عبدالحميد الشعبي – عضو المكتب العسكري للجبهة القومية: (الحلقة التاسعة) استدعت مخابرات صلاح نصر بعضا من قيادات حركة القوميين العرب، فرع الشمال، لمعرفة الجهة الحقيقية التي تقوم بالعمل الفدائي في عدن

عبدالحميد الشعبي – عضو المكتب العسكري للجبهة القومية: (الحلقة التاسعة) استدعت مخابرات صلاح نصر بعضا من قيادات حركة القوميين العرب، فرع الشمال، لمعرفة الجهة الحقيقية التي تقوم بالعمل الفدائي في عدن

> عقد شباب الجبهة القومية اجتماعا من دون فيصل عبداللطيف، فاعتقدت مخابرات صلاح نصر أنهم سحبوا ثقتهم منه
> المعلومات التي حصلت عليها مخابرات صلاح نصر من المتعاونين، أدت إلى كشف فيصل عبداللطيف، ونور الدين قاسم، وما يزيد على 45 فدائيا بعدن
تعاود “النداء” بدءاً من هذا العدد مواصلة نشر ما تبقى من حلقات حوار الأستاذ عبد الحميد الشعبي عضو المكتب العسكري للجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل،وتعتذر للقراء الكرام عن عدم تمكنها من نشر هذه الحلقة في العدد الماضي كما وعدت لأسباب فنية.
وفي السطور التالية يتحدث عبد الحميد الشعبي عن جملة من القضايا والمستجدات التي طرأت عقب انتهاء المؤتمر الأول للجبهة القومية المنعقد بتعز من تاريخ 22-25 يونيو 65 وحتى ما قبل الاندماج القسري بين الجبهة القومية ومنظمة التحرير في 13يناير 66.ومن هذه القضايا ما يتعلق بعقد اجتماع لشباب الجبهة القومية في تعز دون موافقة قيادة الجبهة،وتعرض جبهة عدن لضربة قوية ومؤثرة من قبل المخابرات البريطانية كادت تفقدها توازنها،بالاضافة إلى استغلال المخابرات المصرية أو”مخابرات صلاح نصر” كما يسميها،للتباينات والخلافات التي حدثت للتحضير لعملية الاندماج القسري.
حوار: سامي غالب- باسم الشعبي

> بعد المؤتمر الأول للجبهة القومية الذي انعقد في تعز في يونيو 65 صدر قرار بعودة الشباب المشاركين في المؤتمر إلى جبهات القتال، فهل عادوا؟
– أصدر فيصل عبداللطيف قرارا بعودة الشباب ومندوبي المؤتمر إلى الداخل، لتحمل مسؤولياتهم في جبهات القتال، وقد التزموا بذلك، ما عدا عبدالفتاح إسماعيل لم يلتزم وبقي في تعز بحجة أنه مريض.
> ألم يكن مطلوبا من المخابرات البريطانية في عدن؟
سعيد الجناحي قال في كتابه أن المخابرات البريطانية رصدت نصف مليون دينار للقبض على عبد الفتاح إسماعيل ولم أكن أعرف ذلك. كل ما أعرفه أن عبد الفتاح فضل البقاء في تعز بسبب أنه مريض كما قال هو.
> الشباب كانوا يطالبون في تلك الأثناء بعقد اجتماع خاص حسب وعد القيادة…؟
– نعم، وقد مثل قرار العودة إلى الداخل مفاجأة للشباب، كون هناك عدد من القضايا لم تناقش في اجتماع الشباب الذي انعقد قبل المؤتمر ولا في المؤتمر. وكانت القيادة وعدت بعقد اجتماع بعد انتهاء أعمال المؤتمر الأول، لمناقشة تلك القضايا وقد بذلنا جهودا لإقناع القيادة بالالتزام بوعدها للشباب بمواصلة الاجتماع لاستكمال ما لم يناقش إلا أن تلك الجهود لم تحقق نتائج ايجابية، ومن هنا بدأ التذمر يدب في نفوس الشباب، لاسيما عناصر حركة القوميين العرب.
> لماذا كان الشباب، وأنت واحد منهم، يصرون على عقد الاجتماع رغم عدم تحمس القيادة لذلك؟
– كانوا يرون في الاجتماع فرصة لمعالجة بعض الاختلالات التي بدأت تظهر في مسيرة الثورة، كبيع البعض للأسلحة، وكذا لمحاسبة بعض الانتهازيين والمندسين في الجبهة القومية، ومناقشة إدخال الشباب المتواجدين في مكتب الجبهة القومية بتعز إلى جبهات القتال، للاستفادة منهم بحسب إمكاناتهم وقدراتهم.
بالإضافة إلى شعورهم بأن مخابرات صلاح نصر قد كشرت عن أنيابها للانقضاض على الثورة من خلال زرع الخلافات والانقسامات في الجبهة القومية، وانفصال فرع حركة القومين العرب في الشمال عن القيادة الموحدة للإقليم، واعتكاف عبدالفتاح إسماعيل في منزله بتعز ورفضه العودة إلى جبهة عدن لتحمل مسؤولياته، وعدم تحديد مهام للشباب العائدين من جمهورية مصر العربية بعد إنهاء دورة تدريبية، وغيرها من القضايا التي كان الشباب يريدون مناقشتها.
ولمدة ثلاثة أشهر منذ انتهاء أعمال المؤتمر الأول في 25 يونيو 65 ونحن نحاول إقناع القيادة، لاسيما فيصل عبداللطيف الشعبي بعقد اجتماع للشباب حتى لا يحدث شرخ في جسم الجبهة القومية، إلا أننا لم نوفق في ذلك.
 وكانت مخابرات صلاح نصر في تعز تراقب الأحداث، وقد استغلت عدم تحمس فيصل لعقد الاجتماع استغلالا سيئا، حيث بدأ عملاؤها المندسون في الجبهة القومية بنشر الإشاعات، وتم التركيز على أمين عام الجبهة القومية قحطان محمد الشعبي في بادئ الأمر، لأنها كانت تعتبره عدوها الأول، وبعد ما يزيد على شهر أضافت إليه فيصل عبداللطيف الشعبي. وفي سبتمبر 65 كانت الإشاعات تشمل “الشعابية” جميعهم المتواجدين في تعز، أي أبناء “وادي شعبـ” بمديرية طور الباحة، بأنهم يسيطرون على الجبهة القومية.
> كم كان عددكم في الجبهة القومية؟
– كنا أربعة في القيادة، وهم: قحطان محمد الشعبي أمين عام الجبهة القومية، وفيصل عبداللطيف الشعبي المسؤول التنظيمي للجبهة القومية، وعلي محمد سالم الشعبي مسؤول مكتب الأمن في الجبهة القومية، وعبدالحميد الشعبي عضو المكتب العسكري. وثلاثة جنود كانوا يقومون بحراسة مكتب الجبهة القومية بتعز هم: صالح حسن غرابي الشعبي، وشريف بجاش الشعبي، وعبدالواسع قحيز الشعبي.
> ولكن ما هي الأسباب التي جعلت فيصل الشعبي غير متحمس لعقد اجتماع للشباب؟ وبماذا أجابكم حينما كنتم تحاولون إقناعه؟
– اتضح فيما بعد أن السبب الذي جعل فيصل غير متحمس لعقد الاجتماع، هو شعوره بأن أي نقاش يتعلق بعملية محاسبة لأعضاء الجبهة سيترتب عليه اتخاذ عقوبات تنظيمية، ولم يكن يريد ذلك، خشية من أن تتخذ مخابرات صلاح نصر عملية المحاسبة ذريعة لتأجيج الخلافات وتعميقها والتشهير بالجبهة القومية.
> ألا يوجد سبب آخر؟
– هناك سببان: الأول، أن الأشخاص الذين كانت تدور حولهم شكوك كانوا محل ثقة لا حدود لها عند فيصل، وهذا كان خطأ. وثانيا: كان يطلب دليلا حتى يتخذ قرارا، وكان محقا في ذلك.
> كان يرى أن المسألة مجرد شكوك، ولم تكن هناك أدلة تترتب عليها قرارات…؟
– كان يدرك أن مخابرات صلاح نصر، بدأت تضيق ذرعا بانتصارات الجبهة القومية، وأنها تعمل على زرع الخلافات والانشقاقات في صفوف الجبهة لإعاقتها عن القيام بمسؤولياتها وأهدافها التحررية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن الشكوك التي كانت تدور حول عدد من الأشخاص، أفرزت بعض التحركات المضادة، منها محاولة الضغط لإبعاد علي محمد سالم الشعبي من مكتب الأمن.
فمخابرات صلاح نصر حينما علمت أن علي الشعبي (مسؤول مكتب الأمن) بدأ يشك في بعض الأشخاص المتعاونين معها، وخوفا من كشفهم، سارعت عبر هؤلاء المتعاونين، إلى طلب تسليم مفتاح مكتب الأمن لعبدالفتاح إسماعيل، وحينما طرح ذلك على قحطان الشعبي رفض بشدة، ولما بلغ الموقف شفير الانفجار، سارع فيصل عبداللطيف إلى احتوائه، وقد نزلت إشاعات في شوارع تعز يومها عن أن مدير مكتب الأمن، يتابع شباب الجبهة القومية، والذي قام بإنزالها مخابرات صلاح نصر، والجيب التنظيمي المزروع في الجبهة القومية.
> ماذا قرر الشباب بعد ذلك بشأن الاجتماع؟
– رأى شباب الجبهة القومية أنه لا بد من التشاور مع شباب حركة القوميين العرب فرع شمال اليمن.وكان رأي سلطان أحمد عمر وعبدالحافظ قائد وعبدالقادر سعيد وعبدالرحمن محمد سعيد مع عقد الاجتماع.وقد عقد الاجتماع بمنزل عبدالباري قاسم عضو المكتب التنفيذي لجبهة القومية بمدينة تعز في9أكتوبر 65.
> تشير الوثائق إلى أنك توليت تحديد مكان وزمان الاجتماع، وكذا التواصل مع حركة القومين العرب فرع الشمال؟
– نعم.
> هل وجهتم دعوات للقيادة لحضور الاجتماع؟
– وجهنا دعوة لفيصل عبداللطيف الشعبي، وعلي السلامي من القيادة العامة، كما وجهنا دعوة لعبدالفتاح إسماعيل وكان يومها معتكفا في منزله بتعز.
> هل حضروا؟
– حضر عبدالفتاح والسلامي.
> وفيصل؟
– أثناء الاجتماع علمنا أنه غادر إلى عدن بصحبة عبدالرب علي محمد “مصطفى”.
> هل غادر لأنه كان لا يريد حضور الاجتماع أم لسبب آخر؟
– أعتقد فيصل أن عدم حضوره الاجتماع سيؤدي إلى عدم انعقاده، وقد تفاجأ حينما علم أن الاجتماع نجح ونوقشت فيه بكل صراحة ووضوح عدداً من القضايا التي يطالب الشباب بمناقشتها، وقد ترك عدن عائدا إلى تعز. وحينها أوحى إليه نفر من أعضاء الجبهة القومية أن الاجتماع استهدفه شخصيا، وجرى التنسيق بين هؤلاء النفر، ومخابرات صلاح نصر بقصد إحداث شرخ بين فيصل وشباب الجبهة القومية، وفي تلك الأثناء كانت مخابرات صلاح نصر تحضر لعملية الاندماج القسري بالتعاون مع عناصر محدودة في الجبهة القومية.
> جبهة عدن تعرضت في تلك الفترة لضربة مؤثرة، من قبل المخابرات البريطانية، وقد سافر فيصل عبداللطيف إلى عدن كما تشير الوثائق في محاولة لإعادة ترتيب العمل الفدائي هناك؟
– نعم. تعرضت جبهة عدن لضربة قوية بسبب خطأ بسيط من قبل أحد الفدائيين في أحدى العمليات، أدى إلى اعتقال أكثر من 40 فدائياً وكشف المخابئ الخاصة بالأسلحة التابعة للجبهة. كما كشفت السيارات التي كان يستخدمها الفدائيون، الأمر الذي دفع فيصل عبداللطيف للسفر إلى عدن رفقة عبدالرب علي محمد “مصطفى” في يوم انعقاد اجتماع الشباب (9 أكتوبر 65)وقد أعاد للعمل الفدائي هناك روحه ومكانته بأكثر مما كان عليه، وقد أزعج ذلك مخابرات صلاح نصر، الأمر الذي دفعها بشكل جدي إلى التخطيط لمسألة الدمج القسري.
> ما علاقة مخابرات صلاح نصر بما حدث لجبهة عدن؟
– عرف فيما بعد، أن ما حدث في عدن، كان عمل استخباراتي منسق بين مخابرات صلاح نصر، والجيب التنظيمي المزروع في الجبهة القومية، والمخابرات البريطانية.
> كيف حدث ذلك، ومتى؟
هذه عملية معقدة لا أستطيع شرحها الآن، ولا أعرف بالضبط متى حدث التنسيق، لكنها حدثت بالفعل.
> من هم المتورطون من أعضاء الجبهة؟
مجموعة أشخاص لا يتجاوزن العشرة،وقد أتضح فيما بعد أنهم كانوا عبارة عن جيب تنظيمي مزروع في الجبهة القومية،ولا داعي لذكر الأسماء.
> إلى السلامي وعبدالفتاح، من حضر الاجتماع من الشباب؟
– عبدالباري قاسم، حسين عبدالله عبده، محمد سعيد مصعبين، سالم ربيّع علي، ناصر علي صدح، عبدالرحمن محمد سعيد، عبدالقادر سعيد، عبدالرزاق شائف، علي ناصر محمد، محمد علي هيثم، بخيت مليط، وأنا.
عبدالفتاح والسلامي لم ينطقا بكلمة واحدة، لأنه كان لديهم مخطط. لم نكن نعرف عنه أي شيء، حتى أننا أثرنا الموضوع بعد ذلك، أنه في اتصالات بينهم وجهات مختلفة.
> اتصالات مع المخابرات…؟
– لا، بل مع بعض الوزراء والسلاطين، ونحن كنا نطالب بتوضيحات حيال هذا الموضوع. وكان السلامي يعرف بهذه الاتصالات ولم يتكلم. وقد اشتهر الاجتماع، وكان له محضر حددنا فيه كل صغيرة وكبيرة.
> هل تحتفظ بالمحضر؟
– يوجد ناس محتفظون به.
> ما الذي حدث بعد ذلك؟
– المخابرات المصرية استغلت الاجتماع، كونه، يحدث لأول مرة اجتماع موسع من دون فيصل عبداللطيف، معتقدة أن الناس الذين اجتمعوا، سحبوا ثقتهم منه.
> فهمت غلط؟
– نعم، وقاموا ضربوا ضربتهم.
> عملوا على إزاحة فيصل من الجبهة؟
– المخابرات حاولت اللعب على هذه الورقة، لكن شباب الجبهة القومية، كانوا يعرفون تماما من هو فيصل، وقد وقفوا إلى صفه وصف قيادة الجبهة، بعد ذلك، لإفشال عملية الدمج.
> هل كنتم تعتقدون أن محاسبة من أسميتموهم بالفاسدين والمندسين سيحل الصعوبات التي كانت تواجه الجبهة؟
– كان الشباب يرون أن وجود هؤلاء يمثل خطرا على الثورة، وأنه لا بد من محاسبتهم.
> هل تلقيتم رسائل أثناء الاجتماع أو بعده، من أعضاء الجبهة، أم من جبهات القتال؟
– تلقينا رسالة من جبهة ردفان، بتاريخ 20أكتوبر1965 من بليل جيوب قاسم، وقاسم عبدالله الزومحي. كان نصها: “إلى لجنة المحاسبة في الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل، نفيدكم بأننا نريد الكشف عن كل ما صرف من سلاح ودمتم محروسين”.
> وهل تم الكشف عن الأسلحة المصروفة؟ ومن قام بصرفها؟
– نعم. ناقشنا في الاجتماع جميع القضايا، كبيرها وصغيرها،، وسُمِّيت الأشياء بمسمياتها، وتم تدوينها في محضر سُّلم لعبدالفتاح إسماعيل وعلي السلامي، على أن يتم مناقشة تلك القضايا في اجتماع المجلس الوطني لقيادة الثورة المقرر عقده في 30 يناير 66. إلا أن مخابرات صلاح نصر والمتعاونين معها استبقوا الأمور وأعلنوا الاندماج يوم 13 يناير66.
> يبدو أن اعتراض فيصل الشعبي على عملية المحاسبة كان صائبا، لأن المخابرات المصرية استغلت كما هو ظاهر محضر الاجتماع للترويج لعملية الدمج؟
– فيصل كان حريصاً على بقاء الجميع في الجبهة القومية، وكان يعمل على إصلاحهم، و يرى أن عملية المحاسبة ستترتب عليها بالضرورة عقوبات، هذه العقوبات سوف تتخذها مخابرات صلاح نصر كذريعة، وستعمل على احتواء الذين ستتخذ ضدهم العقوبات وتعيد توجيههم ضد الجبهة القومية، وكان يرى أن الجبهة في غنى عن ذلك في تلك المرحلة الصعبة بالذات.
> يعني أن المخابرات لم تتحصل على نسخة من المحضر؟
– بالنسبة لمحضر الاجتماع لم تحصل على نسخة منه كما روج حينها، ولكنها تسلمت تقريرا عما دار في الاجتماع، واستغلت ذلك متوهمة أن ما حدث هو سحب الحصيرة من تحت قيادة الجبهة القومية.