محافظة النفط تغرق في السيول

محافظة النفط تغرق في السيول

الاكتفاء بالترويج لنكبة تتسع كل يوم
 
 «النداء»
بعد مضي 6 أيام على تشكيل لجنة اغاثة حضرموت المحافظة المنكوبة وابنائها، فإن المؤشرات تؤكد أن المخاطر تزداد يومياً، وصارت أكثر تهديداً من أي وقت مضى.
لقد أظهرت السلطات مهارة عالية على لفت الانظار للكارثة غير أنها أخفقت في إنقاذ الاسرة العالقة منذ أسبوع وسط المياه أو إيصال المساعدات لها.
طبقاً لمصادر محلية في حضرموت، فإن مئات الاسر ما تزال محاصرة وسط المياه منذ أسبوع في عدد من قرى مديريات: تريم، القطن، ساه، حورة.
وقالت إن فرق الغوث لم تتمكن من الوصول إلى تلك المناطق لانتشال تلك الاسر أو إمدادها بالغذاء.
وأكدت أن روائح تعفن الجثث بدت تفوح في مجرى السيول ومن تحت أنقاض المنازل المهدمة في الوادي.
ورغم الفشل الذريع لاعمال الغوث فإن صادق أمين أبو رأس نائب رئيس الوزراء رئيس لجنة الاغاثة في حضرموت يصر على أن عدد الوفيات في حضرموت لم يتجاوز الرقم 67 حالة وفاة، واصفاً تقديرات الامم المتحدة في جنيف عن الضحايا التي قدرت عددهم ب 180 حالة أنه رقم مبالغ فيه. رغم أن المناطق الأكثر تضرراً ما تزال بعيدة عن اعمال رجال الاغاثة التي يقودها أبو رأس.
وكان عقيل العطاس عضو المجلس المحلي بحضرموت وصف في تصريحات صحفية أمس الثلاثاء أن لجنة الاغاثة التي يشرف عليها أبو رأس وقيادات أمنية وعسكرية تدير عمليات الإنقاذ بطريقة عشوائية وأن المعونات لم تصل إلى الاشخاص الاكثر حاجة إليها.
وقال إن عمليات الانقاذ وخطة الطوارئ المعلنة لم ترتق إلى الحد الادنى المطلوب لمواجهة الكارثة.
واذ لفت إلى وجود تصرفات غير اخلاقية في التعامل مع مواد الاغاثة والمساعدات الانسانية، كشف العطاس وجود محاولات من قبل نافذين للسيطرة على المساعدات المقدمة من الدول الشقيقة لغوث المنكوبين. وقال: حتى اللحظة لا نعرف نحن كمجلس محلي كيف تتم عملية توزيع تلك المعونات وماهي الكمية الموزعة.
وكانت مصادر متطابقة قالت إن قيادت أمنية وعسكرية نقلت أعدداً كبيرة من البطانيات إلى معسكرات المحافظة.
بحسب أبو رأس الذي كان يتحدث مساء أمس الثلاثاء على قناة الجزيرة حول الاضرار التي خلفتها الفيضانات، بلغ عدد المنازل المدمرة كلياً وجزئياً 3260 منزلاً.
لقد تمكنت الامطار خلال 30 ساعة من إلحاق الضرر في 150 كيلو متراً مربعاً اغلبها في حضرموت الوادي، وارتفع منسوب المياه في عدد من المناطق من 8 أمتار إلى 18 متراً وقال أبو رأس لـ«الجزيرة» إن الحل الوحيد المتوفر حالياً لغوث المنكوبين لن يتأت إلا بفتح الطرقات التي دمرتها السيول، مؤكداً استمرار عمليات الغوث عبر المروحيات.
 مصدر محلي قال إن الضحايا الذين تم انتشاله من مناطقهم، نقلوا إلى مدارس المحافظة، وأضاف أن الاسر الأوفر حظاً فقدت كل شيء.. منازل وسيارات ومزارع، فيما الاسر الاقل حظاً تواجه المستقبل بدون علم حول مصير احبتها الذين ما يزالون في عداد المفقودين.
وأضاف المصدر أن العديد من الاسر في تلك الملاذات المؤقتة (المدارس) أحست بالالم المجهول من العاصفة التي قالوا إنها مزقت حياتهم خلال 30 ساعة.
 وعلمت «النداء» أن وزارة الصحة أرسلت أمس الثلاثاء 20 سيارة رش مبيدات لمكافحة أي أوبئة قد تتفشى في المنطقة.
كما أن مستشفى الامارت المتنقل سيباشر عمله غداً الاربعاء بطاقم طبي متخصص بالمشاكل الصحية الناجمة عن الكوارث.
وأعلنت الولايات المتحدة الامريكية وجمهورية المانيا أمس الثلاثاء تقديم كل منها 50 ألف دولار كمساعدة عاجلة للضحايا وأوكلتا مهمة توزيعها إلى برنامج الغذاء العالمي التابع للامم المتحدة.
وعلى سياق متصل قدم الهلال الاحمر الكويتي 900 خيمة و9100 بطانية للضحايا ومن المقرر وصولها بعد يومين إلى حضرموت. كما قدمت الحكومة الكويتية مساعدات غذائية وأدوية فضلاً عن خيام وبطانيات ستصل مطلع الاسبوع القادم.
وكانت السعودية أعلنت عن تقديم 100 مليون دولار مساعدة للضحايا، ويعتبر اعلى مبلغ قدم حتى الآن للمنكوبين.
وشهد مطار الريان منذ مطلع الاسبوع الجاري استقبال طائرات محملة بمواد اغاثة من سلطنة عمان وليبيا والامارات، ومصر، وكان من المقرر وصول طائرة تابعة للامم المتحدة صباح أمس الثلاثاء تحمل مواد اغاثة، لكن لأسباب ما تزال مجهولة لم تصل.
 
 
***
 
40 أسرة  تحتمي في جبل الجحيل منذ أسبوع
7 مديريات تحت الحصار ولا مغيث

هشام علي السقاف
سالم وسعيد هما الطفلان الباقيان على قيد الحياة من أسرة كبيرة تتألف من 12 فردا كان قضاء الله أعجل منهم، عندما انهار منزلهم المؤلف من طابقين في أطراف بلدة “ساه” 75 كيلومترا جنوب شرق مدينة سيئون في وادي حضرموت فجر الجمعة الفائت 24 أكتوبر الجاري، بعد أن باغتهم السيل الجارف القادم من المجرى الكبير لوادي “عدم” أثناء نومهم.
حالة سالم وسعيد تبدو الأصعب من بين 36 حالة وفاة و21 شخصا مفقودا مبلّغ عنها حتى اللحظة في وادي حضرموت. لقد تدخلت العناية السماوية لإبقائهما أحياء تحت أنقاض المنزل من فجر الجمعة حتى السادسة من مغرب السبت حينما تمكّن المنقذون من أهالي البلدة من الوصول إليهما و نبشهما مع جثث أهلهما العشر، ونقلهما صباح الأحد بالمروحية الى مستشفى سيئون العام، وهما الآن يمثلان للشفاء.
رغم أن منزل أسرة سالم وسعيد يقع في منطقة لم يصلها سيل الوادي من قبل، ولكن السيل هذه المرّة لم يكن معتادا فقد أجمع المعمرون وكبار السن في حضرموت على أن مثل هذا السيل العرم لم تعرفه المنطقة قط من مئات السنين.. فالأمطار الغزيرة التي استمر هطولها لأكثر من 30 ساعة متواصلة لم تستثنِ جبلا ولا موقعا لتجمّع مياه المطر إلا وحوّلته الى شلالات متدفقة بالسيول الهائلة التي غمرت وديانها ومجاريها المعتادة وفاضت عليها بعد ارتفاع منسوبها الى مستويات عالية جدا مع قوة اندفاع شديدة دمّرت وجرفت كل ما كان في مجراها القديم والجديد الذي استحدثته لأول مرة.. بل ترددت عبارة غير مسبوقة على أكثر من لسان هنا: “إن سيول هذه المرة غيّرت حتى طبيعة وشكل الأرض”، فقد اختفت تماما عن الوجود معالم دالّة على الأودية الرئيسية.
الإحصائيات الأولية في وادي حضرموت تذكر تهدّم أكثر من 1890 منزلا بالكامل (لم تعد صالحة للسكن) وأضعاف هذا الرقم من المنازل المتضررة جزئيا، بل ويكاد لا يستثنى منزل في كل القرى والمدن بعموم الوادي من ضرر ما.. فكميات المطر الهاطلة بلا توقف لساعات طويلة خمرت الجدران والسقوف الطينية وفاقت قدرة منازل الطين بعمارتها المميزة على حماية سكانها من المقدّر والمكتوب بمثل المنخفض الجوي أو العاصفة الاستوائية التي ضربت حضرموت والمهرة من الثلاثاء حتى الجمعة.
الخسائر المادية كانت أضخم مما يتوقع، فقد دمرت الكثير من الطرق والجسور وجرفت عشرات المزارع بآبارها ومحاصيلها ومعداتها ومبانيها (58 مزرعة في مديرية القطن وحدها) مع مئات المواشي والدواجن ومناحل العسل الدوعني الشهير، ومازالت معظم القرى والبلدات بل وحتى مدينة “تريم” الشهيرة محاصرة بالمياه ومقطوعة إليها كل الطرق بعد ثلاثة أيام من الكارثة.. ويبدو جليا أن ضعف قدرات السلطات المحلية وإمكانياتها في توفير الآليات والمعدات اللازمة لفتح الطرق وإعادة خطوط الكهرباء والمياه بالسرعة المطلوبة الى تلك المدن والقرى في مديريات تريم وساه والسوم ووادي العين وحورة والقطن ورخيه وعمد وشبام.. سيفاقم من السخط الشعبي ومحنة المنكوبين المعزولين بلا إمدادات لأيام طويلة ومحتاجين الى إغاثات عاجلة. كما أن هذه الأوضاع صعّبت من مهمة حصر الأضرار والخسائر في كل المديريات بصورة دقيقة، فالمواطنون يتحدثون عن أرقام كبيرة خلافا لما أعلن رسميا.
الأحد الماضي –اليوم الثالث للكارثة، واجه بعض المواطنين المتضررين في حورة ووادي العين، لجنة إغاثة وصلتهم بالمروحية بصيحات الغضب وطلبوا منها العودة من حيث أتت بسبب ما يعتقدونه تباطؤا في أعمال الإغاثة.. فيما رفض منكوبون مرافقون لمرضى نقلتهم مروحية أخرى من ساه الى مستشفى سيئون، الحديث للصحفيين المحليين طالبين منهم التوجه الى مديريتهم التي تعيش معزولة لثلاثة أيام بلا ماء ولا كهرباء ولحقت بها أكثر الأضرار في الأرواح والماديات (33 وفاة و20 مفقودا).
ما يحسب لسلطات الدولة في مواجهة آثار هذه الكارثة الى جانب وصول الرئيس علي عبدالله صالح الى حضرموت للتو سرعة استجابة صنعاء لنداء الاستغاثة بتوفير خمس طائرات مروحية لأعمال الإنقاذ ونجدة المنكوبين والمرضى، ولكنها لم تستطع الوصول الى كل المناطق أو الهبوط لنجدة الملهوفين خارج ديارهم المهدمة بسبب الأوحال أو لكثرة أعداد المحتاجين للنقل من أهالي القرى التي دمرت السيول كل أو معظم منازلها أو المقطوعين في الطرق بين المديريات.. ففي قرية “الجحيلـ” شرقي تريم احتمت زهاء أربعين أسرة بأطفالها ونسائها ورجالها بالجبل منذ الجمعة حتى اليوم بعد تهدم كل منازل القرية، ومثلهم عشرون مواطنا في قرية “ثبي” مشردين في مرتفع أجرد ويقتاتون الأرز الجاف الذي رمته إليهم المروحية.. كما استمرت لليوم الثالث نداءات الاستغاثة من بعض المنكوبين عبر إذاعة سيئون المحلية المعزولين في مناطق لم تصلها المروحيات بعد.
آخر الإحصائيات الرسمية الأولية تشير إلى أعداد المنازل المهدمة في المديريات حسب الآتي:
تريم (335)، القطن (582)، ساه (260)، السوم (170)، حورة ووادي العين (465)، شبام (80) منزلا.
الوضع الإنساني في المديريات المنكوبة مأساوي حتى اللحظة، وحجم الخسائر والدمار في ممتلكات المواطنين وأراضيهم وفي الطرقات وشبكات الكهرباء والمياه أضخم بكثير من قدرات وإمكانيات السلطات المحلية في حضرموت التي لا يعرف أغلب أهلها ما يعنيه الإعلان الرسمي أنها “منطقة منكوبة”.. وهم يرددون كعادتهم قول شاعرهم الراحل حسين المحضار:
“كل ما جابه الله زين
للقدر بافتح قلبي على بابين”
 
 
***
 
الحلاج: مطلوب تدخلات عاجلة لدرء الكارثة
ناطحات السحاب في شبام التاريخية مهددة بالسقوط

هذه المرة كانت المياه غاضبة خلافاً للمعتاد. على مدى العقود الماضية كانت صيحات ترتفع من داخل عمارات الطين الشاهقة بشبام تنادي بإغاثة وإنقاذ أعظم الشواهد الحيّة القائمة لعبقرية الهندسة المعمارية الطينية اليمنية في العالم، جراء سقوط الأمطار على هذه العمارات التي أهملت صيانتها الدورية، فضلاً عما تحدثه السيول من جرف للأراضي والحواجز الترابية المحيطة بها. لكن هذه المرّة كانت الكارثة أهول وأعظم من كل السابقات، و”الخطر اقترب كثيرا وكاد يطبق الخناق” على حد تعبير أحد أبناء المدينة التي أشهرتها “اليونسكو” تراثا إنسانيا عالميا منذ عام 1984م وأعلنت عن حملة دولية لحمايتها مع بقية مدن وادي حضرموت.
المهندس عمر عبد العزيز الحلاج الذي عمل رئيسا لخبراء المشروع اليمني الألماني للتنمية الحضرية بشبام (GTZ) لسبع سنوات ماضية، وهو الآن المدير المسؤول عن المشروع في عموم اليمن، وصل سيئون السبت من صنعاء، ولم يستطع دخول شبام إلا ظهر الأحد بسبب حصار السيول المطبق على المدينة من جميع الاتجاهات.. قال: “الأضرار كبيرة جدا، وعمارات المدينة التاريخية وأسوارها تعاني من هبوط التربة بفعل غزارة المياه، كما أن محطة معالجة مجاري الصرف الصحي جرفت بالكامل وانكشفت على السطح من جديد أنابيب المياه والمجاري.. والمطلوب تدخلات عاجلة.. كما أن الوضع في أطراف المدينة سيئ جدا في (السحيل) و(شقيّه) انهار عشرون منزلا والمزيد مهدد بالانهيار.. ومطلوب معالجات سريعة”.
وأضاف المهندس: “عملنا اتصالاتنا مع الصندوق الاجتماعي للتنمية وسنشرع في الإصلاحات المستعجلة بعد أن تجف التربة، والأمر يتطلب تدخلا سريعا وآنيا من كل الجهات لدرء الكارثة ولاسيما إذا ما عاجلتنا أمطار وسيول جديدة”.
أما رئيس المجلس المحلي بشبام الأخ طارق فلهوم فأفاد بأن 47 أسرة نزحت من ديارها في سحيل شبام، وأن 150 أسرة متضررة في عموم مناطق المديرية، وأن أعمال الإغاثة والإيواء للمنكوبين متواصلة مع حصر جميع الأضرار بشكل دقيق.. والأولوية الآن لفتح الطرق وإعادة إمدادات الكهرباء والمياه المقطوعة منذ الجمعة الماضية.
 

***
 
 
كان الأطفال يستقبلون المطر بأهازيج بريئة: “حطي يا مطر حطي..نخل أبوي بايشربـ”، فشربت السيول كل ما في طريقها بقسوة.. 

محافظة النفط تغرق في السيول
 
حسام عاشور
 
لم يدر بخلد مواطني حضرموت أن السحب والأمطار الخفيفة التي بدأت تهطل عليهم من مساء الثلاثاء سوف تتحول كارثة مفجعة.. “حطي يا مطر حطي.. نخل أبوي بايشربـ” و”حولاه الليله يا حولاه الليله السماء تمطر” أهازيج رددها الأطفال ببراءة وهم يستقبلون المطر.

لقد كانت لحظات فرح وسرور عمت قلوب الصغار قبل الكبار الذين كانوا يرجون من الله أن تروي الأرض وتسقي الزرع لتخضر الصحارى الجافة.. لكن، وبدون أي مقدمات، فوجئ الجميع بتحولها إلى دمار شامل.
المطر الذي بدأ يهطل جراء العاصفة الاستوائية التي تحولت إلى منخفض جوي.. بحسب رواية كبار السن من الشيوخ، فإنهم لم يسمعوا أو يشاهدوا مثلها منذ عهود سابقة..
أكثر من 30 ساعة من المطر المتواصل كانت كفيلة بأن تمحي قرى ومدناً بأكملها، وتجعلها قاعاً صفصفا.. سيول كبيرة بدأت تتدفق بقوة أعلى قمم الجبال، معلنة غضبها، تجرف كل ما يقف أمامها.. البيوت.. المزارع.. مناحل العسل.. المواشي.. وكل ما يتعلق بالحياة بشكل عام.. عزلت معها كل مدن الوادي عن بعضها لتجعلها جزراً يحيطها الماء من كل جانب، ومهددة بدمار أكبر.
ومع ساعات الصباح الأولى المحملة بالسحب السوداء الكثيفة.. أعلنت محافظة حضرموت منطقة منكوبة.
وقد أقض هذا الإعلان المفاجئ مضجع القيادة السياسية، ما جعل الرئيس علي عبدالله صالح يتحرك شخصياً ليرى بأم عينيه الفاجعة الكبرى.
صالح الذي أعلن في تصريحات ذهوله لحجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للمحافظة، والذي فاق تصوره.. رفض أن يطلق أي نداء استغاثة للدول الشقيقة والصديقة للمساعدة في جهود إعادة الإعمار، وطالب الحكومة بأن تتحمل مسؤوليتها تجاه ذلك، ولكن رحب في الوقت نفسه بأي مساعدات أو معونات تقدمها الدول والمنظمات.
غرفة عمليات عليا مشتركة تم تشكيلها في ساحل ووادي حضرموت تحت إشراف ورئاسة محافظ المحافظة في الساحل ووكيل المحافظة المساعد في وادي حضرموت، وبعضوية القيادات الأمنية.
لتتشكل بعدها لجان إغاثة وإيواء وتقديم المساعدات الأولية بصورة أولية للمتضررين، بعضوية مدراء عموم مكاتب الوزارات. وبدا الإرباك واضحاً وجلياً على اللجان المشكلة، وبدت غير منسقة مع ذهولهم من كبر حجم الكارثة في ظل عدم توفر الإمكانيات.. فيما كان المواطنون العالقون في الجبال والأشجار في انتظار من ينقذهم من حورة ووادي العين غرباً حتى السوم وساه شرقاً.
 
جهود شعبية تسابق الدمار
فيما كانت الجهات الحكومية تقوم بعمليات الإيواء لبعض المواطنين في عدد من المديريات، كانت جمعية الرأفة الخيرية بمدينة تريم التابعة للداعية علي زين العابدين الجفري، والتي تقوم بالإشراف عليها دار المصطفى بتريم، هي السباقة في القيام بعمليات الإيواء وتقديم المعونات الغذائية خلال الأيام الثلاثة الأولى بما يقارب ال10 ملايين ريال. كما قامت الجمعية، وبمساعدة عدد من الجهات الحكومية، بإيواء 5050 شخصاً جرفت منازلهم السيول الكبيرة، وقد تم تسكينهم في مدارس وثانويات مدينة تريم، وقدمت لهم الخدمات اللازمة من غذاء وعلاج ومستلزمات تموينية ضرورية بحسب عبدالله رمضان سليم المسؤول المالي بالجمعية، الذي أشار إلى الدور الكبير الذي قام به أبناء مدينة تريم، الذين قاموا بالتعاون مع الجمعية في إيصال الغذاء والأدوية اللازمة إلى عدد من القرى المنقطعة، والتي يصعب الوصول إليها مثل مشطة والقوز وحصن فلوقة والجحيل؛ حيث وصلوا إلى تلك المناطق مشياً بالأقدام، ودور أهالي المدينة وجهودهم الكبيرة المبذولة للتخفيف من معاناة إخوانهم المتضررين، والمتمثلة في جمع التبرعات النقدية وكذا الملابس إلى جانب التفرغ الكامل بالسيارات والأوقات للمساهمة في عمليات الإنقاذ والإغاثة.
 
مدن وقرى تغرق
شبام حضرموت، وهي إحدى أهم مدن التراث العالمي، كانت محاصرة ومهددة بالانهيار.. 3 أيام وهي غارقة في بحيرة تحيطها من كل الاتجاهات، سحيل شبام القديمة كانت الواجهة الأولى التي تتلقى بألم وصراع ارتطام المياه المندفعة بقوة بها، ما اضطر الأهالي لإخلاء جميع البيوت هربا من سقوطها عليهم.. 20 منزلاً دمرت كلياً و14 آيلة للسقوط غير قابلة للسكن و53 مهدمة جزئياً.. خلف ذلك 180 أسرة منكوبة، يبلغ عدد الأسرة الواحدة من 12 إلى 20 شخصاً.. تعيش هذه الأسرة متفرقة على مدارس المديرية، بينما توزعت البقية الأخرى على أقاربهم بالمدينة.. المدينة التاريخية شهدت هي الأخرى صدوع في شوارعها وتشققات كبيرة في أسوارها الداخلية، مما ينذر بسقوط واجهاتها الرئيسية.
شبام حضرموت التي ظلت شامخة وصامدة أمام كل عوامل التعرية لتتحدث عن مهارة البناء الحضرمي وإبداعاته الهندسية التي جعلت منها أول ناطحات سحاب في العالم.. مهددة اليوم بالانهيار، وتهتز بيوتها لمجرد مرور الطيران العمودي فوقها.
 
تدمير 260 منزلاً في ساه
مديرية ساه هي الأخرى تبددت معالمها بعد أن غرقت بالمياه التي داهمت سكانها الساعة الثالثة فجراً، وسط ذهول ورعب كبيرين تملكا المواطنين الذين قاموا فزعين من النوم على أصوات هدير السيول التي كانت قد أغرقت المدينة.
السيول هذه المرة لم تمر في مجاريها المعتادة، بل وصلت إلى أماكن أخرى لم تصلها أبداً، لتحقق بذلك رقماً قياسياً لتنهار الكثير من البيوت فوق ساكنيها، وتخلف بذلك مأساة حقيقية تشهدها المديرية لأول مرة بعد أن دمرت أكثر من 260 منزلاً.
فيما بلغ عدد الوفيات أكثر 33 و20 مفقوداً.. وشوهدت جثث تجرها السيول معها لم يتمكن المواطنون من إخراجها لقوة تدفقها.
عاشت المدينة في ظلام دامس جراء انقطاع الكهرباء، وأصبح الأهالي في عزلة عن العالم، بعد أن دمرت شبكات الاتصال، فيما بقي من نجا منهم يعاني العطش والجوع والبرد على الأشجار والجبال، بينما يرزح عدد منهم تحت أنقاض البيوت التي سقطت عليهم.
ساه التي كانت تحيطها غابة من النخيل والسدر، صارت إلى مدينة مطموسة الهوية ذهبت كل ملامح جمالها الطبيعية الخلابة.
 
الحياة تنسحب من السوم
لمديرية السوم حكاية مختلفة عن سابقاتها؛ إذ ظلت ليومين متواصلين منقطعة أخبارها، لم يعلم أحد ماذا حل بها وبأهلها بعد أن انقطعت كل طرق الاتصال والوصول إليها.
السوم لم تكن هذه المرة الأولى التي تعزلها السيول.. ولكن هذه المرة تبدو غير.. فقد شهدت تدميراً هو الأقوى على الإطلاق ليشمل المباني والمدارس والوحدات الصحية والمباني الحكومية.. كل شيء استوى بالأرض.. 170 منزلاً هي المدمرة كلياً، وأكثر من 27 غير قابلة للسكن، و13 مدرسة و6 وحدات صحية و3 مبانٍ حكومية جميعها انهارت.. لا شيء يدل على ملامح الحياة فيها.. السيول جرفت الأراضي الزراعية، وأكثر من 10،000 رأس من المواشي وزهاء 3000 خلية نحل.. لم تترك شيئاً أمامها إلا وأخذته معها.. وبقي أكثر من 700 أسرة من سكانها متناثرين بين الجبال في العراء والبرد بلا مأوى.. لا ماء ولا غذاء، فحياتهم مهددة بالفناء.
 
5050.. رقم طوارئ الدمار في تريم
أما في مديرية تريم فقدت شردت السيول 5050 شخصاً تم إيواؤهم في مدارس المديرية، فيما ظل البقية يرزح تحت شدة البرودة في الجبال بعد أن تهدمت بيوتهم البالغ عددها أكثر من 335 منزلاً، كما دمرت السيول مسجدين ووحدة صحية.. بعد أن قطع سيل حيد قاسم العرمرم الطريق المؤدي للمدينة والذي اتجه ولأول مرة في تاريخه إلى الجهة الغربية، والذي جعل من الوصول إليها أمراً مستحيلاً بعد أن دمر أعمدة الكهرباء ومواسير المياه.
مديرية القطن لم تكن تفاصيل ما حدث فيها ببعيدة عما جرى في المديريات الأخرى، فقد كانت المعاناة واحدة وسيناريو الحدث لم يتغير، فقد دمرت السيول 594 منزلاً، فيما طمرت المياه ودفنت الأتربة 58 بئراً للماء، وجرفت الأراضي الزراعية و3695 خلية نحل.
كذلك الحال لمديريات حورة ووادي العين ووادي دوعن وعمد وحريضة التي انقطعت عن بعضها البعض، وشهدت دماراً كبيراً للمنازل وجرف الأراضي الزراعية وخلايا النحل، وتدمير البناء التحتية لها. كما شردت عدد كبير من الأهالي لتلك المديريات التي لم تصل إحصائيات دقيقة عن حجم الأضرار فيها.
 
دمار شامل
تسببت تلك السيول العارمة بقطع الاتصالات عن أكثر من 6 مديريات بعد أن قطع كيبل الألياف في القطن والمؤدي لدوعن، مما قطع خدمة الهاتف الأراضي ويمن موبايل في المناطق الشرقية والغربية، وانقطاع كيبل الألياف المشترك بين مأرب والمكلا وسيئون، مما قطع الاتصالات على أكثر من ثلثين من مدن الوادي، والتي تم إصلاح ما يقارب 80 بالمائة منها بحسب المهندس علي بارجاء الذي أوضح أنه تم إصلاح بعض كبائن الاتصالات في المديريات بصورة أولية لتخفيف الأزمة وعودة الاتصالات إليها. مشيراً إلى أن العمل جارٍ لإصلاح كافة الكبائن والكيبلات لإعادة الخدمة لجميع المديريات.
وعن حجم الأضرار في الطرقات أوضح لـ”النداء” مدير عام الأشغال العامة والطرق بوادي حضرموت عبدالقادر السقاف، أنه حتى الآن لم يتم تقييم حجم الأضرار، مشيراً الى أن العمل جارٍ لإعادة فتح الطرق بين مناطق الوادي والمحافظات بصورة أولية، حيث تم فتح طريق قهوة بن عيفان وطريق المكلا -سيئون وبحيرة وجعيمة وسيئون -تريم وسيئون –ساه، وغيرها من الطرق الرئيسية التي تمثل شريان الحياة، ليتمكن المواطنون من التنقل بينها، ولتسهيل مهمة القاطرات في نقل مواد الإغاثة للمديريات المتضررة.
وأوضح أن المرحلة الثانية ستتضمن إزالة العوائق الترابية من الشوارع الرئيسية للمدن الرئيسية، فيما تشمل المرحلة الثالثة رفع تقرير عن حجم الأضرار التي لحقت بالطرقات والجسور والعبارات.
وأشاد السقاف بالدور الكبير الذي لعبه المقاولون في إعادة فتح هذه الطرقات، والمؤسسة العامة للطرق والأشغال المحلية الذين أسهموا إسهاماً فاعلاً في ترميم وتصليح الطرق.
الخسائر المادية كانت كبيرة جدا، بعد أن دُمرت البنية التحتية تدميراً كاملاً في جميع مناطق وادي حضرموت؛ حيث دمرت الكثير من الطرق والجسور والعبارات التي تربط الوادي بالمحافظات الأخرى والمديريات، وجرفت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية بآبارها ومحاصيلها ومعداتها ومبانيها مع آلاف المواشي والدواجن ومناحل العسل.
مطالب الأهالي
أم محمد من مديرية السوم، قالت إنها أول مرة ترى الطائرة تحط في المديرية منذ أن حدثت الكارثة، وأشارت في حديثها لمندوب “النداء”، أمس الثلاثاء، الى أن هذه المرة الأولى التي تصلهم فيها مساعدات. وطالبت بالمزيد من المساعدات والدعم لجميع المتضررين الذين هم بحاجة ماسة لأية مساعدة مهما كان حجمها.
أم محمد شكرت في ختام حديثها الرئيس علي عبدالله صالح على اهتمامه، وطالبت الدولة بسرعة إعادة الإعمار.
الوالد سالم محمد بن ركيز من منطقة قسم، والذي تبدو على قسمات وجهه ملامح الشيخوخة، أبدى دهشته واستغرابه من قوة السيل، وقال لـ”النداء”: “ما بدا شفنا سيل كما ذا يا ولدي دخل إلى بين الديار”.
وعن سؤالنا عن الضحايا البشرية قال: “الحمد لله الناس كلهم بخير ما حد به شيء. لكن نعم الديار تكسرت انته تشوفها قدامك أكثر من 35 بيت مكسر. وأما المواشي نعم السيل شل المواشي معه لأنه جاء فجأة كلين شل نفسه وبس”.
الوالد سالم بن ركيز أوضح لنا أنها هذه المرة الأولى التي يتلقون فيها مواد إغاثة.
 
***

بدون ضجيج اعلامي
 قامت جمعية الرأفة الاجتماعية الخيرية بـ«تريم» التابعة لدار المصطفى منذ اليوم الاول للكارثة بتقديم وجبات طعام جاهزة لقرابة 3 آلاف من المشردين خارج ديارهم في محيط مدينة تريم دون أن يرافقها ضجيج اعلامي واستثمار دعائي.

أسواق تستحوذ على مواد الاغاثة
في حين علت أصوات المنكوبين يشكون عدم وصول المساعدات ومواد الاغاثة تُنوقلت معلومات عن ظهور بعض المساعدات ومواد الاغاثة في عدد من أسواق المكلا معروضة للبيع.

اذاعة متهمة بنشر الاستغاثات
اتهم مسؤول في المجلس المحلي بوادي حضرموت امام نائب رئيس الوزراء صادق أمين أبو رأس والمحافظ الخنبشي، الاحد الماضي، اذاعة سيئون المحلية ببث رسائل سلبية عن اداء فرق الاغاثة، من خلال اذاعة استغاثات المنكوبين في المناطق المعزولة الواصلة عبر هاتف الاذاعة.

فوضى إغاثية
يشهد مطار الريان حركة نشطة عقب الكارثة لطائرات تحمل مواد اغاثة ومساعدات للمواطنين المنكوبين، لكن غياب ادارة منظمة للحركة خلط الحابل بالنابل!

مبادرة مسؤولة
سجل مركز غسيل الكلى بمستشفى القطن موقفاً نبيلاً حين بادر بالاتصال بفرق الغوث واخطارها بعناوين وارقام هواتف المصابين بفشل كلوي بسيئون وشبام وحورة، ونقلهم بالمروحيات إلى القطن، لإجراء عمليات الغسيل الدورية كل ثلاثة أيام.. وهم بالعشرات.

***
 
 لم يصلهم الطعام منذ 4 أيام والمعونات اقتصرت على البطانيات
زوجة العم سعيد تنجب طفلتها في مدرسة الصديق

فجر الجمعة الماضية أفاق العم سعيد صالح الهجري، 62 عاماً، على ثورة العاصفة الغاضبة.
 لحظتها وبقية أفراد أسرته في تفقد باب المنزل والنوافذ، لكن مياه العاصفة داهمت المنزل واقتلعت الباب قبل أن يقترب منه.
تدفقت المياه إلى المنزل وبدأ منسوبها يعلو لكن الحضرمي ابن حي الشهيد خالد في مديرية المكلا لم يقف متفرجاً وحاول وزوجته الحامل في الشهر التاسع وبقية أفراد الاسرة وأغلبهم من النساء إنتشال بعض أثاث المنزل تلك التي ستتلف بفعل الماء لكن القدر لم يكن في صفه. لقد انهار جدران المنزل قبل محاولة انقاذ الاثاث، بدأت اجزاء من السطح تتساقط كانت اللحظة مرعبة، «شاهدت الموت أمامي». حافظ العم سعيد على قدراته الذهنية وخلال ربع ساعة تقريباً تمكن وأفراد أسرته من العثور على طريق للنجاة من الموت.
بعد ساعات من مغادرة منزله قامت السلطة المحلية بالمكلا بنقل أسرة العم سعيد وعشرات الأسر المنكوبة إلى مدرسة الصديق حيث ما يزال هناك.
في مدرسة الصديق التي تقطنها 58 أسرة حتى الآن، أنجبت زوجة سعيد طفلتها في أحد فصول المدرسة الاحد الماضي، وفي اليوم الثاني تم نقلها إلى منزل أحد أقارب زوجها، خوفاً من اصابتها بأي وباء قد يتفشى بين النازحين في المدرسة.
بحسب علي سلمان الحامدي وهو رب أسرة نزحت إلى مدرسة الصديق، خصصت فصول المدرسة للنساء والاطفال الصغار ما دون ال15 عاماً فيما يفترش الرجال والشبان باحة المدرسة الطينية.
الحامدي الذي يعمل مدرساً في المعهد المهني بالمكلا، شكا من عدم وصول المواد الغذائية للأسر النازحة في المدرسة منذ 4 أيام ، وقال إن المعونات التي حصلوا عليها اقتصرت على البطانيات والفراشات.
 

***
 
مؤسسة الصالح تصادر شحنة مساعدات في مطار الريان
 
قالت مصادر محلية في حضرموت إن مؤسسة الصالح صادرت شحنة مساعدات وصلت الاثنين الماضي إلى مطار الريان بحضرموت كانت مخصصة لضحايا السيول.
وأضافت أن شحنة المساعدات المقدمة من جمعية خيرية في إمارة دبي أرسلت باسم جمعية حضرموت الخيرية وتخويلها بعملية التوزيع.
المصادر أشارت إلى أن مؤسسة الصالح بررت تصرفها كونها المخولة باستلام الشحنة وتوزيعها على المتضررين في المحافظة.
وحصلت الصحيفة على صورة من رسالة مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للاعمال الخيرية والانسانية (مقرها في دبي) موجهة لجمعية حضرموت الخيرية تضمنت تكليف الاخيرة بتوزيع المساعدات للضحايا تحت إشرافها في المناطق المنكوبة معددة منها مديرية تريم، وساه، حورة ووادي العين، القطن و المكلا، بروم وميفع، وغيل باوزير.
وطبقاً للرسالة فإن شحنة المساعدات تتكون من 8 مولدات كهرباء و10 مضخات مياه و20 مضخة ضبابية و6340 طربالاً و900 بطانية و150 لتر مبيد حشري.
وفي تصريح لـ«النداء» وصف ممثل مدينة المكلا البرلماني صالح باصرة تصرف مؤسسة الصالح بأنه غير شرعي وله أضرار بالغة لدى الجهات الخيرية في دول الخليج وكل من تعاطف مع الضحايا.
 

***
 
* باقزقوز: السلطة مارست تضليلاَ بعدم تحذيرها المواطنين والمحافظ لا وجود له سوى في شاشات التلفزة
* باصرة: يتسابق المسؤولون على ركوب الطائرات وتركوا المنكوبين في العراء
* الكثيري: الكارثة كشفت أن مشاريع الوحدة 2005 كانت كرتونية

فؤاد راشد
لم تفلح السلطات بتجميل صورتها في الشارع أيام الكارثة رغم حضورها اللافت، إذ اتهمتها أوساط سياسية في المحافظة بالتقاعس إزاء كارثة الفيضانات التي شهدتها مدن المحافظة وعدم الاستعداد وأخذ الاحتياطات اللازمة المسبقة لمواجهة الأخطار المحتملة في ظل معلومات هيئات الأرصاد العالمية التي نبهت السلطات في اليمن لخطورة الكارثة القادمة.
البرلماني محسن علي باصرة رئيس المكتب التنفيذي لحزب التجمع اليمني للإصلاح بمحافظة حضرموت، قال لـ”النداء” إن وسائل الإعلام المحلية كإذاعة المكلا لم يصدر عنها عن الكارثة القادمة ودعوة المواطنين لتوخي الحيطة والحذر. لافتا الى أنه أفاق في الليل وهو محاصر بالسيل.
باصرة الذي حمل بشدة على السلطات إزاء الاستهتار بأرواح المواطنين، نوه الى الطرق المسؤولة التي تتعامل بها في مثل هذا الظرف، مستشهدا بسلطنة عمان في مواجهتها أزمة الفيضانات التي شهدتها وكيف تعاملت معها حفاظا على أبنائها قبل كل شيء، مؤكدا أن الدولة لم تقم بواجباتها، ساخرا كيف يمكن أن تقوم بواجباتها اذا كان لديها سيارة طوارئ واحدة في عاصمة يصدر منها النفط.
وأضاف باصرة أن المسؤولين يتسابقون على طلوع طائرات الهيلوكبتر وتركوا الناس في العراء دون مأوى يكنهم ولا مساعدات تصلهم.
وقال: “الدولة متخبطة وليس لها استراتيجية لخدمة الناس”.
إلى ذلك، اعتبر علي عبدالله الكثيري أمين سر حزب رابطة أبناء اليمن (رأي) بمحافظة حضرموت، أن الكارثة التي حلت بالمحافظة هي من صنع الإنسان وبالذات في عمليات فساده التي اجتاحت الارض وخربت كل شيء، مشيراً في تصريحه لـ”النداء” الى أن مشاريع عيد الوحدة 2005م هي مشاريع كرتونية جرفها الماء بسهولة، وأدى الى خراب البلد، موضحا أن الجسر الذي يقع تحت مؤسسة الكهرباء باتجاه ملعب بارادم، سد مياه السيول وحولها الى فاجعة وكذا بالبنايات العشوائية بديس المكلا، مضيفا انه من المفترض الوقوف أمام حجم الفساد المهول فيها، ولا يجب أن تمر هذه الامور مرور الكرام.
وقال الكثيري: الدولة لم تقم بأي شيء، ولم تقدم شيئاً. ولا زالت المعلومات عن الخسائر الحقيقية في مدن حضرموت غير معروفة، ولا زلنا نجمع هذه المعلومات من المناطق. محييا وقفة أبناء حضرموت وقفة رجل واحد في مساعدة بعضهم.
واتهم ناصر محفوظ باقزقوز رئيس حزب التجمع اليمني الوحدوي بالمحافظة، الدولة بأنها مارست عملية تضليل منذ بدء الكارثة، كما وعدم الإعلان عنها وتنبيه الناس لها. داعيا الى الوقوف الشعبي بجدية حول هذه المسألة باعتبار ذلك جريمة في حقهم.
وأوضح باقزقوز أن الأيام العصيبة التي مر بالناس اختفى فيها وجود الدفاع المدني والشرطة والنجدة والمطافي، وغياب هذه الاجهزة مستمر الى اليوم. وقال إن أحياء الغليلة و30 نوفمبر وفوه وحي العمال وأحياء أخرى مقطوعة عنها الكهرباء الى اليوم، محملا السلطة المحلية مسؤولية غياب الخدمات.
وإذ أشار الى أن محافظ حضرموت سالم أحمد الخنبشي لا يخرج الى الناس ولا يلتقي بهم ولا يتفقد أحوالهم، ويكتفي بإصدار تصريحات صحفية عبر شاشات التلفزة، قال إن السلطة المحلية تجتمع في غرف مغلقة فيما الأزمة تستطيل يوميا.
 
***
 
مسؤولون يردون عليهم: أنتم لا تدفعون الزكاة
نحالة من تعز.. منكوبون في حضرموت
 
 “النداء”
لم يكن يدور بخلد عشرات المواطنين من أبناء محافظة تعز الذين يشتغلون برعاية النحل، أن الموسم الذي ينتظرونه طيلة العام سيتحول هذه السنة الى نكبة تفقدهم كل ممتلكاتهم من خلايا النحل قليلة كانت او كثيرة، غير أن هذا هو ما حصل بالفعل هذا العام، أكثر من ذلك عاد البعض الى ذويهم جثثا هامدة قبل انتهاء الموسم.
تشير المعلومات التي حصلت عليها “النداء” الى أن محمد قائد الأسودي، من منطقة أشجور بمديرية ماوية التابعة لمحافظة تعز، توفي غرقاً جراء الفيضانات التي شهدتها محافظة حضرموت، وتوفي معه نجله طارق وعامل آخر كان يعمل معه، يدعى عبده دحان جازم سيف، كما جرفت معهم 400 خلية نحل وسيارة شاص موديل 92 هي كل ما جناه من سنوات متتابعة من العمل في هذه المهنة. عثر على جثث الأشخاص الثلاثة على بعد يتراوح بين كيلومتر وكيلومترين من المكان الذي كانوا يقيمون فيه بوادي راصد -منطقة حورة بمحافظة حضرموت، جرفت بمعيهم قرابة الآلاف من خلايا النحل لأشخاص من منطقتهم ومن مناطق متفرقة من محافظات تعز وشبوة وإب ولحج.
وفي تصريح لـ”النداء” أكد أحد أقارب الضحايا أن الجثث تم انتشالها من قبل الناجين من أبناء المنطقة بعد يومين من السيول، وأن أياً من الجهات الرسمية المحلية او المركزية لم تصل إليهم او تمد يد العون لهم رغم قيامهم بتقديم بلاغات.
في عزلة اصرار بمديرية ماوية أكد عدد من مالكي النحل الذين لجأوا الى السلطات المعنية بمحافظة حضرموت لتقديم بلاغ بخسائرهم، أنهم رفضوا التعامل معهم، مفيدين أن الأولوية ليست لهم، وطلب منهم مراجعة السلطات المحلية بمحافظتهم للحصول على تعويضات، وفي المجلس المحلي للمديرية أو في محافظة تعز لا يجدون أي تجاوب يذكر معهم، وإن حصل نوع من التجاوب، فإن المسؤولين يبدون استعدادهم فقط لمخاطبة الجهات الرسمية بمذكرات على أن يتولى المتضررون متابعة التعويضات، ونصحوا بالعودة الى حضرموت. أكثر من ذلك بسبب كثرة المراجعين للسلطات المحلية، كان مسؤولون يردون عليهم أنتم لا تدفعون الزكاة.
يفيد يوسف صادق، وهو شاب في العشرينيات من العمر، من عزلة اصرار بمديرية ماوية (لم يتسن الحصول على أعداد خلايا المتضررين)، أن كثيرا من الفقراء هذا العام لجأوا الى شراء خلايا النحل وفقا لقرض يمنح لهم من هيئة الرعاية الاجتماعية مقابل شراء النحل او الغنم للاكتساب منها. يضيف: الغالبية ليسوا تجارا وإنما بعدد بين عشر وعشرين سلة.
كثير من الشباب تركوا طريق المدرسة واتجهوا لشراء النحل، بحثا عن حل سريع لمشكلة الفقر والبطالة، بعيدا عن روتين التعليم غير المضمون، غير أنهم انتهوا بما اكتسبوه منذ سنوات.
الكارثة أكبر من قرية او عدة قرى.. فالمتضررون بالمئات من مختلف مديريات محافظة تعز ومحافظات الجمهورية الأخرى، بيد أن أبناء الأولى هم الأكثر اشتغالا بهذه المهنة، وأصبحوا يوما على قارعة الطريق بلا مصدر رزق يعول أسرهم المنهكة أصلا، بعد أن جرف مستقبلهم بسيول دوعن.
يناشد النحالة من أبناء ماوية وإلى جوارهم إخوانهم من كافة مديريات تعز ومحافظات الجمهورية، الرئيس علي عبدالله صالح والقائمين على شؤون الإغاثة، النظر الى مأساتهم، والعمل على جبر الضرر الذي لحق بهم، وتعويضهم أسوة ببقية إخوانهم المتضررين والمنكوبين بمحافظة حضرموت والمناطق الأخرى.