العاصمة التاريخية – محسن العمودي

العاصمة التاريخية – محسن العمودي

ما زالت رحلة صنعاء عاصمة اليمن الموحد مستمرة، مدينة جميلة بطقسها الرائع والمتقلب وأمطارها الصيفية المفاجئة كمزاج أهلها، والأهم والأمتع أهلها المساكين الطيبون، صنعاء لا تزال قرية كبيرة فنتاج الثورتين شمالا وجنوبا لم يستطع تحويلها الى مدينة لتصبح عاصمة، وعقب الوحدة اليمنية وبعودة قرابة المليوني مطرود من لدن الجارة الشقيقة، اتسعت صنعاء وكبرت مساحة وازدادت بشرا، ولكنها، وللأسف الشديد، مازالت تبحث لها عن هوية بين المدينة والقبيلة أو الحضارة والبداوة
الزمن كان، ولا يزال، كفيلاً بحتمية التغيير وان لم يكن المنشود، فالمراقب لجانب واحد لمسَه كل من زارها سوف يلحظ اختفاء أو تواري ظاهرة حمل السلاح بشكله السافر والواضح قبيل العشرة الأعوام المنصرمة، حتى أن رؤية الكلاشنكوف الروسي” على الأكتاف أضحى مسيئا ومخجلا لحامله قبل الناظر، أو حتى المتمنطق بالمسدس في الخاصرة داخل المدينة أصبح أيضا مشينا لحامله قبل المشاهد.
تبقى مظاهر مثيرة للحزن والألم وباعثة للأسى، أهمها منظر العشرات بل المئات من الأطفال والنساء عند إشارات المرور الضوئية، منهم من يتسول متعللا بالفقر والحاجة أو متعذرا بإعاقته الجسدية، والغالبية ممن تنطبق عليهم القاعدة الاقتصادية! البطالة المقنعة، يبيعون ابتداء من قارورة الماء وانتهاء بأشرطة الكاسيت وعلب المناديل الورقية. ومن المفارقات أن تجد السيارات، بمن تحمل من القطط السمان (من البشر) تقف أو تمر غير عابهة بهؤلاء المساكين الذين هم في حقيقتهم ضحايا ظروف اجتماعية أو اقتصادية وجزء من أزمة وطن اسمه اليمن.
الأمطار نعمة من نعم المولى عز وجل، إلا أنها في عاصمتنا أضحت نقمة ووبالا بما تخلفه من أضرار واضطرابات في الشوارع والأزقة وعلى البيوت، وهو نتاج طبيعي لسوء التخطيط، بل وغيابه في حياتنا العامة والخاصة، وتكريسا للعشوائية والفوضى اللتين أصبحتا القاعدة العامة، فبهما يصبح صوت العقل والمنطق كالتغريد خارج السرب.
تبقى لصنعاء نكتها الخاصة وطابعها المتميز كأي مدينة يفوح منها عبق التاريخ والأصالة وعمق الحضارة، ولكنها تبقى أيضا مرآة لواقعنا المعيش بكل سلبياته، وما أكثرها!، وايجابياته وما اقلها! وهي تبقى أيضا مدينة بروحها ورائحتها الخاصة، فما أجملها! وما اشد حاجتها لتيار يقودها والوطن نحو المستقبل!!
 وأخيرا التحية وكل التقدير للإخوة “حضارم 48” المتواجدين في صنعاء وعدن -كما أطلق البعض منهم تلك التسمية- والمسكونين بهمِّ حضرموت والوطن والمتابعين بدقة لكل ما يتعلق بشؤون محافظتهم، فأجسادهم في صنعاء وعدن وقلوبهم وأرواحهم موزعة بين حضرموت – واديها وساحلها.

[email protected]