لمعارضة في شارع بغداد..!

لمعارضة في شارع بغداد..!

عبد العزيز المجيدي
الجدل الدائر الآن بشأن الانتخابات النيابية المقبلة غير سوي. إن الجميع منهمكون في إقناع الناس أن مستقبل البلد يصنع في شارع بغداد حيث يجلس عبده الجندي وجماعته في اللجنة العليا للانتخابات، لا في حزيز مثلا، حيث يرقب أحمد علي عبد الله صالح نوبته في دار الرئاسة. هذه طريقة جيدة لإبقاء الأمر على ماهو عليه، واستمرار الانحدار صوب الكارثة التي بات يحذر منها العالم.
حتى الآن لا تفعل المعارضة اكثر من الانحشار في جملة مطالب جميعها مرتبطة بالانتخابات . إنها تتعاطى مع الأمر كما لو أن عودة الأكوع وأصحابه إلى اللجنة العليا للانتخابات ستفضي الى سيطرة المشترك على الحكومة عقب 27 ابريل المقبل. اما المؤتمر الشعبي العام  فانه لم يصمم منذ نشأته لأن يتجاوز  وظيفته “الوجودية”: العمل كقفاز للرئيس لا أكثر. مع ذلك فإنه يتصرف مع ما يحدث كما لو كان صاحب الفصل في كل شيئ.
مشكلة المعارضة أنها تتعامل مع القضايا الكبرى للبلد باسترخاء شديد، وحين تستيقظ على تفجر المشاكل تبدو أكثر ارتباكا من السلطة نفسها. لقد تعين علينا انتظار قرابة العام كي يبدي المشترك   ما يشبه الاعتراف بالقضية الجنوبية. كان الطبيعي ان يقود المشترك نفسه هذه المطالب بالنظر إلى خطورة الأوضاع التي ترتبت عن نتائج حرب 94م على كل أطراف العملية السياسية في البلد بلا استثناء. لكن التكتل الذي لاح كقوة سياسية واعدة مع بزوغه قبل سبع سنوات بدا مع مرور الوقت بطيئا ومتثاقلا ويفتقر إلى الديناميكية في حركته.
المؤكد ان المعارضة لم تكن أفضل حالا من السلطة في قراءة المشهد المزدحم بتداعيات ناتجة عن سلسلة إزاحات أفضت إلى التفرد بالسلطة والثروة، ومن ثم السير في مخطط توريثها كشيئ وحيد يجري التخطيط له بإحكام . لقد أثبتت الاحتجاجات الجنوبية التي بزغت مطلع العام الفائت أن المعارضة التي يقودها جيل  “التسويات مع الرئيس” منذ وثوبه إلى السلطة، تفتقر إلى القدرة على الملاحظة والتنبوء بما ستؤول إليه الأمور لاحقا. وعدم التقاط مشكلة ظلت تتفاقم على نحو متزايد كما هو الأمر في الجنوب، يكشف كم أن الأحزاب هشة وبعيدة عن قضايا الناس والبلد بشكل عام.
  إن الأسوأ في الأمر أن بعض ما ظلت تلوكه السلطة عن وجود ذات المشاكل التي يعاني منها الجنوب “الفساد نهب الأراضي”  كما لو كان مبرراً لأن يصمت الناس وجد طريقه إلى خطاب بعض أطراف المعارضة التي أخذ بعض قادتها يرددون ذات الأمر في مواجهة احتقانات تصاعدت نبرتها وصولا إلى طلب تقرير المصير. هل هي دعوة للجنوبيين للوحدة مجددا مع حالة الموات المسيطرة في الشمال؟ ثم ما الجدوى من أن” نجوع وتبقى الوحدة” كما أعلنها محمد اليدومي رئيس حزب الإصلاح  مطلع العام الجاري؟
ليس ثمة معارضة في الدنيا تملك من المبررات لإعلان حالة الاستنفار بين صفوفها لمواجهة المخاطر المتفاقمة الناتجة عن سوء إدارة الحكم كما في هذا البلد . مع ذلك فإن لدينا أحزاب مخملية تراهن على بيانات المقايل، رغم أنها تحرص دوما على حشوها  بتحذيرات من كوارث قادمة. فضلا عن ذلك فإن بيانات ومواقف الاحزاب غالبا تاتي عمومية وتفتقد للتفاصيل.
 في مقابل شكوى دائمة من ذهاب فوارق أسعار النفط إلى جيوب مسؤولي السلطة.
 من منكم استمع مثلا إلى دراسة  ولو مقاربة بناء على الارقام الرسمية المعلنة حتى  عن عائدات النفط المتحققة خلال فترة ارتفاعه قرابة العامين إلى خمسامئة في المائة؟. وعندما رفعت اللجنة الحكومية (باصرة، هلال) تقريرها إلى رئيس الجمهورية عن خمسة عشر شخصا ينهبون المحافظات الجنوبية، لماذا لم ترتفع أصوات كتل المعارضة في مجلس النواب على الأقل للمطالبة بالكشف عنهم؟
 اليمني يسحق بسهولة على شتى الجهات. انه عرضة للإهانة والإذلال في وطنه بحماية أجهزة الحكم نفسها (نموذج شيخ الجعاشن المدعوم من الرئيس، جرائم النافذين ضد البسطاء: الرعوي،  الحبيشي، اغتصاب الطفلة سوسن، وممارسات شيخ الجعاشن، نهب الأراضي).
هذا بعض مما يحدث في الداخل. اما في الخارج فإن الوقوف على مصير ضحايا محرقة خميس مشيط  التي ارتكبها جنود سعوديون ضد عمال يمنيين سينبئ عن جزء من شكل الكرامة التي آل إليها اليمني في المهجر. 
 كان الأجدر بالمعارضة التي دفعت بالحشود في المحافظات للاحتجاج على مضي المؤتمر في الإعداد للانتخابات منفردا أن تفعل ذات الأمر من أجل تحقيق إصلاح سياسي فعلي. إنه البرنامج الذي طرحته المعارضة نهاية عام 2005م واعتبرته مدخلا للإصلاح الشامل. بدلا من  متابعة الخطوات نحو هذه الغاية ارتكبت خطاً فادحا بإعادة ترتيب أولوياتها على هذا النحو: إصلاح آلية الانتخابات اولاً كمدخل للاصلاح الشامل. كان ذلك انغماساً في الارتباك  بدأه عبد الوهاب الآنسي عقب الانتخابات الرئاسة، واستغرق فيه المشترك دون أن يقول للناس : كيف سيصل إلى انتخابات حرة ونزيهة وهو لا يستطيع ضمان أن شيكات البنك المركزي وخوذات الجيش ستخوض المعركة بحياد؟
 تستطيع الأحزاب  باستمرار الاعتصام أن تحرز مكاسب على شكل أعضاء إضافيين في لجنة شارع بغداد. وربما الوصول لتأجيل الانتخابات كأقصى ما يمكن تحقيقه للحصول على فرصة أفضل للحفاظ على المقاعد المهددة. لكن ذلك بالنسبة لأنصار تلوكهم المواجع سيبدو هدفا متهافتا، وصغيرا. وحين يعودون إلى منازلهم  وليس بين  قائمة  أهدافهم  الملحة  سوى  إعادة الاكوع، أو التفاوض لإعادة كتلة الإصلاح الحالية مثلا سيشعرون بالخيانة حتما سيما إن كانت الاعتصامات  تخلو من إغراءات حضور الآنسي واليدومي ونعمان أيضا .  لعل ذلك ليس كل مافي جعبة المشترك إذا أراد إن يسجل شيئا من الحياة بين الناس.
[email protected]