حنايا – هدى العطاس

حنايا – هدى العطاس

كانت ومازالت حضرموت، منذ قيام الوحدة، البقرة المدرار التي يضع السطو والنهب والفساد أوعيته تحت ضرعيها (وهات يا حلب!) أمام أعين أصحابها الذين يعاني أغلبهم شظف العيش، كعامة سكان هذه البلاد. وبعد نكبة السيول مؤخرا تبدو كدجاجة تبيض ذهبا، إثر ديك المعونات الذي أطلقت الحكومة صيحاته المستجدية، وهرولت خلفه تجمع البيض.
كان المشهد يبعث على السخرية السوداء، والقرف، حينما

كانت ومازالت حضرموت، منذ قيام الوحدة، البقرة المدرار التي يضع السطو والنهب والفساد أوعيته تحت ضرعيها (وهات يا حلب!) أمام أعين أصحابها الذين يعاني أغلبهم شظف العيش، كعامة سكان هذه البلاد. وبعد نكبة السيول مؤخرا تبدو كدجاجة تبيض ذهبا، إثر ديك المعونات الذي أطلقت الحكومة صيحاته المستجدية، وهرولت خلفه تجمع البيض.
كان المشهد يبعث على السخرية السوداء، والقرف، حينما طافت قاطرات المعونات المزمعة، تسبقها “العربات الونانة”، شوارع صنعاء، وكأنما هي زفة عرس وليست مساعدات لمنكوبين يجلدهم البرد والجوع والفجيعة… وإذا رأت الحكومة (ولعله واقع الحال) أن مساعداتها تلك من باب الصدقة والإحسان، فالإحسان الحق لا يحتمل الاستعراض والتشهير بمحتاجيه. والصدقة المبرورة يجب ألاّ تعلم فيها اليد اليسرى ما أنفقته اليمنى. غير أنها لا هذه ولا تلك، وإغاثة المناطق المنكوبة تأتي في صميم عمل الحكومة وواجبها، ولا تستحق في مقابله حتى الشكر، وكيف بها وهذه المعونات المقدمة ليست من جيبها ولا من صندوق رعايتها؛ خلاف ما رافق عملية الإغاثة والمساعدات من سلوكيات فساد لم تسلم منها مبادرات المغيثين الخارجية والداخلية، ولا المغاثون. كان للحكومة أسوة ببيوت المال الحضرمية وتجارها، هم يعرفون تماما الوسائل والطرق التي يغيثون بها إخوانهم وتوصيل العون لمستحقيه وإعادة إعمار بلادهم، كواجب لا يساوم عليه ولا يوضع في زفة الاستعراض والتبجح؛ لأن الفجيعة التي حلت بالناس والبلاد كارثة إنسانية تواجه بتدابير إنسانية مسؤولة لا بزفة سياسية وسوق جديدة للإثراء.
لو نظرنا للمعونات المالية من الخارج التي تلقتها الحكومة لمواجهة النكبة وإغاثة المناطق المنكوبة ومنكوبيها، وتم رصدهم (المنكوبين) وتوزيع المعونات المالية عليهم، لسدت حاجتهم وفاض عنها. وبحسبة سريعة، لو افترضنا منح كل أسرة منكوبة ما نسبته ثلاثون ألف دولار لاستطاعت إعادة بناء بيتها ولملمة شتاتها. هذا فيما يخص المواطنين، أما فيما يخص ما دُمِّر في البنية التحتية، فما على الحكومة –لو أرادت فعلا– سوى احتساب حصة من عائدات النفط لإعادة الإعمار، ولما احتاجت الاستمرار في كل هذا الصراخ المستجدي، ولا لفرش “السماطة” وترديد أراجيز التسول.
عجبت لبعض الزملاء الصحفيين طرحهم! ألا يكفي المناطق المنكوبة بالكارثة الطبيعية نكبتها، حتى نضيف على غرمهم غرم صارخ، بتحميلهم وزر غيرهم، إذ هم ضمنوا في سياق كتاباتهم حول الانتخابات النيابية القادمة (ومؤكد أن غايتهم الخير الخالص، غافلين عن الشر الملتبس فيما كتبوا)، حينما يشيرون على فرقاء العمل السياسي وطباخيه، بأن تتحول هذه النكبة إلى شماعة لتبرير تهالكم ومطاحناتهم، وسوء طبخهم، وذريعة يتلفع بها المتماحكون الذين في حقيقة أمرهم لا تهمهم مصلحة البلاد ولا ناسها المنكوبين طول الوقت في طول البلاد وعرضها دونما الحاجة إلى كارثة طبيعية، بسبب أنانية هؤلاء السياسيين معدومي المسؤولية سواء في الحكومة أم في المعارضة، (للأهمية: تصنيع الكوارث موهبة يملكها من يديرون هذه البلاد، تفيض عنهم ويمكن تصدير تقنياتها لمن يرغب). يذهب زملاؤنا الشرفاء في مثاليتهم غيا، حينما ينصحون المتصارعين السياسيين بتأجيل الانتخابات على خلفية النكبة الطبيعية. بدلا من نصحهم بالتحلي بالشفافية والجرأة بل ومطالبتهم بوضع الأمور في نصابها وفي سياق أسبابها الحقيقية حتى لا يذهب الوطن في ملاوي ومتاهات تبعدنا عن حل لكل هذا الفساد السياسي والصرع الحزبي، بدلا من استنساخ ألاعيب سياسية جديدة تضيف إلى كوارثنا كوارث وتطيل عمر المتفيدين. وحديثنا… ممتد.
[email protected]