حيدر أبوبكر العطاس لـ«النداء»: صفة الغضب عندما تعتري الحاكم تنزع منه أهلية الحكم (1-2)

حيدر أبوبكر العطاس لـ«النداء»: صفة الغضب عندما تعتري الحاكم تنزع منه أهلية الحكم (1-2)

* لم تكن هناك نية لوحدة حقيقية  لدى قيادة صنعاء، وإنما أرادت الاستيلاء على المزيد من الأراضي والمزيد من السلطة
* في 1986 طرحت فكرة وحدة ثلاثية يمنية شمالية ويمنية جنوبية، وليبية، فغضب الرئيس علي عبدالله صالح
* إذا لم يُعتمد نظام فدرالي بين الشمال والجنوب فإن المستقبل سيكون لخيار الانفصال
* قال لي الرئيس في 19 يناير 1994 إذا اردتم تقسيم الجنوب إلى مخاليف قسموه، أما أنا فلن أقسم الشمال
* التباين في مواقف قيادات الحزب الاشتراكي حيال الوحدة قبل عام 1990لم يكن ينطلق من انتماءاتهم المناطقية
* التعجيل بقيام الوحدة واختصار المرحلة الانتقالية إلى نصف عام جاء بتأثير من الخارج، ومرتبط بالاجتياح العراقي للكويت
* الرئيس علي عبدالله صالح كان يريد مشاركتي في التوقيع على اتفاقية نوفمبر، لكنني كنت ملتزماً لقرار الهيئات بالموافقة على وحدة كونفدرالية فقط
* لجنة برئاسة سالم صالح محمد أعدت تقريراً نهاية عام 1987 أوصى بتأجيل مسألة الوحدة 10 سنوات
* تدوير المناصب العسكرية وعدم جواز تولي أقارب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان مواقع رفيعة في الجيش، هما من أبرز أسباب تفجير حرب 1994
 
امتد هذا الحوار مع حيدر أبوبكر العطاس 3 ساعات خلاف ما كان متفقاً عليه بأن لا يتجاوز الساعة. وهو قال لي إنه اعتذر عن تلبية طلبات عديدة لإجراء مقابلات صحفية معه مؤخراً، خصوصاً بعد التصريحات الشهيرة لمستشار رئيس الجمهورية عبدالكريم الإرياني التي بثتها قناة «الحرة»، قبل أن يضيف: رُبَّ صدفة خير من ألف ميعاد.
كنت مررت بالقاهرة قبل أسبوعين في طريق عودتي إلى صنعاء من زيارة إلى الولايات المتحدة الاميركية. وقد أبلغني أحد معارفي هناك بوجود «رئيس وزراء دولة الوحدة» في القاهرة، مقترحاً عليَّ ضمنياً التواصل معه لإجراء حوار صحفي.
اتصلت بـ«رجل الدولة» الذي صار في أدبيات الخطاب الرسمي «مهندس الانفصال»، وقد رحب بالحديث إلى «النداء» التي قال إنه يتابعها ويكن لها الاحترام.
في اليوم التالي تحدث كـ«رجل الدولة»: يتكلم عن القليل مما يعرف موفراً الكثير إلى مذكراته المرتقبة، وربما إلى ملمات قادمة، مدللاً على آرائه بالحقائق والمعلومات، نائياً عن إغراء «الصفات». وعندما مازحته لافتاً إلى تشبثه بميراثه كرجل سياسة متخفف من العقائدية، ابتسم قبل أن يسافر عبر الزمان إلى حقبة الحكم الاشتراكي في اليمن الجنوبي، ويرجع مجدداً إلى الصحفي الذي يناكفه، موضحاً: في الماضي كان يؤخذ عليَّ ذلك، حتى أنه لم يسجل لي أي حديث أتغنى فيه بالماركسية اللينينية.
والحق أن أبرز ما أدركته في شخص «المتخفف من الغلو والعقائدية» هو السلام الداخلي الذي فاض مراراً خلال هذا الحوار. إلى هذا السلام عزوت النبرة الهادئة التي طبعت إجاباته، حتى وهو يرد على أسئلة تتعلق بشخصه، دافعاً عن نفسه اتهامات تتعلق بمسلكه وثروته!

 حوار: سامي غالب


 
* تجددت الدعوات “الفضائية” إليك للعودة، وذلك عبر تصريحات أدلى بها عبدالكريم الإرياني لقناة “الحرة” مؤخراً، كيف تلقيت هذه الدعوة الأخيرة؟
– الاتصالات بشأن عودتي لم تنقطع منذ 1994. تأخذ أحياناً شكل الاتصال المباشر، وأحياناً شكل الدعوات عبر الفضائيات. المحزن هو تصوير المسألة على أنها مجرد شخص يعود ويحصل على ما يريد. لقد أكدت على الدوام أن القضية ليست شخصية، ولو كان الأمر بالنسبة لي قضية شخصية لكنت حسمته مبكراً، والجميع يعرف ذلك. لكن القضية قضية شعب ومستقبل وطن، كيف تعالج الأمور بشكل صحيح، بحيث كل شخص عنده إمكانية يسهم من موقعه ومع مختلف الفعاليات والشخصيات في تنمية البلد. كانت إجاباتهم دائماً: اطلب ما تريد. كان ردي باختصار: ليست لدي مطالب شخصية، اتخذوا إجراءات حقيقية على الأرض ستجدونني أمامكم من دون دعوة.
* الإرياني تحدث عنك باعتبارك صديقاً، لكنه استخدم في الوقت نفسه عبارات قاسية، كما في قوله إنك انفصالي حتى العظم، كيف تقرأ هذه الصداقة؟
– معرفتي بالإرياني قديمة، وعلاقتي به متواصلة من وقت إلى آخر. نلتقي صدفة أحياناً، وأحياناً نلتقي في مناسبات وفعاليات نشارك فيها. أعرف موقفه وآراءه حول مختلف قضايا اليمن، هو ممّن يتمنى أن يتخلص من هذا النظام، ويبحث عن اليوم الذي يستطيع أن ينفذ فيه بجلده ويخرج. وهذه الكبوة التي حصلت منه سببُها أنه طُلب منه ذلك، طُلب منه قول هذا الشيء، ولا أعتقد أن هذا موقفه. تواجهنا في مناسبات عديدة، قبل الوحدة وبعدها، وبعد حرب 1994، ولاحقاً في مناسبات إقليمية ومنتديات دولية، وكان من الناس الذين يرون أن اليمن يتجه نحو الهاوية، وفي نظره لا يوجد أفق مفتوح للبلد. شخصياً لم أفاجأ بما قاله، ولكن كثيرين فوجئوا. أنا لا ألومه، لأنه إنْ لم يقل ذلك فربما يواجه مشكلة.
* ما دلالة توقيت تصريحاته، علماً بأن المذيع هو من سأله، لكنه استطرد في خصوصك، أيوجد شيء محدد من جهتك يمكن قوله؟
– من جهتي، أواصل قراءتي للأحداث وإعلان آرائي حيال ما يعتمل في البلد. النقد وإبداء الرأي لا يعجبان النظام. يحاولون إسكات من هم في الداخل ومن هم في الخارج. نحن لا نتعرض للأشخاص، وفوق مستوى شخصنة المسائل، نتعامل مع قضايا وطنية، سواء ما يحدث في اليمن عموماً، أم ما يحدث في الجنوب خصوصاً منذ حرب 1994 الظالمة.
* الإرياني ركز على ضمان الحقوق السياسية والمدنية، أقصد شيئاً محدداً…؟
– لا يوجد شيء محدد. قالوا لي: اكتب ما تريد على بياض ونحن سنلبيه. وكذلك فيما يخص الحقوق السياسية، مجرد كلام. يريدون أن يعود الجميع إلى القفص وبعد ذلك يضعون الحلول على طريقتهم. لذلك أنا لا أفكر في العودة قبل أن تكون هناك خطوات جادة على طريق الإصلاح الوطني الشامل، خطوات تتم على الأرض تكون الضمانة لكل القوى السياسية سواءً في الداخل أم في الخارج.
أي صوت ينتقد الممارسات يحاولون إسكاته، لا يوجد “نَفَس” لتقبل الرأي الآخر، لاحظْ ما جرى أمس (مطلع الأسبوع الماضي)، شنوا هجوماً على (النائب الإصلاحي) محسن باصرة في حضرموت ووزعوا منشورات وملصقات ضده.
* الإرياني وجه إليك دعوة للعودة إلى اليمن، وفي المقابل أنت تقول إنه يتمنى أن يخرج من اليمن، ما الذي يمكن أن تعرضه عليه لمساعدته؟
– (ضاحكاً) أوجه إليه دعوة للخروج.
* هو أبدى استعداده لأن يرافقك في رحلة العودة بالطائرة، وأنت بالتأكيد لا تستطيع أن ترافقه من مطار صنعاء؟
– لكنني مستعد لاستقباله في أي مطار يحط فيه. الدكتور أعرفه وهو شخص طيب، ولا أريد أن ينجر مع الآخرين.
* عندما يصفك بالصديق، هل جمعتكما فعلاً صداقه؟
– نعم، وكانت لنا جلسات، وكنا نتفق ونختلف في الآراء، وهذه هي الرابطة الحية، والعلاقة تتعزز بين الناس عندما تتباين أفكارهم وفي نفس الوقت تتعايش، التعدد يفترض أن يقوي العلاقات.
* في 2005، و2006، كان هناك تفاؤل بقرب عودتك، وأذكر أنك أدليت بتصريحات تقول إن عودتك مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية؟
– وُجِدت جهود مكثفة لعودتي في مرحلتين. الأولى عند الذكرى ال15 للوحدة واحتفالات حضرموت. كان هناك إصرار على عودتي لحضور احتفالات حضرموت، حتى أنه طُلِب مني أن أعود فقط لحضور الاحتفالات ثم أغادر. رفضت، لأنني لا أقبل أن أؤدي هذا الدور. ما لم تكن عودتي مقرونة بإجراءات حقيقية على الأرض فلن تكون. والثانية عند الانتخابات الرئاسية. كتبت حينها آملاً أن تشكل هذه الانتخابات نقطة مضيئة على طريق الانفراج، لكنني صدمت عندما رأيت ذلك التحدي السافر من قبل السلطة لإرادة الشعب باغتصاب الصناديق واتهام المعارضة ومرشحها بالإرهاب وغيره، وتُوجت الممارسات بمسرحية التفجيرات في حضرموت وشبوة. كل ذلك لم يعد خافياً على أحد، لا في الشارع اليمني ولا في المحيطين الإقليمي والدولي. الانتخابات لم تشكل ذلك الأمل الذي أردناه. حتى لجان الرقابة الدولية أرهبوها، أوهموها بإمكانية وقوع أعمال إرهابية كيلا تنزل إلى المحافظات.
* على أن المشترك في النهاية تعامل مع نتائج تلك الانتخابات وقبل بها، خلاف موقف بين شملان الذي رفضها؟
– قيادة المشترك قدَّرت الموضوع بشكل مبالغ فيه. كان بوسعها أن تخطو خطوة أكبر لتكون أقرب إلى الناس بدلاً من أن تخذل الجماهير التي خرجت معها. هذه نقطة محسوبة ضدها. وأنا تكلمت مع الإخوان(في قيادة المشترك) في هذا الأمر.
* الحكم، سواء عبر الإرياني أم في تصريحات واتصالات أخرى، يصوِّر الأمر كأنه شخصي، وأنه مجرد عودة شخصيات من الخارج سيمثل حلاً سحرياً للأزمة في الجنوب، أليس هذا من أسباب الإخفاق في الإمساك بالحل للأزمة هناك؟
– الإخوان في السلطة أسرى التناقض، والسبب هو القرار المتخذ بعدم التخلي عن السلطة، عدم القبول بإرادة الشعب، والاحتفاظ بالسلطة مهما كلف ذلك من ثمن. تصوير الأمر على أن عودة بعض الأشخاص من الخارج سيعالج الأمور هو تصوير خاطئ. ثم كيف تفسر تزامن دعوتهم إلى العودة مع حملات دعائية؟! أقرأ الكثير من الهجوم الذي تشنه ضدي مواقع وصحف رسمية، وقد دهشت أن يقود الرئيس علي عبدالله صالح شخصياً هذه الحملات. كانت البداية في مقابلة مع صحيفة “الوسط” عندما قال إن حيدر أبو بكر العطاس هو رأس الأفعى. كان ذلك بمثابة تهديد، وقد اتصلت بي منظمات دولية، معتبرة كلام الرئيس تهديداً مباشراً. سُئلت لاحقاً عن رأيي فيما قاله، ولم أرد على أي من الشتائم، وقلت إن الرئيس كان في حالة غضب؛ على أن صفة الغضب عندما تعتري الحاكم تنزع منه أهلية الحكم. وفي مقابلته الأخيرة في القناة المصرية، ورداً على سؤال حول عدم مشاركة قادة ثورة أكتوبر في احتفالات ذكراها، قال إن قادة أكتوبر شهداء، ثم فجأة أضاف أن العطاس لم يكن من ثوار أكتوبر. انزلق بشكل لم أتوقعه. قادة ثورة أكتوبر موجودون، وعدد كبير منهم أحياء، موجودون في السلطة والمعارضة. هذا مؤشر سلبي. أنا كنت من مؤسسي الجبهة القومية، وقد شاركت في المؤتمر الأول للجبهة القومية الذي عقد في مدينة تعز في يونيو 1965. جئت إلى صنعاء في وقت متوتر جداً، وغادرناها براً إلى تعز. كنت أمثل القطاع الطلابي باعتباري سكرتير القطاع الطلابي في القاهرة. وهذا القطاع شارك ببسالة في ثورة أكتوبر، ولا يزال ينتظر منه اليوم، في اليمن، الدور الكبير، سواءً في الجنوب أم في الشمال.
* أنت تراهن على فعالية الحركة الطلابية الموجودة الآن في الجامعات؟
– نعم. بإمكان الحركة الطلابية أن تسند الحركة الشعبية السلمية في الجنوب، وأن تسند أيضاً الاحتجاجات الشعبية في الشمال. ما أريد قوله هو أن هذا التناقض في الطرح من قبل السلطة هو تعبير عن اهتزاز في الرؤية. فخامة الرئيس يقول دائماً إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. والآراء التي تصدر عنا سياسية. عندما يقول هذا الكلام ويمارس عكسه فذلك أمر محزن، وكما يقول الله سبحانه وتعالى: {كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”.
* لم لا تعزو هذا الهجوم من قبل الرئيس إلى شعوره بالخذلان. انتظر عودتك، وربما كأن يؤمل أن عودة شخصية مهمة مثلك، لها رمزيتها في الجنوب، ستساعد في التعامل مع الوضع في الجنوب؟
– ربما أراد مساعدته في امتصاص حالة الغضب. لكن المساعدة لا تأتي من الآخرين، بل من تغيير السياسات. هذه السياسات هي أكبر عائق. أي شخص يأتي من الخارج مهما علا مركزه لن يساعد في وقف هذه الاحتجاجات أو احتوائها ما لم تكن هناك سياسة واعية تعرف المشكلة وتعترف بها وتضع المعالجات الصحيحة. ما حصل في الجنوب منذ 94 شيء عجيب لم يكن أحد يتصوره. الحرب استهدفت الجنوب فعلياً، وليس الحزب الاشتراكي فقط. من الواضح أنه لم تكن هناك نية لوحدة حقيقية لدى هذه القيادة في صنعاء، وإنما كانت تريد أن تستولي على المزيد من الأراضي والمزيد من السلطة. إقصاء الناس هي سياستهم، والخوف من الناس كبير جداً عندهم. عندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية ضد ارتفاع الأسعار في نهاية عام 1992 لاحظت استنفارهم الشديد. أرادوا إنزال القوات المسلحة لقمع الناس. قاتلت كي لا تنزل القوات إلى الشارع.
* لكنكم كحزب اشتراكي اتُّهمتم حينها بالوقوف وراء هذه الاحتجاجات، ما يعني أنه ليس لكم مصلحة في إنزال قوات؟
– أبداً، أبداً. الاشتراكي لم يكن وراء هذه الاحتجاجات. وقد طلعتُ علناً (في وسائل الإعلام) وقلت إن التجار الدخلاء على التجارة هم سبب المشكلة لأنهم بالغوا في رفع الأسعار.
* في 1994 بدا الأمر على أنه صراع بين نخبتين في الحكم آل إلى انتصار النخبة الشمالية (أو معسكر الرئيس صالح) على النخبة الجنوبية أو الاشتراكي وحلفائه. الأمر مختلف الآن مع تصاعد حركة الاحتجاجات، الأمر لم يعد موضوع فلان الذي أقصي من الحكم أو يعيش في المنفى، بل صار أعقد بكثير، هل ترى أن المعالجات التي اتخذها الرئيس مؤخراً تنبئ عن فهم كهذا؟
– لا مؤشرات على ذلك. المعالجات بعيدة كل البعد عن الإمساك بلب المشكلة. سأعود قليلاً إلى الوراء، في 1993 تشكلت لجنة تقصي حقائق أثناء الأزمة. في لقاء مع الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر وأعضاء من البرلمان تكلمت بصراحة، قلت إن اليافطة المطروحة الآن هي استهداف الاشتراكي، لكن ما يجري في الممارسة هو استهداف الجنوب، لأن الجنوب ليس كله اشتراكياً، أعضاء الاشتراكي هم 26 ألفاً، والاستهداف المباشر كان لأبناء الجنوب. بعد حرب 1994 ثبتت صحة كلامي بالممارسة التي استهدفت جميع فئات الشعب في الجنوب، لم تستهدف فقط النخبة المثقفة أو التنظيم السياسي الذي كان يقود الدولة في الجنوب وأدخلها في الوحدة. قبل فترة تحدثت في قناة “الجزيرة”، وقلت: إذا صح كلامهم بأنهم يستهدفون الحزب الاشتراكي، فهاهم قد أقصوا الاشتراكي، لكن شعب الجنوب باقٍ. كان ممكناً بعد 94 أن يُعيدوا استيعاب شعب الجنوب في الوحدة، كأن يتم إتاحة الفرصة للشعب لاختيار قيادة جديدة عبر انتخابات سليمة تحت إشراف دولي، تتولى إدارة الجنوب في هذه الوحدة. لم يكن هدفهم الحزب الاشتراكي فقط، على الدور الكبير الذي لعبه الاشتراكي. ظهر الاشتراكي باعتباره (ذريعة) فقط.
* يصعب لي التمييز كثيراً بين الاشتراكي والوضع في الجنوب. الاشتراكي كان المظلة السياسية للجنوب مهما كان الرأي فيه، وفي انتخابات 1993 بدا وكأن المواطنين في المحافظات الجنوبية والشرقية يفوضون بالمطلق الحزب الاشتراكي من خلال التصويت الكثيف لمرشحيه…؟
– صحيح. كان ذلك دليلاً على صحة الكلام الذي قلته في حضور الشيخ عبدالله والبرلمانيين. في هذه الانتخابات فإن الكثير من الناس الذين كانوا ضد الاشتراكي عند قيام الوحدة صوتوا لصالح مرشحيه. هذا اعتُبر استفتاء جديداً، وبعضهم ترجمه على أنه استفتاء ضد الوحدة. للأسف السلطة لم تستوعب هذا، وقد تمادت بعد 94 في استباحة الجنوب من شرقه إلى غربه، لم تقم وزناً لأي شيء، والمعالجات التي تتم الآن تتوزع على شراء ذمم وتحريض على الفساد، وإسكات بعض الأصوات باستقطابها، ومن تستقطبه تطلق يده.
* وماذا بشأن انتخابات المحافظين، صار المحافظون منتخبين من المجالس المحلية، وهم من أبناء المحافظات ذاتها؟
– هذه الإجراءات من باب ذر الرماد على العيون ولن تساعد أبداً. المشكلة عميقة واستباحة الجنوب مستمرة. الإمام (أحمد بن يحيى حميد الدين) عندما دخل صنعاء (عام 1948) أباحها للقبائل 3 أيام، ثم أوقف القبائل بعدها. لكن الجنوب يستباح منذ 1994 إلى اليوم.
* أريد أن أناقشك حول الحساسية الشديدة حيالك في صنعاء، واستحضارك كـ”رأس أفعى”، و”انفصالي حتى العظم”، إلامَ يرد ذلك؟ ألانك فعلاً اتخذت موقفاً متحفظاً حيال أسلوب قيام الوحدة؟
– كان لي موقف واضح وعبر 3 مراحل، الأولى في نهاية 1986 عندما توسط العقيد معمر القذافي بيننا وبين إخواننا في صنعاء الذين قطعوا اتصالاتهم بنا بعد أحداث 1986. جاء الرئيس علي عبدالله صالح ومعه الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وبحضور القذافي في طرابلس طرح الإخوانفي الشمال أن الوحدة ستضع حداً للمشاكل. كان هذا الطرح خارج الأجندة المقررة للاجتماع. أرادوا أن “يضربوا عصا” بيننا وبين القذافي المعروف بحماسته للوحدة العربية. قلت في اللقاء إننا نرحب بالوحدة ولكن انطلاقاً من مشروع الاتحاد العربي الذي كان القذافي أعلنه للتو. أضفت أن الوحدة تكون بين الجماهيرية والجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، لتكون نواة للاتحاد العربي. رحب القذافي بالمقترح، وزعل الرئيس علي عبدالله صالح، و”تفركش” الاجتماع. وقال لي الرئيس: لماذا تطرح هذا الموضوع؟ فقلت له: لماذا طرحت موضوع الوحدة؟ نحن لم نأت هنا لبحث موضوع الوحدة. كان ذلك في يوليو 1986.
المرحلة الثانية كانت في فبراير 1987، عندما وضعت برنامجاً للإصلاح السياسي والاقتصادي في الجنوب. كان هناك شد وجذب حول البرنامج. وفي صنعاء اعتبر أن إعداد برنامج للإصلاح يعني “ما فيش وحدة”. وقد حاولوا عرقلته من خلال بعض العناصر المتعاونة معهم في النظام في عدن.
* تقصد أن السلطة في الشمال كانت قد تمكنت من اختراق السلطة في الجنوب عبر شخصيات رفيعة؟
– نعم. وفي سبتمبر 1987 طلعت إلى صنعاء للمشاركة في الاحتفالات بالذكرى 25 لثورة سبتمبر. جلست مع الرئيس لمدة ساعتين نناقش موضوع الوحدة. كان الإرياني حاضراً. قلت لهم: علينا ألا نقفز إلى وحدة سياسية، لا نريد أن نكرر مأساة الوحدة المصرية- السورية. إذا أنتم جادون وتتطلعون إلى وحدة حقيقية دعونا نحضِّر لها بشكل جيد، ندمج مصالح الشعبين في الشمال والجنوب، لا توجد مصالح الآن، توجد عواطف فقط، لنبدأ بتوحيد الأنظمة والقوانين والوحدة السياسية ستأتي اتوماتيكياً. بعد نقاش قبل الرئيس هذا الكلام، وتم تكليف راشد محمد ثابت ويحيى العرشي (وزيري الوحدة في الجنوب والشمال) بإعداد تصور. ذهبنا إلى دار الضيافة، كان معي محمد سعيد عبدالله (محسن) وصالح عبيد. بعد نحو ساعة خرج راشد والعرشي دون أن ينجزا أي تصور، قال العرشي: كلما بدأنا العمل خرج راشد عن الموضوع، وقام بمهاجمتنا. تضايقت وقلت لهما: أنتما شخصان كبيران، أنجزا مهمتكما. والحال أنني أحسست بوجود مخطط لإفشال الموضوع. وفعلاً نجح راشد محمد ثابت في إفساد الموضوع، ولم يتم التوصل إلى صيغة (مشروع).
* لماذا سلك راشد هذا المسلك؟ هل تلمح إلى وجود صلة له بطرف في الشمال؟
– أعتقد أن تعليمات صدرت إليه بإفشال الأمر.
* ممن صدرت هذه التعليمات؟ من طرف في الجنوب أم في الشمال؟
– من طرف السلطة في الشمال. وقد استدعيت محسن وصالح عبيد، وقلت لهما: راشد أمامكما الآن وأنتم تعرفون حساسية الوضع، وعلينا أن نحسم الأمر. تحدث محسن إلى راشد أمامنا وقال له: يجب أن تنجز المهمة. والحاصل أنني عرفت أن علي عبدالله صالح كان يعلم بالأمر. أي أن الشخصين المكلفين (راشد والعرشي) لن ينجزا عملهما. وأعتقد أنه كان هناك اختراق (لنا).
أما المرحلة الثالثة فكانت في نوفمبر 1989، قدم الإخوان من صنعاء: علي عبدالله صالح وآخرين، واجتمعنا كدولتين: الرئيس علي عبدالله صالح وأمين عام الاشتراكي علي سالم البيض وأنا. من جانبهم طرحوا مشروع وحدة فدرالية، وطرحنا نحن مشروع وحدة كونفدرالية. بعد نقاش طويل لم نصل إلى نتيجة، وانتهى الموضوع. فجأة التقى الأخوان علي عبدالله صالح وعلي سالم البيض، وقررا وحدة اندماجية. لم أوقع على هذا الاتفاق رغم أنني الرئيس الدستوري، وهذا الأمر شكل حساسية عند الرئيس علي عبدالله صالح، أنا لا أرى مبرراً له.
* لماذا لم توقع على اتفاقية الوحدة؟
– لأني كنت ملتزماً للمشروع الذي حملته من قبل الهيئة التي أرأسها، وهذه الهيئة لم تقر سوى مشروع الكونفدرالية.
* من كانت تضم هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى؟
– الهيئة تضم مسؤولين في الدولة وأمين عام الاشتراكي وآخرين، وكانت من 15 شخصاً، وهي الهيئة الدستورية المخولة بالقرارات السيادية. هذا المشروع حمل إلى الاجتماع الذي عقد مع الرئيس علي عبدالله صالح وأعضاء الوفد الشمالي، ولم يُقبل، كما لم يُقبل المشروع الفدرالي المقدم من الشمال، وتم تأجيل الاجتماع لغرض المزيد من التشاور، لكن حصل ما أشرت إليه سابقاً من اتفاق بين الرئيس علي عبدالله صالح وأمين عام الاشتراكي علي سالم البيض.
الوحدة هدف سامٍ وكبير، وكانت من أبرز تطلعات الأمة العربية، وكانت هناك محاولات كثيرة منذ ثلاثينيات القرن العشرين لتحقيق أشكال من التقارب والوحدة في ظل الوضع الاستعماري الذي كان سائداً. ومن بين الدعوات الوحدوية العربية وجِدَت دعوة الوحدة اليمنية على طريق الوحدة العربية، وزيارة عبدالعزيز الثعالبي، الشخصية التونسية البارزة، إلى اليمن في الثلاثينات واحدة من تلك المحاولات، حيث طرحت أفكار مختلفة. كان لديه طموح قومي، وواجه ظروف الاحتلال الفرنسي في تونس.
* كان يعوِّل على الإمام يحيى باعتباره يحكم الدولة العربية المستقلة الوحيدة (شمال اليمن)، وبإمكانه استيعاب الأجزاء الخاضعة للاحتلال البريطاني، وبخاصة السلطنات؟
– نعم، كان ذلك تصوره.
* وأحبط لاحقاً بسبب طبيعة نظام الإمام يحيى؟
– نعم. ومعلوم أن النقاشات الإيجابية جرت في عدن. لم يحدث أن شهدت اليمن وحدة سياسية حقيقية عبر تاريخها المديد منذ ما قبل الإسلام. والدعوة إلى الوحدة يفترض أن تراعي الخصوصيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي تلك الحقبة ظهرت دعوات لوحدة وادي النيل والهلال الخصيب، والوحدة اليمنية. ولاحقاً تحققت الوحدة المصرية- السورية بشكل عاطفي، وفشلت بعد 4 سنوات لأنها لم تراعِ الظروف والخصوصيات.
كنا نريد أن نأخذ الفترة التحضيرية الكافية لإعداد الشعب اليمني للوحدة. الوحدة عبارة عن تكامل مصالح وإمكانيات، وبالتالي يجد كل عضو يشترك فيها أنه متساوٍ مع العضو الآخر، وأن قوته تسند قوة العضو الآخر، لا أن يشعر أي عضو بأن قوته تُفرَّغ لصالح (تعظيم) قوة العضو الآخر. أردنا أن نتأنى، وكما أشرت سابقاً كانت هناك محاولات عبر اللقاءات التي كانت تتم بين الأشقاء في الشمال والجنوب. كلها كانت تتجنب طرح الوحدة الاندماجية، برغم أن الدستور الذي تم التصويت عليه عند الوحدة (ثم في الاستفتاء في ربيع 1991) تم صوغه في 1981.
* الدستور صيغ على أساس وحدة اندماجية، ألأن اللجنة التي صاغته كانت من أعضاء مندفعين باتجاه الوحدة؟
– نعم، وهو صيغ بشكل عاطفي. وقد تم تشكيل المجلس اليمني الأعلى (من الشطرين) إثر الانتهاء من صوغ الدستور، هذا المجلس كان يحضر أولاً لكونفدرالية، وفجأة بسبب أحداث 86 وما تلاها من مشاكل، تم الانطلاق باتجاه الوحدة الاندماجية.
الوحدة هدف كبير يقتضي التعامل معه بمسؤولية وحرص. تحققت الوحدة المصرية – السورية وفشلت، لم تتحقق وحدة وادي النيل، ولا وحدة الهلال الخصيب، وفي اليمن وُجِدَ رأيان وسط الحركة الوطنية (في الجنوب) قبل الاستقلال، رأي مع الوحدة، ورأي ضدها ومع كيان مستقل في الجنوب.
* في المقابل كان هناك طرف في اليمن الشمالي لم تكن الوحدة في أجندته، وفي الاستفتاء على دستور دولة الوحدة وجد تجمع ضد الوحدة باسم عدم ملاءمة الدستور. أي لأسباب مغايرة لأسباب الطرف المعارض للوحدة في الجنوب؟
– عند التحضير للوحدة جاءتنا وفود وشخصيات شمالية تحاول أن توضح لنا أنها ليست ضد الوحدة بالمطلق، ولكن ضد الوحدة الراهنة.
* تقصد الشيخ عبدالله أم من بالضبط؟
– شخصيات وأطراف عديدة، ولا أريد أن أشير إليها الآن. المهم أن الإعداد كان متسرعاً وغير موضوعي، وقفز إلى الوحدة دون مراعاة للحقوق والمصالح ولا لتقلبات الزمن والظروف التي يمكن أن تستجد، والنتيجة هو ما نشاهده الآن من ضعف وأزمات.
بعد القفزة التي حصلت في 30 نوفمبر، أعددت تصوراً من أجل إعداد الجنوب للوحدة، لنحدد أفقاً مستقبلياً وآليات تحقيق هذه الوحدة. وجدتُ معارضة عاطفية من البعض الذين يتعاملون مع الوحدة بروحية مثالية.
* تقصد معارضة من قيادات في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وفي الحزب الاشتراكي؟
– نعم.
* دعني أسألك عما إذا كانت مواقف القيادات الجنوبية حيال الوحدة تتباين انطلاقاً من الخلفيات الجهوية والمناطقية لها، يعني هل كان التباين على أساس من هو من لحج أو أبين أو حضرموت أو من الشمال؟
– أبداً. كان التباين على أساس التقارب فيما بين الأشخاص. لم يكن هناك بعد جهوي ومناطقي. والحاصل أنه قيل لي: أنت انفصالي (في وقت سابق على نوفمبر 1989) عندما قدمت مشروع الإصلاح السياسي في 1987 ولسبب لا يتصل بالوحدة مع الشمال، وإنما لسبب آخر ليس من المناسب طرحه الآن.
 في مرحلة مرت بالأمة العربية وبالعالم كله، وهي مرحلة الحرب الباردة والاستقطابات والمد القومي العاطفي. لو أن العرب مضوا وفق الفكرة التي وضعت عام 1958، وهي فكرة الوحدة الاقتصادية، تأسس مجلس الوحدة الاقتصادية في ذلك العام على ما أذكر، على أساس أن تتكامل اقتصاديات البلدان العربية لتسهيل الوحدة السياسية.
* كانت وجهة نظر عبدالناصر قريبة من هذه عام 1958، وعندما ذهب إليه الضباط السوريون مطالبين بالوحدة، اقترح عليهم تأجيلها 5 سنوات، لكن الضباط السوريين ضغطوا عليه، محذرين من خطورة العامل الخارجي (تركيا، وإسرائيل)، كما وتنامي النفوذ الشيوعي في سوريا، فتم استعجال الوحدة. أسألك الآن هل حصل شيء مماثل فيما يخص الوحدة بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي؟
– اتفاقية الوحدة وقعت في 30 نوفمبر 1989، وحُددت فترة انتقالية لمدة سنة بحيث تعلن الوحدة في نوفمبر 1990، ولكن جرى شيء مماثل، والتاريخ كرَّر نفسه في الحالة اليمنية.
* ما هي المخاوف التي طرحت؟
– طرحت مخاوف من احتمال أن تُعطَّل الوحدة. واقع الأمر أن هذا الموضوع لم يناقش بشكل صحيح.
* هل نوقش بين قيادات معينة من الشمال والجنوب ولم يناقش داخل هيئات؟
– لا. لم يُناقش داخل هيئات. والتأثير جاء من الخارج. أعتقد أن التعجيل مرتبط بموضوع الاجتياح العراقي للكويت، ونحن لم نكن نعرف هذه المسألة إطلاقاً. الأمين العام للاشتراكي اتخذ ثانية قراراً بالتعجيل، واختصار الفترة الانتقالية إلى 6 شهور دون أن يناقش هذا الموضوع في الهيئات.
*  بصرف النظر عن أية انتقادات توجه للحكم في الجنوب قبل الوحدة، فالمعروف أن القرار كان لقيادة جماعية، ربما كان هناك في فترات حضور قوي لشخص أو لآخر في المواقع الرفيعة، لكن القرار دائماً كان يصدر من الهيئات، كيف، إذاً، تمكن أمين عام الاشتراكي حينها أن يقنعكم بتجاوز قرارات كان هو مشاركاً في اتخاذها داخل الهيئات؟
– القضية حساسة ودقيقة جداً. الحاصل أن المواقف، وبخاصة الموضوعية والعقلانية، تفسر بشكل خاطئ، بوسعك القول بأن ضرباً من الإرهاب الفكري كان موجوداً، مثلما يحدث الآن فيما يخص النقاش حول الحراك الجنوبي. كان الأمر وقتها يقدم الوحدة اليمنية في شكلها الاندماجي كمسلمة لا يجوز المساس بها، وهذا عين الخطأ.
* هل ناقشت علي سالم البيض بشأن ما جرى، سواء قبل التوقيع على اتفاقية الوحدة أم بعدها، أم عندما قرر اختصار الفترة الانتقالية للتعجيل بالوحدة؟
– نوقش هذا الموضوع قبل اتفاقية 30 نوفمبر. الذي حدث أنه في أواخر 1987 عندما طرحت فكرة الإصلاح السياسي والاقتصادي في (الجنوب)، تشكلت لجنة برئاسة سالم صالح محمد، وكان في عضويتها إلى جانبي الدكتور ياسين سعيد نعمان وجار الله عمر وآخرون من قيادات الاشتراكي (من الشمال كما من الجنوب). قدمت اللجنة تقريراً ورد فيه أنه لا يجب التفكير بالوحدة (مع الشمال) قبل (انقضاء) 10 سنوات من الآن، وفجأة وقبل أن تنقضي حتى 10 أشهر تمت الوحدة. في عامل خارجي، هذا مؤكد، ويوجد أيضاً عامل نفسي، ومورست تأثيرات وتكتيكات مع بعض الإخوان فتمت الوحدة الاندماجية. أقول هذا ليس بقصد إدانة أحد أو إخلاء مسؤوليتي.
* تعلم أستاذ حيدر أنه في موضوع الوحدة كان دوماً يُستحضر العامل الخارجي وكانت الفكرة المركزية، وأظنها لا تزال، هي أن هناك “فيتو دولي” ضد توحد العرب، أو حتى توحد اليمنيين، والذهنية الوحدوية الحاكمة كانت تقول بانتهاز أية فرصة تسنح لتحقيق الوحدة الآن لأنها قد لا تتكرر؟
– هذا للأسف تفكير عاطفي. كان من الممكن أن تتحقق الوحدة بغير طريق الاندماج، بالكونفدرالية بدايةً، وهي نوع من أنواع الوحدة، أو بالفيدرالية.
* لكن هاتين الصيغتين (الكونفدرالية والفدرالية) كانتا منبوذتين عند القوميين العرب، وتعلم أن جذور النخبتين الحاكمتين في الشمال والجنوب هي قومية عربية؟
– ربما، والسبب أن من طرح فكرتَيْ الفدرالية والكونفدرالية هو المستعمر الغربي. طرح هذا مثلاً في صيغة الجامعة العربية، وفي الجنوب. واللافت أنه في الوقت الذي طرحت فكرة الفدرالية في الجنوب، طرحت أيضاً في الإمارات وماليزيا، نجحت الإمارات ونجحت ماليزيا، وخسر الجنوب لأنه رفض هذا المقترح. الوحدات الناجحة هي تلك التي تراعي خصوصيات أعضائها. وفيما يخص الوحدة المصرية- السورية، فإن الأشخاص (السوريين) الذين ضغطوا على جمال عبدالناصر من أجل إعلان الوحدة فوراً، هم أول من انقلبوا عليه.
* هل تشير إلى انقلاب مماثل في التجربة اليمنية، بمعنى أن الأشخاص من الجنوب الذين تحمسوا لوحدة اندماجية انقلبوا عليها سريعاً؟
– بعد الوحدة مباشرة بدأت المشاكل تظهر، والمتحمسون للوحدة بدؤوا يقلقون مما يجري. قبل هذا نحن حاولنا تدارك ما لم يؤخذ في الاعتبار قبل الوحدة. على سبيل المثال، اقترحنا إعداد وثيقة بين المؤتمر والاشتراكي تحدد الإطار العام للسياسات العامة، وهذا بعد شهور من تحقيق الوحدة، وتشكلت لجنة من العزيزين عبدالعزيز عبدالغني، وسالم صالح محمد، وآخرين، وفشلت اللجنة.
* هل طرحت اللجنة اندماج الاشتراكي والمؤتمر بحيث يحكم الدولة الوحدوية حزب واحد؟
– لا، هذا حدث لاحقاً. الحاصل أنني في مجلس الوزراء كنت أواجه المشكلة لأن مجلس الوزراء معني بتسيير الأمور والإدارة. عندما فشلت اللجنة اقترحت أنا برنامجاً للإصلاح السياسي والاقتصادي. البرنامج أقر من مجلس الوزراء لكنه رُفض من القيادة السياسية. أنا تمسكت بالبرنامج محتجاً بكوني أرأس حكومة، وأنتم (قيادتا المؤتمر والاشتراكي) لا تريدون الاتفاق على إطار سياسات، والظريف وقتها أن من بين الانتقادات لبرنامجي للإصلاح هو لفظة “الإصلاح” حيث قال بعض الإخوان: كل شيء تمام (في البلد)، ما الذي تريد إصلاحه، وقد قاموا بتغيير عنوان البرنامج من “برنامج الإصلاح” إلى “برنامج البناء الوطني والسياسي”. قبلنا، وبعد إقرار البرنامج في 11 ديسمبر 1991 من قبل مجلس النواب، بدأنا تنفيذه فبدأت المشاكل، بدأت الاغتيالات، حيث تم استهداف (عبدالواسع سلام) وزير العدل بعد إقرار الحركة القضائية، فضلاً على استهداف عمر الجاوي الذي كان من دعاة الوحدة الحقيقية، واستشهد وقتها حسن الحريبي. استهدفت أنا، حيث تم الاعتداء على منزلي، وكذا تم قصف منزل ياسين سعيد نعمان حيث أُطلقت قذائف على غرفة نومه، وتم اغتيال العشرات، والهدف هو إرهاب الناس، ومنعهم من المضي قدماً في ترسيخ الوحدة التي تدوم وتحقق مصالح الشعب، فانفجرت الأوضاع.
* دعني أعود إلى مسألة عدم توقيعك على اتفاقية الوحدة. أنت كنت رئيس هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى، وكنت المخول دستورياً بالتوقيع؟
– نعم، لأن رئيس هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى هو المخول بالتوقيع في كل ما يخص علاقاتنا الخارجية.
* أنت كنت ممن حضر جلسة التوقيع، فكيف تم تفسير عدم توقيعك، والاكتفاء بتوقيع أمين عام الحزب؟
– كانت النظرة عاطفية عند الناس بشأن الوحدة، وكان يكفي أن يتولى أي قيادي التوقيع عليها. تصور أننا دُعينا إلى حفل التوقيع بعد أن كنا قد غادرنا الاجتماع إلى بيوتنا، وكان الإخوانمن الشمال يتأهبون للسفر إلى صنعاء. لم يكن أمر توقيعي محل اهتمام، لكن الأخ علي عبدالله صالح كان يؤكد على ضرورة مشاركتي.
* هل اتصل بك الرئيس أو طرح موضوع عدم توقيعك حينها؟
– لا. لم يحصل ذلك.
* وهل طرحه في أي وقت لاحق؟
– لا. لكنني شعرت أنه متضايق، لأنه كان مصمماً على أن أشارك في التوقيع إلى جانب علي سالم البيض، لأنه رئيس الجمهورية العربية اليمنية وأمين عام المؤتمر الشعبي العام.
* وعندما كان علي سالم البيض يعبِّر لاحقاً عن مواقف حادة جراء شعوره بالخذلان من الرئيس صالح هل حصل أن قيل له: أنت المسؤول عن إيصالنا إلى هذا المأزق؟
– على ما أظن فإن بعض الأصوات قالت له ذلك، وما تزال تقول حتى الآن. لكن الأمر مسؤولية مشتركة وجميعنا يتحمل مسؤولية القرار.
* قمت بإعداد ورقة بعد توقيع 30 نوفمبر، ومع ذلك تم مجدداً اختصار الفترة الانتقالية، فحدثت بعد الوحدة أزمات عديدة، وشهدت اغتيالات واعتكافات وانقسامات، وصولاً إلى الحوار الوطني الذي كنت تدير جلساته…
– (مقاطعاً) وقد كانت هناك معارضة لإدارتي جلسات الحوار.
* ممن كانت المعارضة؟
– طرف الشمال، كانوا يقولون: أنت رئيس وزراء، ومشاغلك عديدة، روح تفرغ لها (ضحك). لما جاءت الأزمة السياسية كان الطرف الأول المتأثر بها هو الحكومة، وبالتالي بدأنا نعمل على معالجة هذه الأزمة ببذل الجهود مع كل القوى السياسية للتوصل إلى وثيقة العهد والاتفاق التي كان من الممكن أن تلململ الوضع وتضع الوحدة على “السكة” الصحيحة، وكنا سنتجنب المسار الذي حدث وما يحدث اليوم، ولكن لأن هناك خطاً ثانياً كان لا يريد ذلك، وهذا الخط كانت تمثله صنعاء، وهو امتداد لخط الإمام الذي كان يعتبر الجنوب تابعاً له.
* الإمام يحيى كان يقول: هذه البلاد (أي الجنوب) هي ملك آبائي وأجدادي؟
– نعم. وهذه هي السياسة نفسها التي واجهناها. لا، نحن في الجنوب شعب، وشعب حي توحد في 1967 في دولة، وهذا التوحد تم فيه مراعاة الخصوصيات. لم يرسلوا ناس من أي منطقة ليحكموا حضرموت أو المهرة، أو يأتوا بناس من حضرموت والمهرة ليحكموا الضالع أو يافع.
* هذا الأمر له مسوِّغ، فالجبهة القومية هي وريث حركة القوميين العرب، والحركة كان لها حضور في كل مناطق الجنوب؟
– لم يحدث ما حدث الآن حيث تم تفريغ كل منطقة من قوتها وخصوصيتها، وإقصاء أبناء كل منطقة عن شؤون منطقتهم وقوتهم، هذا ما يجري في الجنوب، وإقصاء أبناء الجنوب عموماً من عدن إلى المهرة، من أي شيء يخص الجنوب ومن القرار السياسي الفعلي، إقصاؤهم من الاقتصاد ومن الجيش ومن الوظيفة، ومن القرار السياسي. هذا ما ولد المشكلة الحالية، وهذه المشكلة لن تحل إلا بإعادة تصحيح الوضع، أو أن الجنوبيين سيذهبون إلى مسار آخر.
* بالعودة إلى وثيقة العهد والاتفاق، تعلم أنها تضمنت بنوداً آنية وإجرائية، كتسليم القيادات المشتبه بها في تنفيذ أو الإيعاز بجرائم اغتيال ضد قيادات اشتراكية أو غير اشتراكية، وأخرى ذات طابع خاص كان من الصعب تنفيذها لأنها تمس شخصيات محسوبة على الرئيس علي عبدالله صالح. ياسين سعيد نعمان على سبيل المثال طرح قبيل انفجار الوضع عسكرياً إمكانية تأجيل بعض البنود، وليس من الضروري تنفيذ الوثيقة بدءاً من البند الأول، والبدء بالبنود ذات الصلة ببناء الدولة؟
– الوثيقة من قسمين، الأول إجرائي خاص بممارسات تمت وأدت إلى الأزمة السياسية، وكان الغرض منها إعادة الثقة. لكن الجزء الثاني كان لبناء الدولة وتصحيح مسار الوحدة. بالنسبة للجزء الأول فقد أُخذ بحساسية من الطرفين، مع أنه كان من الممكن أثناء التطبيق أن يكون هناك مراعاة شريطة الانتقال إلى تنفيذ الجزء الثاني. كان من أهداف الجزء الأول القيام ببعض الإجراءات التي تستعيد الثقة، لكنهم (الشمال) لم يكونوا يريدون ذلك. الأخ علي عبدالله صالح قال في الأردن (عند التوقيع على الوثيقة في فبراير 1994): لو كان المجرم عند باب بيتي فلن أمسكه (أقبض عليه).
* لمن قال هذه العبارة؟
– قالها بحضور الملك حسين وعلي سالم البيض وآخرين.
* يعني في حضور أعضاء لجنة الحوار الوطني؟
– لا. قالها في لقاء مصغر حضره الملك حسين وآخرون، ولم أكن أنا حاضراً، ولكن نُقِل لي ما جرى. حصل شد في الموضوع، شد مفتعل الهدف منه عدم استعادة الثقة. وكنا نحن نريد القيام ببعض الإجراءات من أجل استعادة الثقة حتى ننطلق إلى الجزء الثاني المتعلق ببناء الدولة، لكن الطرف الآخر لم يكن يريد الوثيقة برمتها لأنها تشكل خطراً على ما كان يخطط له، وهذا ما أكدته مذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر رحمه الله، كان في مذكراته صريحاً وواضحاً، حيث أشار إلى خطة سرية لإقصاء الشريك (الاشتراكي) من الوحدة. وأشير أخيراً إلى أن الجزء الثاني المتصل ببناء الدولة فيه شروط لا تعجب الرئيس لكنه قبلها على مضض بسبب الإجماع حولها.
* أتشير هنا إلى صلاحية الرئاسة والحكم المحلي والتقسيم الإداري للبلد إلى مخاليف؟
– لا. أقصد بنوداً أخرى مثل تدوير المناصب العسكرية العليا كما هو حادث للمناصب السياسية، وعدم جواز تولي أشخاص ممن يمتون بصلة إلى الرئيس أو رئيس الوزراء أو رئيس البرلمان وغيرهم من الشخصيات الرفيعة لمناصب عسكرية رفيعة. هذا البند كما أعتقد، هو الذي فجر الحرب، فضلاً على بنود أخرى.
أردنا التأسيس لدولة عصرية. إذا أردت أن تبني جيشاً للشعب وللدفاع عن الوطن، فإنه ينبغي أن يكون أفراد الشعب مؤهلين للتنافس على مواقع المسؤولية في الجيش، لا لأن (هذا) ابني أو قريبي فأقربه. مع احترامي للأخ أحمد علي عبدالله صالح (قائد الحرس الجمهوري) فأنا عرفته وحضرت حفل زواجه، ولاحظت أنه دمث الأخلاق، لكن أن يأتي به الأخ الرئيس وينصبه على قوة مهمة متجاوزاً كل القادة العسكريين الذين خدموا في القوات المسلحة لأكثر من 15 سنة، هذا يسبب صدمة كبيرة لهؤلاء، وأعتقد أن في قرارات أنفسهم مرارات جراء هذا، لأنك تنزع منهم الثقة.
* لماذا يجري كل هذا؟
– لأنه لا توجد أسس صحيحة للدولة. يمكن أن تتجاوز في المواقع السياسية لكن في المواقع المهنية كالجيش، هناك معايير تقنية وعلمية لا يجوز تجاوزها.
* هناك بعض الشخصيات تستدعي، في ضرب من الحنين، وثيقة العهد والاتفاق، وترى أنها ما تزال صالحة كمخرج، فيما أن الحراك الجنوبي تجاوز في خطابه هذه الوثيقة. ما رأيك أنت؟
– أعتقد أن وثيقة العهد في جوانب منها ما تزال مهمة، لكن الوضع في الجنوب تجاوزها. عندما وضعنا الوثيقة ووقعنا عليها بالأحرف الأولى في عدن في 18 يناير 1994، كان النص المتعلق بالتقسيم الإداري هو أن تقسم اليمن إلى 4-7 مخاليف. في اليوم التالي أي 19 يناير 1994 نشرتها “الثورة” بعد شطب العدد حيث ظهر النص التالي: “تقسم اليمن إلى مخاليف”. فهمتُ الأمر على أن الطرف الآخر كان يفضل تقسيم اليمن إلى إقليمين شمال وجنوب. اتصلت بالرئيس، وقال لي: أنا لن أقسِّم الشمال، إذا تريدون تقسيم الجنوب تفضلوا قسموه. كان يوجد قبول منه في تلك اللحظة بأن يتعامل معنا باعتباره يمثل الشمال فقط. أبلغت الإخوان(في الجنوب) حينها بأن الأمر يتم على أساس إقليمين وينبغي أخذ ذلك في الاعتبار، لكن بعضهم ردوا بأننا إذا طرحنا هذا سيقولون عنا إننا انفصاليون. حقيقة الأمر هو أن ضبابية شديدة حجبت الرؤية الصحيحة. وأزيد فأذكر أن بعض السفراء قالوا إن هذا الاتجاه يمكن أن يمشي.
* تقصد تقسيم اليمن إلى إقليمين: شمال وجنوب؟
– نعم.
* تقصد سفراء غربيين؟
– نعم. ولكي أكون أكثر تحديداً فأنا أقصد السفير الأميركي أرثر هيوز الذي تناقشت معه تحديداً في هذه النقطة. وكان الرئيس قد أظهر تشبثه بالشمال فقط واعتراضه على أي تقسيم للشمال إلى مخاليف.
* قل لي بصراحة، هل كان لديك تصور مسبق لعدد المخاليف: 4 أم 5 أم 6 أم 7؟
– وجِدت تصورات لكنها ليست نهائية. ولأنه لم يكن هناك تصور نهائي وضع هامش بين 4 و7، وكان هناك تصور لتقسيم فدرالي طرحه سالم صالح محمد، ووضع مشروعه الأخ محمد سعيد عبدالله (محسن)، وهما طرحا هذا التصور ثم تراجعنا عنه.
* لماذا باعتقادك تراجعا عنه؟
– بسبب معارضة البعض، وكما قلت لك كان التعاطي مع الملف مطبوعا بالتوتر والعاطفة، وكان الشعب منسياً.
* لنعد إلى تصورك أنت، أين كنت بين الأربعة مخاليف إلى السبعة مخاليف؟
– (ضاحكاً) كنت مع 4 مخاليف.
* من وجهة نظري كان هذا التقسيم ملائماً من زاوية تنموية، ولضمان مواطنة متساوية وفرص متكافئة للحصول على المنافع عبر أقاليم كبيرة؟
– المهم أن هذه الأرقام شطبت، والرئيس قال لي في مكالمة تليفونية: أنا لن أقسم الشمال، وإذا أردتم تقسيم الجنوب قسموه.
* لماذا برأيك هذه الحساسية من تقسيم البلد إلى مخاليف، علماً بأننا لا نتحدث هنا عن فدرالية بل عن حكم محلي واسع الصلاحيات وعن تقسيم إداري يلبي مطالب سياسية واقتصادية وثقافية؟
– في رأيي أن الوضع في الشمال أكثر حساسية. في الجنوب لم تكن هناك مشكلة. كان الجنوب 22 سلطنة. توحد عدد من هذه السلطنات في إطار محافظات، كل محافظة فيها عدد من السلطنات، باستثناء المهرة التي كان فيها سلطنة واحدة وتحولت إلى محافظة واحدة. حضرموت كان فيها سلطنتان، شبوة عدد أكثر من السلطنات، وكذا أبين ولحج. هذه المسألة أُذيبت في الجنوب. بعد الاستقلال أطلقنا على المحافظات أرقاماً: المحافظة 1 و 2 و3 و4 و5 و6 حتى لا تأخذ المحافظة اسماً معنياً قد يثير حساسيات لدى فئات في المحافظة ذاتها. بعد فترة أذيبت خلالها هذه الحساسيات انتقلنا من الأرقام إلى الأسماء.
* متى جرت هذه الانتقالة؟
– في النصف الثاني من السبعينيات، على ما أذكر.
* ألم تكن هناك حساسية في يافع التي توزعت على محافظتين؟
– لا. صحيح أنها توزعت على محافظتين لكن الأمور جرت بشكل اعتيادي.
* في المحصلة فإن مشكلة تصميم تقسيم إداري كانت في الأساس شمالية؟
– نعم. وأعتقد أنها ما تزال مشكلة كبيرة وحساسة.
* على أية حال فإن تقسيماً وفق تصور وثيقة العهد والاتفاق أو أي تصور آخر مشابه سيغيِّر المشهد كثيراً في الشمال، وسيغيره جزئياً في الجنوب؟
– إذا أردنا، مخلصين، المحافظة على الوحدة ينبغي الانتقال إلى اللامركزية، تنتقل السلطة من المركز إلى الأقاليم.
* لكن نقل السلطة من المركز في ضوء التقسيم الحالي محكوم بالفشل، ما الذي يمكن أن يعود على البلاد من نقل السلطة إلى محافظات هزيلة لا تتوافر على أية بنى تحتية أو مدن كبيرة؟
– هذا (الفشل) ممكن. ولكن إذا كانت المشكلة في الشمال، فليكن التقسيم إلى إقليمين، إقليم جنوبي وإقليم شمالي. هذا ليس انفصالاً، هذه وحدة حقيقية، يجب أن يفهموا هذا الكلام. وفي رأيي فإن التقسيم إلى عدة مخاليف صار عاطفياً الآن، والتقسيم الأمثل هو إلى إقليمين، هناك جغرافية حاكمة لا تقدر أن تتجاوزها. في الخريطة لا تستطيع أن تقتطع من هنا لتلصقه هناك، الشمال كتلة جغرافية والجنوب كتلة جغرافية، والجغرافيا هي العامل الحاكم. والقصة أخيراً ليست في الأقاليم، ولكن في المحتوى الذي يمكن أن يُعطي لهذه الأقاليم، وفي مشاركة الشعب، ومدى حكمه لنفسه بنفسه. وبخصوص التقسيم فإنه مجرد ذريعة للاستئثار بالسلطة. أعتقد أن ما يجري في الجنوب اليوم من تسويف وقمع الاحتجاجات السلمية يمكن أن يدفع أبناء الجنوب جميعهم، بمن فيهم أولئك الذين في السلطة، إلى اتجاه واحد. الآن يبدو خلاف في الرؤى، لكن ذلك لم يدفع السلطة ولا المعارضة –للأسف– إلى تبني حل حقيقي لقضية الجنوب، كأنهم يدفعون الجنوب إلى خيار آخر.
* إجرائياً نتحدث بلغة تعميمية عن الجنوب. لا أقول إن الجنوب هو محض فسيفساء، ولكن على الأقل هناك تنوع وتوجهات وآراء، وأنت شخصياً تتعرض أحياناً للهجوم من أصوات راديكالية في الحراك الجنوبي، وهناك كتلة جنوبية كبيرة في السلطة أو موالية للسلطة لها مصالحها ولها قناعاتها، والحديث عن شمال وجنوب قد يكون خادعاً إذا لم نأخذ في الاعتبار ذلك؟
– أنا أقول إن الخيار الأول هو المعالجة الشاملة، وأن تعالج القضية الوطنية بما ينقل اليمن من الحكم الفردي إلى حكم الشعب من خلال لا مركزية الدولة. هذا الرفض للامركزية هو الذي سيوجد بدائل أخرى، بينها تشظي البلاد.
في ما يخص الجنوب، هناك جزء في السلطة، وهؤلاء لهم مصالح مرتبطة بالسلطة، حتى أن هؤلاء عندما يهاجمون الآخرين يقولون إنهم عندما فقدوا مصالحهم قاموا بهذا الحراك. هذا ليس صحيحاً، ونقع في خطأ كبير إذا قرأنا الأمر على هذا النحو. ومن ينظر إلى مصلحته الخاصة فقط، أكان في السلطة أم خارجها، فإنه يحكم على نفسه بالضرر، وهؤلاء الذين يغلِّبون مصالحهم الخاصة يضرون أنفسهم.
* لماذا لا نفترض أنهم مقتنعون بالحال الراهن، وهم يتجاوزون بعض السلبيات من أجل الوحدة؟
– أنا متأكد 100٪ أن الإخوان الذين في السلطة متحمسون للانفصال أكثر ممن هم خارجها، هم قد يهاجمونني على هذا الكلام، لكن لديّ أدلة على ما أقول، واستمعت إلى بعضهم يقول ذلك. قل لي مَن مِن الجنوبيين الآن لديه سلطة حقيقية.
* نائب الرئيس مثلاً، تعلم أن الرئيس أبلغ ممثلي المعارضة في الصيف الماضي أن نائب الرئيس هو من أشار بنشر الجيش في الجنوب، وعندما طولب الرئيس بالإفراج عن المعتقلين لتعزيز الانفراج السياسي وإنجاح الحوار حول الانتخابات طلب منهم مهلة حتى يعود عبد ربه منصور هادي من جولة خارج البلاد.
– هذه تغطية.
* يوجد أيضاً رئيس الوزراء، وهناك شخصيات ذات نفوذ وسطوة في المحافظات الجنوبية ذاتها؟
– يوجد أشخاص لهم نفوذ. وأقول لهؤلاء ألاَّ ينخدعوا بمصالحهم الآنية، يجب أن ينظروا إلى قادم الأيام، إذا تركوا الأمور على حالها فإن أبناءهم وأحفادهم لن يجدوا موضع قدم في مساقط رؤوسهم، في قراهم ومناطقهم سيكونون غرباء، أناشدهم ألا يغلبوا مصالحهم الذاتية على مصلحة الشعب، هم أمام خيارين: إما أن يضغطوا على السلطة لإصلاح الأمور ويكونوا هم القيادة على أساس معالجات سليمة، وإما أن ينضموا إلى أبناء الجنوب، وإلا فإنهم سيحكمون على أبنائهم بالعيش غرباء. وأنا حسب معلوماتي، فإن بعض هؤلاء الموجودين في السلطة يسمعون كلاماً (كهذا) حتى من أبنائهم أنفسهم.
* هذا تقدير أم معلومات؟
– معلومات. والناس في الجنوب يسمعون ذلك (أي كلام الأبناء عن أبائهم). مَنْ مِن أبناء الجنوب يحكم فعلاً في منطقته؟
* لا أريد الخوض في السجال المعتاد، كأن أقول إن هناك محافظات شمالية تشهد أوضاعاً مماثلة؟
– أنا أريد أن تحكم كل منطقة نفسها. أريد أن أقول إن الجنوب ليس تهامة، وعلى السلطة ألا تطمح في تحويل الجنوب إلى تهامة، وفي يوم من الأيام سيأتي جيل في تهامة لن يقبل باستمرار الوضع الحالي. وإذاً لماذا لا نحل المشكلة الآن بحيث كل الناس تحصل على مصالحها في دولة لا مركزية.
* لديَّ فكرة مسبقة عن مواقفك هذه وإنْ كانت غير تفصيلية، وإذاً ليست عندي مشكلة فيما تقوله الآن، ولكن قد يطلع أحد هنا أو هناك ويتهمك بادعاء الحكمة بأثر رجعي، ويعتبر أن ما تقوله الآن هو كلام سياسي لأغراض شعبية لكسب تأييد أو تعاطف في المحافظات الجنوبية؟
– أنا لم أطلب يوماً شهادة من أحد، ولم أسع فيما أتخذه من مواقف أو أعبر عنه من آراء إلى الحصول على شعبية زائفة. وسأعطيك مثلاً: في انتخابات 1993، وكانت الأزمة قائمة، كنت قد قدمت قبلها استقالتي من رئاسة الحكومة أكثر من مرة، وتم رفضها، وعندما جاءت الانتخابات قررت خوضها في منطقتي، واعترض جميعهم عليَّ، وقالوا: لا ترشح، نحن قيادة سياسية لا ينبغي أن ندخل الانتخابات، أنت تغامر وقد تسقط، وإذا سقطت قد تحكم على مستقبلك السياسي بالموت. قلت لهم إذا سقطت في الانتخابات فلن يشرفني أن أكون في موقع سياسي رغماً عن إرادة الشعب.
* واكتسحت الانتخابات في دائرتك بفارق كبير، أظنك حصدت 90٪ من الأصوات؟
– نعم. لست أنا وحدي. عندما جاءت الأزمة حصل تصويت كثيف لمرشحي الاشتراكي، حتى من أولئك الناخبين الذين كانوا عند قيام الوحدة ضد الاشتراكي. أردت أن أدلَّل على رأي القيادات السياسية وقتها، حتى أنهم وسَّطوا لي ناس من خارج اليمن لإثنائي عن الترشيح.
* تقصد أقارب؟
– لا. أصدقاء، إذ قالوا لهم: حيدر العطاس مصمم يرشح نفسه في الانتخابات وقد يسقط، وسيحكم على مستقبله السياسي بالفناء. استطراداً ألفت هنا إلى أن الرئيس كان لديه خطة أخرى كان يفكر بتقاسم السلطة مع الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، على أساس يعطي الشيخ رئاسة مجلس النواب. لم أكن أعرف ذلك، وهذه الخطة أوردها لاحقاً الشيخ عبدالله بصدق. كان الرئيس يخاف من إمكانية أن أنافس الشيخ عبدالله على موقع رئاسة مجلس النواب. واقع الأمر أنني كنت أريد الخروج من الحكومة لأنني شعرت بعدم وجود أي رغبة لدى الطرف الآخر في بناء دولة واحترام القانون.
* تحدثنا عن التحضير للوحدة ثم الأزمة فوثيقة العهد والاتفاق. في الوضعية الراهنة التي تشهد احتداد الأزمة في الجنوب، ما تقديرك لوجهة الحراك الجنوبي؟
– إذا استمر المشترك في سلبيته والسلطة في تعنتها تجاه الجنوب، فإن الجنوب سيتجه نحو المطالبة باستعادة دولته.
* أين سيكون موقعك في هذه الحالة؟
– أريد أن نحل الأزمة، لكنني لن أكون إلا مع أهلي وشعبي. سأكون صريحاً، ليس هذا خياري، لكن إذا استمر النظام بالدفع بالقضية إلى المزيد من الاحتقان، فإنه يتحمل المسؤولية. ما تزال هناك فرصة إذا قبل النظام بمعالجة القضية الجنوبية، بدءاً من الاعتراف بها وصولاً إلى حل يُرضي شعب الجنوب.