هوامش حول الحرب – باسم النبريص*

هوامش حول الحرب – باسم النبريص*

كآبة
منذورٌ لأكتئب.
كل ما صنعه البشر لا يروق
في عينيّ. وحتى ما هو فطري
وطبيعي، لديّ ملاحظاتٌ
جادّةٌ عليه. منذورٌ
لأكتئب.
(….)
أنا باسم النبريص.أصطاد الظلَّ إذ تهبطُ العتمة. أصطاد الحشرجة من كل صوت. أعرف متى سينهار رجلٌ وهو في كامل صموده. متى ستقول كل ما ليس حقيقتها، امرأةٌ ثاكلة. أنا باسم النبريص، الذي رأى، الذي عاش، الذي غضِبَ، الذي أحرق ملايين اللفافات. لم يقدّرني أحد. لم يأبه بي ولا بهم واحد. أنا باسم النبريص، وتلك مهنة آخر العمر: كل مساء، أجلس على كرسي وحيد، في غرفة وحيدة، في كون وحيد: كل يوم، أصطاد الظلّ من ثنيات العتمة. وأرقب حشرجة كل صوت. ولا أكفّ عن الغضب.
(…)
صباحات حرب. لا كهرباء. تعوّدت أن أكتب على الشاشة. أحاول مع القلم. أحسّه دودة إسكارس في يدي. أكفّ. صباحات حرب. لا ماء في الخزّان العلوي. لا فواكه في السوق. روتيني تبخّر. عاداتي تشوّشت. حتى القراءة، لها طعم البراز. صباحات حرب. وأنا بالأحرى، مريض هذا العالم. مريض هذه الصباحات.
(…)
لعنة الحرب، أنها تلغي فرديتك تماماً. تماهيك مع الجماعة: مصيرك من مصيرها. خبزك من خبزها. أمنك من أمنها. وما من بطولة لك الآن، سوى حراسة فرديتك، وسقايتها ورعايتها، حتى ولو كلفك ذلك، تهمة الأنانية، تهمة الجنون…
(…)
يقصفون: منذ ليلتين يقصفون. أنت كلا. أنت لا تخشى القذيفة. ما تخشاه أبعد وأنكى: منذ ليلتين، تطارد قصيدة ولا تجدها. إن تلك، بالنسبة لمن هم على غرارك، هي ” خسارة الحرب “. خسارة تضاف إلى كل الخسارات. خسارة تضاف إلى مسيرة طويلة مما يمكن تسميته ب: الغباء البشري. حذار! إنهم، أيضاً وأيضاً، يقتلون أجنة القصائد!
(…)
الجمال حصانة ضد الحرب. حصانةُ الحرب. ما إن يبدأ القصفُ، ما إن يئزّ ويصفر الهواء، ألتجئ، لا إلى حائط داخلي، بل إلى زوجتي: إلى جمالها الأيقوني وعينيها الخضراوين.
(…)
ما إن أغفو بعد لأيّ، حتى تزلزلني غاراتهم الوهمية. ذلك الانفجار الصائت الهائل: انفجار المعدن الجحيمي المسمّى بطائرة f 16. إنه يوقظني مرعوباً من سابع نومة. بعد هذا العمر الطويل، عمري وعمرها، ما الذي تريده دولة إسرائيل من شاعر هامشي؟
(…)
انهضي يا بلادي. انهضي من رمادك. لكن كيف وهي مغيّبة تحت عباءة إسلامهم السياسي. هذا النوع من الدين، هو تحديداً الذي أفسد كل شيء: الدينَ والسياسةَ، العبادَ والبلاد، الماء والهواء. معاً وجميعاً. كلا. ليس الأمر بالسهل. الطبقة الأولى لا تكفينا. كلا نحتاج إلى عدة طبقات من الرماد.

(…)
ننتظر الحرب. أسبوعاً ونحن ننتظر الحرب. يجتاحون؟ لا يجتاحون؟ سؤال كل يوم. كل لحظة. أعصابنا تهرّأت. ذا ما يبتغيه العدو: ننهار نفسياً وعصبياً. ثم بعدها يدخلون. وكما في كل حرب، تغيب الشفقة، ويرجع ابن آدم إلى وحشيته. حدث ذلك في جنين، ونخشى حدوثه الآن في غزة. فماذا عنك؟ ماذا عنك يا صديقي؟ لديك أولاد ومسؤوليات. لديك، كما الجميع، مخاوف وهواجس. لكنك تزيد عليهم، برعب من نوع خاص: رعب ثقافي. ماذا عن المكتبة؟ ماذا لو حرقوها ودمروها؟ كل شقا عمرك، وضعته فيها. حرمت نفسك وحرمت العائلة، من أجل تغطية فجوات عديدة في الروح. هل يفهم جنود [تساهل] ذلك؟ هل، لو دخلوا بيتك، ستتحفك الصدفة بجندي احتياط مثقف ومتذوق للأدب والموسيقى، فيرحم مكتبتك، ويدعها لشأنها؟ ذلك ما تأمل. ذلك ما تحلم، ولو بدا هذا الحلم الخلاصي، زائداً وثقيلاً على مزاج هذه اللحظة.
(…)
إنها الحرب! نحن نمزح، وهم بسوداويتهم الأوروبية، بميراث أوشفتس على كواهلهم، يدخلون! الحرب: كل هذه الدبابات والمجنزرات وآلاف جنود البر والجو، ليس من أجل نزهة. الحرب.. فمن ينقذنا من الطرفين؟ من أفعال مقاومينا وأوهامهم، من طفولتهم العقلية ومخيالهم الشرقي، من عدم رحمتهم بنا؟ ومن ينقذنا من جنون، دموية وجهامة وسوداوية إسرائيل؟
(…)
خمسة عشر شهيداً في شمال وجنوب القطاع. أنتَ مأخوذٌ بالكتابة، منذ جاءت الكهرباء، التي لا تجيء سوى ست ساعات في اليوم، وهم حولك، في السودانية وشرق خان يونس، يموتون ويجرحون. خمسة عشر شهيداً، ولا تسأل عن المصابين الستين، في هذا اليوم الأسود العادي، من أيام الله السوداء العادية، في هذا الوطن الأسود العادي، مثل أفكارك العادية السوداء. وطن ينزف، ومسيرة آلام لا تنتهي، وعلى السائرين في درب الجلجلة، أن يتزوّدوا باحتمال ألف عامٍ من الحداد، كي لا يهنوا ولا ترتبك خطواتهم الصاعدة. فالجلجلة لا تنتهي، ولا إسرائيل تشبع، ولا أيضاً مسوّقو بضاعة الموت عندنا.
(…)
عن ألمِ أن يشيّع الآباءُ أولادهم. عن ألم أن يشيع الطلابُ زملاءهم. عن ألم أن تقفر المساءاتُ من الواجب المدرسيّ، الصباحاتُ من زهو التفوّق في الصفّ. عن ألم أن ينكسر برعمُ الحب البريء بين زهرتين. عن ألم أن تصفعكَ المقبرةُ بهدوئها الساكن، كلما زرتَ قبراً. كل هذه الآلام كومٌ، وذلك الألمُ كومٌ آخر: ألمُ أن يموت الفتى وهو، بحجره الأعزل، حقيقةً، يمزح. حقيقةً، فقط، يودّ أن يجرّب ما يراه في التلفزيون، ما يفعله أترابٌ له. هو يمزح، يلعب، وهم، القاطنون أبراج الدبابات، بأرواحهم الأوروبية السوداء، لا يلعبون!
(…)
يا بلادي. يا فمَ الوحش الذي لا يرتوي. يا آكلة الجثث مثل ضبع الغابة. يا نكروفيل كل فتى ميت. كل فتاة ميتة. أُغربي يا بلادي، انزاحي ولو هنيهةً عن صدورنا، نحن أولادك الطيبين.
(…)
نريد شباباً يكتبون قصائد في أجساد حبيباتهم. نريد شباباً يواصلون الحياة، يعبرون كل محطاتها، يشيخون ويهرمون، شأن كل البشر. ولا نريدكَ تقصفين أعمارهم على حين يفاعةٍ أو مراهقة. لا نريدك مدمنةً لموتهم المفاجئ مثل صاروخ أباتشي. نريد حِنّةً للصبايا يوم عرسهنّ. ولا نريد دم عرسانهم، وشاحاً أحمر، على وجوههنّ، إلى الأبد. يا بلادي… يا بلادي.

* شاعر وكاتب فلسطيني مقيم في غزة