مقاطع من «هدنة مع المغول أمام غابة السنديان» لمحمود درويش

مقاطع من «هدنة مع المغول أمام غابة السنديان» لمحمود درويش

… كلُّ شيء يدلُّ على عَبَث الريح، لكننا لا نَهُبُّ هباءْ
رُبَّما كان هذا النهارُ أَخَفَّ علينا من الأَمس، نحن الذينْ
قد أَطالوا المكوثَ أَمام السماء، ولم يعبدوا غير ما فَقَدُوا
من عبادتهمْ. رُبَّما كانت الأَرضُ أَوسعَ من وَصْفها. ربما
كان هذا الطريقُ دخولاً مع الريح..
في غابة السنديانْ
الضحايا تَمُرُّ من الجانبينْ، تقول كلامًا أَخيرًا وتسقط في
عالَمٍ واحدٍ. سوف ينتصرُ النسْرُ والسنديانُ عليها، فلا بُدَّ مِنْ
هُدْنَةٍ للشقائق في السهل كي تُخْفِيَ الميتين على الجانبين، وكيْ
نَتَبَادَلَ بَعْضَ الشتائم قبل الوصول إِلى التلّ. لا بُدَّ مِنْ
تَعَبٍ آدميّ يُحَوِّل تلك الخيولَ إِلى..
كائناتٍ من السنديانْ

… كُلُّ حربٍ تُعَلِّمنا أَن نحبَّ الطبيعة أَكثرَ: بعد الحصارْ
نَعْتَني بالزنابقِ أَكثرَ، نقطف قُطْنَ الحنان من اللَوْزِ في
شهر آذارَ. نزرع غاردينيا في الرخام، ونَسْقي نباتاتِ جيراننا
عندما يذهبون إِلى صَيْد غزلاننا. فمتى تَضَعُ الحربُ أَوزارها
كي نفُكَّ خُصُورَ النساء على التلّ..
من عُقدة الرَّمز في السنديانْ?
ليت أَعداءَنا يأخذون مقاعدنا في الأَساطير، كي يعلموا
كم نُحبُّ الرصيفَ الذي يكرهون.. ويا ليتهم يأخذونْ
ما لنا من نُحاس وبرْق.. لنأخذ منهم حرير الضجرْ
ليت أَعداءنا يقرأون رسائلنا مرتين، ثلاثًا.. ليعتذروا
للفراشة عن لعبة النار..
في غابة السنديانْ

… الحروب تُعَلِّمنا أَن نذوق الهواء وأَن نمدح الماء. كَمْ
ليلةً سوف نفرح بالحُمُّص الصلْب والكستنا في جيوب معاطفنا?
أَمْ سننسى مهارتنا في امتصاص الرذاذ? ونسأَل: هَلْ
كان في وُسْع مَنْ مات أَلاَّ يموت ليبدأ سيرتَهُ من هنا?
رُبَّما.. رُبَّما نستطيع مديح النبيذ ونرفعُ
نخْبًا لأَرملة السنديانْ
كُلُّ قَلْبٍ هنا لا يردُّ على الناي يسقط في
شَرَك العنكبوت. تمهَّلْ تمهَّلْ لتسمع رَجْعَ الصدى
فوق خيل العَدُوّ، فإِنَّ المغُول يُحبُّون خمرتنا
ويريدون أَن يَرْتَدوا جلد زوجاتنا في الليالي، وأَنْ
يأخذوا شعراء القبيلة أَسرى، وأَنْ
يقطعُوا شَجَرَ السنديانْ

… الحُروبُ تعلِّمنا أَن نحبَّ التفاصيل: شكْل مفاتيحِ أَبوابنا،
أن نُمَشِّطَ حنطتنا بالرموش، ونمشي خِفَافًا على أرضنا،
أَن نقدِّسَ ساعاتِ قبل الغروب على شجر الزَّنْزَلَخْت..
والحروبُ تُعَلِّمُنا أَن نرى صورة الله في كل شيء، وأَنْ
نَتَحَمَّل عبء الأَساطير كي نُخْرِجَ الوحشَ..
من قصَّة السنديانْ
كم سنضحك من سُوس خُبْز الحروب ومن دُودِ ماء الحروب، إِذا
ما انتصرنا نُعَلِّقُ أَعلامنا السودَ فوق حبال الغسيلْ
ثم نَصْنَع منها جواربَ.. أَما النشيدُ، فلا بُدَّ من رَفْعِهِ
في جنازات أَبطالنا الخالدين.. وأَما السبايا، فلا
بُدَّ من عَتْقهنَّ، ولا بُدَّ من مَطَرٍ
فَوق ذاكرة السنديانْ
خَلْفَ هذا المساء نرى ما تبقَّى من الليل، عما قليلْ
يشرب القَمَرُ الحُرُّ شايَ المُحَارب تحت الشجَرْ
قَمَرٌ واحدٌ للجميع على الخندقين لَهُمْ ولنا، هَلْ لَهُمْ
خلف تلك الجبال بيوتٌ من الطين، شايٌ، ونايٌ? وهَلْ
عندهُمْ حَبَقٌ مثلنا يُرجع الذاهبين من الموت…
في غابة السنديانْ?

… وأَخيرًا، صعدْنا إِلى التَلِّ. ها نحن نرتفع الآن
فوق جذوع الحكاية.. ينبت عُشْبٌ جديد على دمنا وعلى دمهِمْ.
سوف نحشو بنادقنا بالرياحين، سوف نُطَوِّق أَعناقَ ذاك
الحمام بأَوسمة العائدين.. ولكننا
لم نجد أَحدًا يقبل السِّلْم.. لا نحن نحن ولا غيرنا غيرنا
البنَادِقُ مكسورة.. والحمامُ يطير بعيدًا بعيدًا
لم نجد أَحدًا ههُنا..
لم نجد أَحدًا..
لم نجد غابة السنديانْ