عن كارثة سيول حضرموت

عن كارثة سيول حضرموت

* محمد عمر بحاح: قراءة فيما حدث: حتى لا نُفاجأ بكارثة جديدة..!
* شفيع محمد العبد: أم اللبن
* عبد الله بن راضي : أبوراس يغيث أهل حضرموت بلعناته
* 100 قطمة دقيق و10 خيام.. هذه حصيلة «البلاد» من الاغاثة
* أغذية تالفة في مهمة إغاثية
* مديرفرع هيئة حماية البيئة في الساحل: : هذه كارثة دائمة التكرار لكنها الأكبر وبعض المناطق الساحلية بحضرموت معرضة للغرق
 
 

قراءة فيما حدث: حتى لا نُفاجأ بكارثة جديدة..!
 
 محمد عمر بحاح
 
 كشفت الكارثة التي أصابت أهلنا في محافظتي حضرموت والمهرة إلى أي مدى هو مُتكشف أمننا القومي، إذا أخذنا بالاعتبار أن الأمن القومي لأي بلد من البلدان هو منظومة شاملة لا تتجزأ، تشمل الأمن السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، والأمن الغذائي، والصحي.. وضمن هذا المفهوم يندرج الأمن من الكوارث الطبيعية، ولا يقتصر على «الأمن القومي» بمعناه «الأمني» فقط!
ونظراً لغياب هذا المفهوم الاستراتيجي للأمن القومي اليمني، أو عدم تبلوره بصورة كافية، فقد كشفت كارثة الفيضانات الأخيرة أن اليمن لا تملك خطة طوارئ لمواجهة الكوارث الطبيعية من نوع الذي تعرضت له حضرموت والمهرة. ولو كانت تملك مثل هذه الخطة لما وصلت الكارثة إلى تلك الدرجة المخيفة في آثارها الكارثية على الأرواح والممتلكات الخاصة والعامة، مما عزل مساحة واسعة من البلد عن بقية أجزائه لعدة أيام (نحو 234675 كيلو متر مربعاً، أي أكبر مساحة من الجمهورية!).
وبينت الكارثة أن قواتنا المسلحة برغم ما بذلته من جهد لإنقاذ الضحايا المحاصرين، خاصة الحوامات، ليست مدربة على مثل هذه المهام، ولا تملك الامكانيات الكافية لمواجهة كارثة بحجم ما حدث، لافتقاد الدولة لخطة طوارئ استراتيجية، ولعدم تأهيلها لمهام مدنية كمكافحة الكوارث الطبيعية.
وهذا معناه أن نتعلم الدرس مما حدث، وأن يعاد تأهيل القوات المسلحة بحيث يشمل التدريب الذي تحصل عليه، إلى جانب التدريب والتأهيل العسكري، مهام الدفاع المدني ومكافحة الكوارث الطبيعية… والتمويل الهائل الذي تحصل عليه المؤسسة العسكرية والأمنية يبرر القيام بهذا الدور الوطني والإنساني.
وفضحت الكارثة عجز السلطات المحلية عن مواجهتها، وعدم تقديرها لحجمها، وأحياناً تقاعسها عن القيام بواجبها، وعجزها عن تعبئة الموارد المحلية المادية والبشرية المتاحة لمواجهة الكارثة في حدها الأدنى، وارتهانها إلى مساعدات ودعم يأتيها من المركز؛ لكن هذا الدعم لم يأتِ إلا بعد أن كانت الكارثة قد أهلكت البشر، وهدمت المدر، وجرفت البنية التحتية من طرق وجسور وكهرباء وهاتف! وكان في مراحله الأولى أقل مما يجب، لأن الحكومة نفسها لم تكن في وارد تصور حجم الكارثة التي جاءت أكبر وأعظم من كل التوقعات. ولافتقاد الحكومة لخطة طوارئ استراتيجية، وبالتالي لا مكانيات مواجهتها فقد جاءت حركتها بطيئة وارتجالية.
وكشفت الكارثة عدم امتلاك اليمن لمؤسسات علمية لدراسة الظواهر الطبيعية. كما كشفت تدني مستوى الوعي القومي بخطورة ما ينتج عن هذه الظواهر، والكوارث التي يمكن أن تؤدي إليها، وانعدام مثل هذه الثقافة، سواء لدى المسؤولين أم لدى المواطنين، خلق نوعاً من عدم المبالاة وعدم الإكتراث، والسلبية، مما ضاعف من حجم الكارثة.
وكشفت الكارثة أن الطبيعة لا ترحم اولئك الذين يستهينون بقوانينها التي أرستها عبر ملايين السنين. فالبناء العشوائي في الأودية ومجاري ومنحدرات السيول، وعدم تنظيفها الدوري من المخلفات والاشجار الطفيلية التي تسدها، كانت من الاسباب التي ضاعفت من حجم الكارثة.
كما فضحت الكارثة مدى هشاشة بنيتنا التحتية من طرق وجسور وكهرباء وهاتف، بحيث أنها لم تستطع الصمود لأكثر من يومين فقط (!!) وبمعنى آخر، إنها لم تعد لمقاومة الكوارث من نوع الذي حدث، أو أن الغش والفساد كانا السبب في انهيارها السريع والفضائحي!! ولم تبق الكارثة للدولة ما يمكن أن تفتخر به، أو تمن به على أبناء حضرموت والمهرة بعد أن أتت على كل ذلك!
باختصار، هذا درس، ودرس بليغ علينا جميعاً أن نتعلم منه. فبرغم ما أحدثته الكارثة من خسائر في الارواح والأنفس والممتلكات عامة وخاصة، وما خلفته من حزن وأسى عميقين، وما ستتركه من آثار وتبعات، علينا أن نستفيد مما حدث حتى لا نفاجأ مرة اخرى بكارثة جديدة ولم نفق بعد من هول الكارثة الأولى.
(جنب الله اليمن وشعبه كل مكروه).
على الحكومة أن تدرس ما حدث، وترصد ليس فقط حجم الخسائر، أو حجم المساعدات، بل أن تحسن إيصالها إلى المنكوبين، وكيفية تعويضهم عن الخسائر الفادحة التي تكبدوها، وأن تأخذ العبرة مما حدث فلا تفاجئها الأحداث دون أن تكون مستعدة لمواجهتها مستقبلاً! ولعل من أولى المهام التي تنتصب أمام الحكومة، استفادة مما جرى: وضع خطة طوارئ استراتيجية للمستقبل، ورصد الامكانات المطلوبة لمواجهة الكوارث الطبيعية، والكوارث من أي نوع، وانشاء معاهد ومؤسسات علمية لدراسة الظواهر الطبيعية في المناطق التي يحتمل نشوؤها فيها، سواء تلك التي تخرج من باطن الأرض كالزلازل، أم تلك التي تهبط من السماء كالامطار وما ينتج عنها من سيول وفيضانات، أم تلك التي تتكون في البحار والمحيطات وترفع منسوب الامواج والرياح… وسواها من المتغيرات المناخية.
وربما بات ملحاً بعد الكارثة، إنشاء صندوق قومي لمواجهة الكوارث بالمعنى الحقيقي (وليس كصندوق الزلازل في ذمار!!) ترصد له الأموال الكافية، وتحدد فيه مساهمة الدول والقطاعين العام والخاص، ونصيب المواطن، فلا نضطر في كل مرة نواجه فيها كارثة إلى مد ايدينا، مع تسليمنا بأن المآسي توحد البشرية في مثل هذه الظروف فتسارع طوعاً إلى تقديم الدعم للمتضررين للتخفيف من آثار الكوارث التي قد تصيبها.
فهل نتعلم الدرس مما حدث، ونستعد لقادم الأيام، أم سنظل نبكي على اللبن المسكوب؟!
 
 
****
 

أم اللبن

شفيع محمد العبد
 
“بشيش ع أم اللبن ومنيحة الأطفالـ”
الشاعر حسين المحضار.
 تعيش محافظتا حضرموت والمهرة الكارثة بعينها منذ هطول الأمطار والسيول وبشكل غير مسبوق، مما أدى إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.
الكارثة لم تتوقف عند هذا الحد بل تجاوزتها ومازالت إلى أمور أكثر وقعاً في النفوس وأشد وطأة مما خلفته الأمطار والسيول من دمار وضحايا.
فالتلاعب بمواد الإغاثة بصورة تنم عن غياب الإنسانية وعدم احترام حقوق الانسان حتى عند اشتداد المصائب، ذلك بات ظاهرة شائعة في المناطق المنكوبة. فكما أن هناك تجار حروب، فقد كشفت الكارثة عن تجار لمواد الإغاثة. وما صيحات المنكوبين المتلاحقة وافتقارهم للإغاثة الإنسانية، وعدم وصولها إليهم كما جاءت من أصحاب الإنسانية والضمائر الحية، وتناقصها، بل إنها قد وصلت في شكل: فرش واحد لأربعة عشر شخصا، أو: خمسة كيلو أرز للأسرة. وتلك أدلة على تلذذ البعض بالمتاجرة بأوجاع المنكوبين ومعاناتهم.
ومع ذلك فإن المناكفة السياسية لم تهدأ بين أطرافها، ومحاولة الكسب السياسي على حساب على ظهور المنكوبين يعد جريمة تستدعي الوقوف تجاهها بحزم ومناهضتها بكل الأشكال. فالسلطة، وعبر خطابها الرسمي، ذهبت للتذكير بحرب 94م ومجهودها الحربي، وشنت هجومها على المعارضة التي هي الأخرى وقعت في مأزق السلطة وسعت للكسب على حساب المعاناة.
كل ذلك من فعل سياسي ورد فعل ليس له أدنى قيمة لدى من فقد عزيزاً أو تهدم مسكنه وجرفت السيول مزرعته أو انعدمت لديه خدمات الكهرباء والماء والهاتف والطريق…
خطابات ومناكفات ليس لها قيمة لدى الطالب الذي فقد مدرسته وحالت بينه وبينها المسافات.
حضرموت هي “أم الموازنة العامة للدولة”، وهي “المنيحة” أيضاً؛ لذا فهي لا تحتاج إلى معونات ودعم من خارجها بقدر احتياجها للحصول على جزء من ثروتها و”لبن ضرعها” الذي يمتصه غيرها وبشراهة.
هي في غنى أيضاً عن محاولات الكسب السياسي على حساب آلامها وأوجاعها ولأهداف غير شريفة، كما هي شقيقتها المهرة تقف معها في الخندق نفسه وللحاجة نفسها.
كفوا أحاديثكم واصمتوا عن الكلام! فالمنكوبون لا يريدون غير إعادة الإعمار وعودة الحياة إلى طبيعتها. أما أهل السياسة فهاهم يسابقون الزمن ويتحدثون بما يزعج ويؤلم. إنها الانتخابات ولجان القيد والتسجيل، في وقت ما زالت حضرموت والمهرة تعيشان النكبة. إنه عمل غير أخلاقي ولا شريف بلا شك ولا ريب.
خاتمة
تابعت بألم تصريحات بعض المسؤولين في شبوة ادّعوا فيها وجود أضرار في بعض مديريات المحافظة جراء السيول والأمطار الأخيرة. بينما جاءت تصريحات مواطني تلك المناطق تنفي ادعاءات أولئك المسؤولين. فبدلاً من أن تكون شبوة وأهلها أول المغيثين لحضرموت ذهبنا لإدعاء الضرر. فلا حول ولا قوة إلا بالله!
[email protected]
 
 
****
 

أبوراس يغيث أهل حضرموت بلعناته

عبد الله بن راضي
[email protected]
 
أثبتت الحكومة مهارة عالية في اختلاق أزمات حين تفشل في معالجة أو احتواء تداعيات أزمة أخرى، لتتراكم النتائج ويكون المواطن في الأخير هو الضحية، ووحده يتلقى لعنات أولئك الوزراء والمسؤولين والقيادات العسكرية المكلفة بإنقاذ المنكوبين.
لقد أظهرت كارثة السيول التي أغرقت محافظة حضرموت أن فشل الحكومة في السيطرة على هذه الكارثة وتنظيم أمور معالجتها، قاد إلى استنساخ مآسٍ أخرى، وعوضا عن معالجة الكارثة وفقا لمسؤوليتها استثمرتها لمصالحها الشخصية وعلى الشعب اللعنة!!
اللعنات الصارخة تلك أطلقها “أبو رأس” على أهالي ساه الجريحة التي شهدت أعنف نتائج كوارث السيول التي حلت بها ودمرتها تدميراً كاملاً ولم تُبْقِ منها سوى أجزاء تدل على وجود حياة كانت قائمة في هذه المنطقة. أهالي ساه غاضبون من تخاذل الحكومة والسلطات المحلية وعدم سرعة إنقاذهم من السيول التي أغرقتهم، والتباطؤ الذي بدا واضحاً في سرعة تقديم الإغاثة، ولم تقدم لهم في اليوم الثاني للكارثة سوى 10 قطم رز ومثلها سكر وزيت و20 قطمة دقيق و80 بطانية، في أكثر من طلعة لطائرات الهليكوبتر التي ظلت تحلق في سماء المديرية في جولات استطلاعية دون أن تنقذ أو تغيث منكوبا.
كان من الطبيعي جداً أن يستقبل أهالي المدينة أبوراس ومحافظ المحافظة والسلطة المحلية في المديرية -بعد اليوم الخامس للكارثة- بالرمي بالحجارة وإظهار الغضب، رافضين هذه الزيارة المتأخرة جداً والتي جاءت كما يبدو لرفع الحرج وللاستثمار الإعلامي فقط. أهالي ساه أظهروا غضبهم ورفضوا التخاطب مع نائب رئيس الوزراء للشؤون الداخلية، احتجاجاً على التخاذل وعدم المبالاة بهم، وتوزيع المعونات الأضحوكة التي يتحدثون عنها، التي بالكاد لا تكفي أسرتين، هي ردة فعل يمكن تفهمها لمنكوب فقد كل شيء. ذلك أثار حفيظة “أبو رأس”، (فقد رأسه حينها) فأمطرهم بوابل من اللعنات؛ تلك اللعنات التي مسح بها على رؤوس الأطفال اليتامى، وخفف بها دمع النساء الأرامل، وواسى بها الشيوخ العزل؛ تلك اللعنات المباركة التي غمرهم بها كي تخفف من همومهم وأحزانهم، لتذكي جراحاً عميقة أدمت قلوبهم لم تتماثل للشفاء بعد من جراء ما حل بهم؛ لتكون تلك اللعنات كارثة أعظم وأكبر مما حل بـ”ساه” وبأهلها المنكوبين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في العراء؛ تلك اللعنات التي وزعها الرجل الأول المسؤول عن أعمال الإغاثة، على الضحايا بدلا من حمولات قوافل الإغاثة المخزونة في مستودعات أمينها “أبو رأس” التي سجلت في سفره الأسود، لتظل نقطة سوداء بارزة في حياته يصعب عليه مسحها لتظل مصاحبة له أينما حل وذهب.
لعل تلك اللعنات، التي أطلقها صريحة، لم تكن الأولى، بل سبقها ولحقها العديد منها، وزعها “أبو راس” في أرجاء حضرموت يمنة ويسرة. ليس بالضروري أن يعلن عنها، فتلك التصرفات الرعناء مع الضيوف الأشقاء والجمعيات الخيرية القادمة من خارج اليمن لتقديم يد العون والمساعدة لإخوانهم ولأهلهم في حضرموت، والتي بدورها أثارت حفيظة “أبو رأس” ومن على شاكلته، لهي دليل واضح على ذلك.
إلى اللعنات التي وزعها على الضحايا في مهمته الإنسانية، ثمة مهارات أخرى: إثارة البلبلة والشكوك في بعض الجمعيات الخيرية، التي كانت هي صاحبة المبادرة الأولى قبل الحكومة في إغاثة المنكوبين، على أنها توزع المعونات العينية والمادية على أساس مذهبي أو عرقي أو غيره، لرفضها التام تسليمها للجان الحكومية، ليقينها وعلمها بأنها ستذهب في فم هام، وسيتلقى المتضررون اللعنات ليس إلا. كل هذا وغيره أثار غضبه مما جعله يسلك أسلوبا غاية في الرخص والحماقة من خلال بث الفرقة بينهم.
لا ندري ما إذا كان فخامة الرئيس علي عبد الله صالح على علم بما يجري في حضرموت، وتحديدا تصرفات الغبية التي يفتعلها من أرسله لمساعدة المنكوبين وإغاثتهم. لا أعتقد أنه على علم بتفاصيل كل ما يدور خلف الكواليس؛ لأنني على يقين من أنه لن ولم يرضَ بذلك، على الأقل في الوقت الراهن، وفي هذه المرحلة الصعبة والحرجة جداً التي تمر بها المنطقة.
نتمنى أن نرى في الأيام القادمة بوادر خير مقبلة، فأملنا في الله كبير، وليعلم كل أولئك الذين يسرحون ويمرحون في حضرموت عبثاً ونهباً أن حضرموت تنفي عنها الخبث، وستحل بهم كل اللعنات التي يوزعونها يمنة ويسرة، والأيام حكم بيننا وبينهم، وإلا فإن غدا لناظره لقريب.
 

****

100 قطمة دقيق و10 خيام.. هذه حصيلة «البلاد» من الاغاثة

تمكنت شركة توتال النفطية من الوصول إلى المناطقة المنكوبة في ساه قبل الحكومة اليمنية.
مع بداية الأيام الاولى للكارثة هرعت الشركة الفرنسية العامل في عدد من مواقع التنقيب عن النفط في حضرموت إلى مساندة المتضررين باعمال اغاثة وايواء تركت أثراً طيباً في نفوس الأهالي.
المساعدات الحكومية التي وصلت المتضررين في الأيام الأولى كانت ضئيلة حد شكاوى المتضررين. كل ما تم رصده يوم 25 اكتوبر 10 قطم رز ومثلها سكر، و20 قطمة دقيق و10 جالون زيت وبطانية، وتلك حصيلة الاغاثة الحكومية أول أيام الكارثة.
ولم تتغير الحصيلة في اليوم التالي: «10 قطم رز، و10 قطم دقيق، و10 جالون زيت، و40 بطانية»، والجديد إضافة 10 خيام. هذا كل ما رصده الأهالي في منطقة البلاد بمديرية ساه لمواجهة تبعات تدمير اكثر من 250 منزلاً وتشريد مئات الأسر.
بعض الاسر التي نجت منازلها من الكارثة اظهرت قدراً كبيراً من التكافل حيال من فقدوا منازلهم، وهو ما خفف بعضاً من المعاناة.
بحسب روايات مواطنين لـ«النداء» فإن الكثير من الأسر والاطفال تم ايواؤهم في المنازل التي لم تتضرر. وتحمل الرجال معاناة المبيت في العراء.
 

****
 
أغذية تالفة في مهمة إغاثية
 
بحسب إفادات بعض الأهالي فإن كمية كبيرة من العصائر والمرطبات التي قدمت ضمن قافلة اغاثة من العاصمة مدة صلاحيتها انتهت، واخرى لم يتبق على انتهائها سوى 25 يوماً.
الكميات التي فرغت في مستودعات المؤسسة الاقتصادية في عدد من المناطق بينها مستودع للمؤسسة في مديرية شبام لم تكن تالفة بالكامل. وللدقة فإن بعضاً منها يحتاج مرور من شهرين إلى ثلاثة كي تنتهي صلاحية استخدامه (!).
لقد وزع الكثير منها،وبعضها ماتزال في المستودعات خلال تسيير المساعدات الشعبية والرسمية على المناطق المنكوبة لاحظ الأهالي شيئاً لافتاً.
 
 
****

أبو رأس يوزع اللعنات على المنكوبين في ساه

خلفت الكارثة التي حلت على مديرية ساه خسائر هائلة في الممتلكات والارواح، لكن رئيس لجنة الاغاثة الحكومية هو الآخر خسر الكثير من اللياقة في مواجهة سخط الأهالي.
طيلة 6 أيام من وقوع المصيبة التي جاءت على منازلهم وممتلكاتهم وأرواح العشرات من ذويهم واجه أهالي المنطقة المنكوبة الكارثة منفردين. لقد عزلتهم السيول عن المناطق المجاورة وقطعت أوصال تجمعاتهم السكانية فيما كانت الاغاثة الحكومية الوحيدة طائرات هيلوكبتر تحلق في سماء المدينة دون تسجيل أي حالة إنقاذ خلال الستة الأيام الأولى للكارثة.
وفيما كانت الكارثة تحرز المزيد من الاضرار كان السخط يكسب المزيد من الاتباع بين المتضررين حيال ما اعتبره تقاعساً حكومياً عن مؤازرتهم.
عندما وصل رئيس لجنة الاغاثة الحكومي صادق أمين أبو راس إلى المنطقة صحبة مسؤولين محليين كان السخط وحده في استقبالهم. بالإضافة إلى الحجارة واجه أبو راس يوماً عصيباً بالفعل لكه لا يشبه البتة ما واجهه الناس طيلة 6 أيام قبل زيارته.
بحسب شهود عيان حضروا واقعة الاستقبال فإن أصوات المواطنين ارتفعت منتقدة تأخر زيارة المسؤولين للمنطقة واعمال الاغاثة الحكومي معتبرين ذلك سبباً لمضاعفة معاناتهم.
اشتكى الناس في وجه أبو راس من انعدام المأوى للمتضررين والماء والغذاء، كما تساءلوا عن سبب اختفاء المسؤولين المحليين الذين ظهروا رفقة أبو راس منذ أول يوم للكارثة.
ودخل أبو راس مع الناس في سجال: «ماذا نأتي نفعل في أول يوم.؟ نحن نسلم عليكم!» قال أبو راس رداً على الشكوى من تأخر الحكومة. وأردف: «إذا جئنا من أول يوم كان سيطلب مننا تقديم اشياء ليست بيدنا. نحن ركزنا على فتح الطرقات». لكن ذلك لم يخمد سخط الأهالي الذين اعتبروا رده تهرباً. «مجيئكم كان سيطمئن الناس بأن هناك اهتماماً وأن الاحتياجات ستتوفر».
وتصاعدت حدة السجال بين الجانبين. لقد انبرى صوت من الأهالي يخاطب أبو راس بامتعاض شديد: «نحن ما نبغى شيء منكم، شلوا حقكم المنجا الديكو وروحوا، نحن لنا الله وأهلنا بحضرموت ما بيقصروا». حينها فقد المسؤول الحكومي اعصابه وانفجر غاضباً على المتجمهرين: «هيا ما شي…. والا قده لعنة من جيز اللعنات». وحتى الآن مازالت جملة «اللعنات» تنشط على تأويلات مختلفة في كل ارجاء حضرموت.
 

****

بعد أسبوع من الكارثة أصيب المئات بأمراض الجهاز التنفسي واقلقتنا البقع السوداء على البحر لكن المخاطر تأتي من إزدياد روائح تعفن الجثث يومياً
مديرفرع هيئة حماية البيئة في الساحل:
هذه كارثة دائمة التكرار لكنها الأكبر وبعض المناطق الساحلية بحضرموت معرضة للغرق
 
لا تقتصر أضرار كارثة السيول في حضرموت على مقتل العشرات وتشريد الأسر وهدم المنازل وجرف بساتين النخيل. فبعد أسبوع من الكارثة كانت عيادات امراض الصدر والجهاز التنفسي تكتض بالمئات من المرضى.
لقد اصيبوا بمشاكل في الجهاز التنفسي واضطرابات في وظائف الرئة بسبب سحب الغبار التي تغطي سماء حضرموت عقب شروق الشمس.
ثابت السعيدي مدير فرع الهيئة العامة لحماية البيئة بحضرموت الساحل أفاد بأن كميات من الاتربة الخصبة التي جرفتها السيول إلى الارصفة والشوارع ما تلبث أن تتطاير وتشكل سحباً من الغبار عقب شروق الشمس ووصلت من حيث كثافتها وارتفاعها إلى اعلى مستوى عرفته حضرموت منذ عقود.
السعدي الذي تحدث لـ«النداء». مساء الاثنين الماضي، عبر الهاتف، أشار إلى أن سحب الغبار هي إحدى تلوثات البيئة الناجمة عن كارثة السيول، موضحاً أن التلوث البيئي عقب الكوارث الطبيعية هو أمر حتمي.
وفي حين ادت سحب الغبار إلى ازدهار نشاط اطباء الصدر، تسببت بحالة كساد في معظم الانشطة التجارية في المحافظة وتحديداً المطاعم ومحلات الملابس، واضطر العديد من تجار هذه الانشطة إلى إغلاق محلاتهم حفاظاً على سلعهم من التلف.
إلى أمراض الصدر حضرت الملاريا بقوة في أوساط المنكوبين والناجين واستحوذ النازحون في المدارس والخيام على النصيب الأكبر في عدد الاصبات باعتبارها بيئة مناسبة لتكاثر البعوض.
بحسب السعدي، عمليات الرش المبيدات وفرق مكافحة انتشار الأوبئة لم تتوقف منذ اليوم السادس للكارثة، بيد أن المؤشرات لا تبعث على الطمأنينة.
12 ألفاً هو العدد التقريبي لأجمالي الطيور التي جرفتها السيول من أربع مزارع للدواجن. إلى الطيور أيضاً جرف السيل الغاضب المواشي الجمال، الحمير، الغنم…الخ، وغد روائح تعفنها تنبئ عن موجة وباء قادمة، رغم المحاولات المتواضعة لإنتشالها وحرقها في مربعات محصورة.
لكن السعدي الذي قال أن التلوث البيئي لم يكن بحجم الكارثة أكد أن التهديد الحالي امامهم يتمثل بوجود مؤشرات عن ازدياد فوح عفن الجثث بشكل يومي.
لكن نبرة صوته أصابها القلق من التعرض إلى التلوث البحري في الشريط الساحلي لحضرموت حيث السيول حمولتها من المجروفات. انها اكبر من كارثة. بعد 6 أيام رصدت فرق الهيئة بقعة سوداء على المياه الساحلية لحضرموت، وبعد فحصها تبين أنها زيوت عادمة. قال السعدي لـ«النداء» الزيوت العادمة هي تلك المستخرجة من محركات السيارات بعد انتهاء فعاليتها، وتنتشر محلات تفريغ هذه الزيوت على طول مجاري السيل في وادي «دغم» واودية أخرى وقد جرفت السيول برميل الزيوت العادمة من أمام محلات البنشر إلى البحر وطبقاً لسعدي لم يقتصر تلوث البحر على الزيوت العادمة، لقد جرفت السيول كل شيء صادفها وحملته إلى البحر، لكن دخول الزيوت العادمة إلى البحر ليس أمراً حميداً حد السعدي، وقد تعيق عملية الاصطياد خلال الفترة القادمة إلى أن يتم شفطها. وتحسر السعدي من عدم وجود مركز للطوارئ فضلاً عدم امتلاك ثقافة بيئية، موضحاً أن جميع المشاريع التي اقيمت في حضرموت ينقصها دراسة الأثر البيئي، والتي حال توفرت كانت ستعطي مؤشرات مبكرة عن حجم المخاطر.
وارجع السعدي التلوث الناجم عقب كارثة السيول إلى تصرفات الانسان هناك من مسؤولين ومواطنين.
وإذ لفت إلى أن الامكانيات المتوفرة حالياً في حضرموت ليست بحجم النتائج المأساوية للكارثة أكد على مضاعفة اعمال الفرق العاملة في الميدان، من فرق: رش المبيدات، انتشال الجثث، الطبية، حصر الاضرار.
واستغرب السعدي، من عدم الالتفات إلى استمرار هذه الكوارث في حضرموت بشكل دائم ودراسة اسبابها وقال: «هذه الظاهرة تتكرر دائماً (كل عشر سنوات تقريباً) رغم كبر الاخيره»، مشيراً إلى أن حضرموت شهدت كارثة مشابهة خلال الأعوام 1982، 1990، 2000 وحالياً في 2008.
وحذر السعدي من تجاهل التقلبات المناخية وتأثرها بظاهرة الاحتباس الحراري، وقال إن كل المؤشرات تؤكد أن كثيراً من المناطق الساحلية في اليمن وتحديداً في حضرموت مهددة بالغرق، بسبب ارتفاع منسوب المياه، مستحضراً آية قرآنية «ولا تلقوا بايديكم إلى التهلكة».
 

****
 
استنقاع
 
يوماً بعد آخر تنكشف حقائق لا تقل كارثيتها عما خلفه غضب الطبيعة: انعدام الاستجابة السريعة لاعمال الاغاثة.
لاحقاً تبين أن المسؤولين في حضرموت منزوعو السلطة ولا يستطيعون تجاوز البيروقراطية المركزية.
وبعد اسبوعين من تكليفهم باعمال الاغاثة اتضح أن جهودهم لم تكن مقبولة، وامتزجت عشوائية اعمال الاغاثة مع التردد وغياب الشفافية والصراعات على الفيد القادم من المغيثين لتخلق مستنقعاً في اكبر محافظة يمنية.