه، لا ينبغي أن تلقي خطاباً  مرتجلاً، يجب أن تكتبه، فهذه أمور ما فيها مزح. كنت مصراً ألا أكتب شيئاً،  واكتشفت أن الانسان الذي يصدق مع نفسه يستطيع أن يكون صادقاً مع الآخرين، وأن يكون في خطابه مؤثراً لأن كلامه يطلع مباشرة للناس.
> حدثتنا عن بعض الأشياء والأمكنة التي كنت تحن إليها وأنت في السجن، والآن أهناك ما تحن إليه في السجن؟
– نعم، هناك أصدقاء يعانون في السجن، ومن المهم أن نسعى إلى إطلاق سراحهم. وهذه أعتبرها مسؤولية على عاتقي.
> تقصد أصدقاء فلسطينيين؟
– وعرباً أيضاً.
> وماذا عن السجانين، أكانوا جميعهم سيئين في تعاملهم معك؟
– الذي لم يكن سيئاً كان يخاف. كان يوجد سجان سيئ يعبر عن حقده بطريقة مباشرة، وهناك من كان يعبِّر بطريقة غير مباشرة.
> أكان بين هؤلاء السجانين أشخاص من عرب 48؟
– للأسف نعم.
> كيف كان تواصلك معهم على الصعيد الانساني؟
– كان التواصل معهم انسانياً صعباً. السجان اليهودي جاء بعقيدة معينة ويريد قتلك، لكن هذا العربي ماذا يفعل؟
> ما هي أصعب لحظة مررت بها عند مغادرتك السجن؟
– عندما ودعت الاخوة الذين كانوا معي في السجن، كانت لحظة مؤلمة، وهناك من بكى.
> أتركت لديهم أشياء معينة، تذكارات مثلاً؟
– تركت ما فعلته فقط.
> ألم تترك لديهم مقتنيات شخصية؟
– كل مقتنياتي بقيت هناك، لم يسمح (السجانون) بأن أخذ شيئاً معي.
> ما أبرز تلك المقتنيات؟
– كتب.
> أكنت تكتب يوميات في السجن؟
– لا. إذا كتبت يوميات فسوف يصادرونها فوراً.
> هل كان لتلك الكتب تأثير في قرارك بالانضمام إلى حزب الله.
–  طبعاً، قرأت في الأفكار والدين.
> أنت شخصية شهيرة الآن، والانتخابات البرلمانية اقتربت، ألديك رغبة في الترشح لها؟
– (ضاحكاً) لا. هذه هي المرة المليون التي أسأل فيها عن ذلك.
> السؤال المليون وواحد: لماذا لا تريد أن ترشح للانتخابات؟
– رغبتي وتركيبتي ونفسيتي لا تنسجم إلا مع المقاومة، هذا أولاً. وثانياً لأنني لا أريد أن أستبدل معاناتي بمقعد نيابي، وثالثاً، الترشح للبرلمان يتطلب شخصية تكتيكية، ومناورة، ومجاملة، وأنا لا أحب المجاملة.
> ويمكن أن نضيف وجودك في حزب الله، والانتخابات كما تعلم تجري على أساس محاصصة طائفية؟
– لا يوجد مشكلة في ذلك، إذ يمكنني أن أترشح في إطار حزب الله في أي منطقة. لكنني لا أريد ذلك، وقد تناقشت في هذا الموضوع مع سماحة السيد حسن نصر الله، وقد تفهم رغبتي.
> هل كان من الداعين إلى ترشحك؟
– لا. هو اكتفى بطرح خيارات، وكان متفهماً لرغبتي بعدم اعتماد خيار الترشح.
> اصحاب خيار الترشح، أين كانوا يرغبون في أن تترشح في بيروت أم في الضاحية أم في الجبل؟
– وين ما كان يمكن أن اترشح.
> ألست ملزماً بموطن انتخابي؟
– لا، وين ما يقرر الحزب باروح اترشح.
> ما الذي تفعله بما تمثله من رمزية في لبنان إزاء النقد الموجه للمقاومة، والتشكيك في مقاصدها، بلوغاً حد اتهامها بالطائفية؟
– الذين يشككون في المقاومة أنا يائس منهم. مهما حكيت معهم لن يغيروا موقفهم، وبالتالي حرام نضيع الوقت معهم. كلما عمقنا منهج المقاومة، وزدنا من قوتها وجاهزيتها، وكلما طورنا من أدوات وأسلوب عملنا، يكون ذلك أفضل رد على المشككين.
> سأكون صادقاً معك، فهذه زيارتي الثالثة لبيروت، في زيارتي الأولى عام 1997 لاحظت التفافاً شعبياً كبيراً حول المقاومة، وفي زيارتي الثانية قبل عامين كان الالتفاف قد بدأ يتراجع، لكن الآن كان لافتاً انجراح الشارع البيروتي حيال المقاومة خصوصاً نزول حزب الله إلى شوارع بيروت في مايو الماضي…؟
– أنا ما تفرق معي، الذي بدو ينجرح ينجرح. همي هو حماية المقاومة. خيارنا كان بين أن نتركهم يذبحون المقاومة أو نفعل ما فعلناه، على الرغم من أن ما فعلناه هو شيء لا يُذكر بما فعلته الزعامات التي تهاجم المقاومة، هذه الزعامات، وهي كانت زعامات ميليشيات، فعلت كل الموبقات التي يمكن أن تتصورها، والآن يتباكون لأننا دافعنا عن أنفسنا وبشكل رمزي حتى أنه لم يقتل أحد.
> ولكن يوجد انجراح وهؤلاء كفئة من الشعب اللبناني هم الذين احتضنوا المقاومة وبالذات في بيرورت الغربية؟
– توجد تيارات سياسية منجرحة، ومن ناحيتي فلتنجرح كما تشاء، وجراحها لا تهمني أبداً، ما يهمني هو المقاومة.
> ألا يخدم ذلك مخططات خارجية؟
– نحن في (يوم) 7 أيار (مايو) تصدينا لمخطط خارجي. فإذا أدى هذا إلى جراح لا يهم، إذ لم يكن أمامنا خيار آخر.
> ولكن هذا لا يمنع من بذل جهود أو محاولات لتطبيب الجراح؟
– السيد حسن نصر الله كان واضحاً ومتفهماً وقدم كل ما يمكن من أجل إزالة أي سوء فهم حول ما فعلناه في 7 آيار وقد فُرِض علينا فرضاً. ولو كان هناك شخصية أخرى غير سماحة السيد حسن نصر الله على راس المقاومة لكان قد فعل ذلك منذ سنتين، ولم يتحمل ما تحمله السيد حسن نصر الله. حتى نحن استفززنا من قدرته على التحمل والصبر.
> مع ذلك فإن هناك تغيراً في خطاب قوى كانت دائماً في صف المقاومة مثل تيار كمال جنبلاط، والتيار الناصري، والآن فإن وليد جنبلاط في صف آخر؟
– هذا ليس ناجماً عن سياسات خاطئة لدى المقاومة، وإنما ناجم عن تحولات عندهم، هم الذين راهنوا على مشاريع أخرى، وهم الذين غيروا مواقعهم. نحن لم ندفع أحداً لتغيير موقعه.
> علينا ألا نتجاهل روح اللحظة، فهذا الانقسام في لبنان يحدث مثله في العراق، وفي بلدان عربية أخرى…؟
– (مقاطعاً) وكذلك في فلسطين.
> أقصد الاهتراء في النسيج القومي العربي، والمد الطائفي؟
– أخطر ما يواجهنا خصوصاً بعد 11 سبتمبر هو تغيير النهج الاميركي في الهجوم على المنطقة. واشنطن كان تعمل على تقوية اسرائيل والانظمة التي تدور في فلكها، لكن عندما رأت أن هذا النهج لا يخدم كثيراً مصالحها في المنطقة قررت الدخول إلى العمق، والعمل على تفتيت المجتمع وجعله ضعيفاً وغير قادر على قول لا. المدخل الأقوى من وجهة نظرهم كان الفتنة الطائفية، وبدأوها في العراق وافغانستان، وهنا في لبنان، وفي فلسطين أيضاً، رغم أنه لا يوجد شيعة في فلسطين، ولكن هناك تحريض على الشيعة حتى في فلسطين. من أجل هذا المخطط جندوا المليارات. نجحوا أحياناً، نعم. خلقوا شرخاً، نعم، لكن هل هذا يؤثر على مسيرة المقاومة وعلى العداء للولايات المتحدة الاميركية المتسع يوماً بعد يوم؟ لا. هناك نجاح تكتيكي، لكن في الاستراتيجية لم ينجحوا.
> أنا كمواطن عربي عندما أسأل: ماذا يفعل سمير القنطار؟ هل الجواب أنه سجين سابق فحسب؟
– (ضاحكاً) ما راح أقول لك. شو يا حاج (أحد أصدقائه حضر معه المقابلة) نحكيه شو بنشتغل؟
> في حزب الله تراتبية، هل أنت في موقع قيادي؟
– لا أستطيع أن اتكلم بأي كلمة في هذا الشأن. أنا في المقاومة.
> لنتحدث عن قراءتك الآن بعد خروجك من السجن؟
-لم أقرأ أي كتاب لأنني مشغول كثيراً. أقرأ فقط جرايد وبعض المقالات والتحليلات.
> والروايات؟
– لا، لم اتمكن من ذلك، تعرف انشغالي باستقبالات ولقاءات، فضلاً على العمل في المقاومة.
> ألا تشعر بالندم جراء عدم تمكنك من القراءة؟
– لا. أنا اتفهم ظروفي. هناك (في السجن) قرأت الكثير الكثير، أقله فأنا احتاج لإجازة من القراءة.
> لا أرى أن نظرك قد تأثر من كثر القراءة هناك؟
– لا. الحمد لله.
> قبل الأسر وأثناءه في السبعينات والثمانينات كان هناك أصوات شعرية وأدبية وغنائية ملهمة، كفيروز ومحمود درويش …إلخ، كيف تلقيت نبأ وفاة درويش؟
– محمود درويش شاعر كبير، وهو شاعر المقاومة، لكنني حزين جداً لأنه توفي قبل أن يكتب شيئاً عن المقاومة الاسلامية في لبنان. كان يجب عليه أن يكتب عنها.
> لكنك تعلم أن لدرويش قناعات مغايرة لنهج المقاومة الاسلامية؟
– إذا كان مقاوماً فيجب ألا يميز بين مقاومة وأخرى.  ومأخذي عليه أنه غادرنا قبل أن ينصف المقاومة الاسلامية في لبنان.
> قد يكون السبب أن له موقفاً نقدياً حيال هذه المقاومة؟
– يستطيع أن ينتقد، لكن البطولات والتضحيات ليست خاضعة للنقد.
> ماذا عن الرموز الفنية والادبية الأخرى التي كانت في السبعينات؟
– جزء منها تلاشى، جزء منها تحول، جزء منها غاب. ليسوا حاضرين بقوة الآن.
> على أنها كانت حاضرة لديك كمقاومة؟
– طبعاً. الأهم الآن أن جيلاً جديداً خرج الآن، وكل مرحلة لها رموزها الثقافية والفكرية والفنية.
> حزب الله يحاول أن يقدم شيئاً في هذا المجال عبر الأغاني الوطنية والاعمال الفنية؟
– نعم، لديه فرق، ولديه مؤسسات ضخمة جداً.
> أقصد أن الفن، دائماً، مطلوب؟
– بالتأكيد، إذا زرتم مركز رسالات ومركز الانشطة الفنية لحزب الله، ستذهلون مما ستشاهدونه.
> هناك أغان للمقاومة، ولكن هناك أغانٍ للروح، اتسمع أم كلثوم أو غيرها؟
– لا. أحب اسمع للمقاومة.
> وقبل السجن؟
– طوال الوقت أحب اسمع الأغاني الثورية.
> يعني أنت محتاج تسجن ثانيةً؟
– ضحك.
> زرت سوريا مؤخراً؟
– زرتها قبل نحو 20 يوماً.  زرت اللاذقية والقنيطرة والسويداء. وهناك عتب كبير عليَّ من المحافظات الأخرى.
> كيف وجدت مشاعر الناس هناك؟
– أنا تفاجأت حقيقة. باعرف أن الناس بتحبني، ولكن ليس إلى هذه الدرجة، حتى أنهم حملوا سيارتي.
> تماماً كما كان يحصل لزعامات عربية في السابق. وماذا عن اليمن أتلقيت دعوة ما؟
– تلقيت دعوة للمشاركة في مهرجان تضامني مع الاسرى الفلسطينيين سيعقد في 17 نيسان (إبريل) القادم. وإنْ شاء الله سنلبي هذه الدعوة، ونذهب لنرى اليمن وشعب اليمن.
> ما الذي ستحمله إلى اليمن؟
– مشاعر الود والوفاء والتقدير، والدعوة إلى أن يصعِّد الشعب اليمني مشاركته في الهم القومي.
> في مرحلة العمل الفدائي قبل الأسر، هل تعرفت على شباب يمنيين؟
– نعم.  وفي الأسر تعرفت على شباب يمني في أوائل الثمانينات، وقد أطلق سراحهم في عملية تبادل عام 1985. للأسف لا أتذكر اسماءهم.
> ماذا عن مرحلة ما قبل الأسر؟
– كان هناك يمنيون في الثورة الفلسطينية، واستشهد البعض منهم.
> وفي عمليات التنظيم الفلسطيني الذي كنت تنتمي إليه (جبهة التحرير الفلسطينية)؟
– طبعاً كان يوجد يمنيون. واتذكر واحداً منهم يُدعى أبو مهيوب،  وهو من عدن.
> متى تنوي الزواج؟
– قريباً. ليس بعد أيام بالطبع ولكن أسابيع.
> (مداعباً) أنت بالنسبة لك الأيام والسنون مش فارقة؟
– (ضاحكاً).
> يعني ستتزوج قبل زيارتك إلى اليمن؟
– قبل زيارتي لليمن.
> يمكن تغير رأيك في اليمن؟
– (ضاحكاً) يمكن نؤجل الزواج إذاً.
> يجوز الزواج مثنى وثلاث؟
– لا. بعد هذه السنوات مش راح اقدر إلا على واحدة.
> أتريد أن تتوجه بكلمة عبر «النداء» إلى اليمنيين؟
– محبتي الكبيرة للشعب اليمني، وهو شعب له تضحيات، وعانى الكثير، واتمنى للشعب اليمني أن يستمر بهذه الروح القومية، وأن يصعِّد دائماً في مواقفه مع الهم القومي، وخصوصاً تجاه المأساة الحاصلة في غزة.