وعد الانتخابات ووعيد الكوارث – عبدالباري طاهر

وعد الانتخابات ووعيد الكوارث – عبدالباري طاهر

خاتمة القرن العشرين كارثية بكل المقاييس لبعض من البلدان المتخلفة علائم الانكسار والتشدد برزت في مناطق مختلفة من العالم. الحركات الداعية للعنف وسفك الدم ظهرت في مناطق ابتداء بالباكستان والافغان وقوفاً في البلاد العربية، وافريقيا وبلدان امريكا اللاتينية.
 ولم تكن الصورة كلها قاتمة: حققت الهند استقلالها -رغم مآسيها المتناسلة- ووضعت أقدام أبناءها على سطح القمر شأن الصين واليابان، وانجزت الامة الايرانية ثورتها رغم الطابع الديني «الطائفي»، وقدم الاتراك أنموذجاً فريداً ورائعاً للاسلام يختلف عن الأنموذج الاسلامي الطوائفي في مختلف البلدان الاسلامية وبالأخص في الباكستان والعربية السعودية والعراق.
وكسرت أمريكا اللاتينية الهيمنة الامريكية الشمالية وطوحت بالجنرالات وأنظمة التبعية والفساد والاستبداد.
في ال5 من حزيران عام 67 فشلت جيوش ثلاث دول عربية في حماية التراب الوطني لبلدانها، وأدت هزيمتها الفاجعة إلى ضياع ما تبقى من فلسطين: الضفة والقطاع، ودخل الوطن العربي رقصة زار بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية والادبية.
طرحت الهزيمة سؤال شرعية الأنظمة القومية الثورية التي قفزت في الظلام للاستيلاء على الحكم. وبدأت الأنظمة القومية تضمد جراحها، ولكنها عجزت عن الاجابة على الاسئلة الأكثر جوهرية وإلحاحاً: التحرير، التنمية، المواطنة، والبناء الديمقراطي، ولم يعد أمامها من سبيل غير تعكز شرعية الغلبة والقوة. فانصرفت إلى بناء القوة العسكرية والامنية لمواجهة الداخل والداخل فقط.
الأنموذج الأكثر تفجيعاً حركة التحرير الوطني الفلسطينية. فحركة فتح كبرى الحركات الوطنية الفلسطينية والجسم الفلسطيني قامرت على الحلول السلمية وتخلت عن لغة المقاومة لتعود من مدريد وأوسلو وفي زمن قياسي وبقدرة قادر تتحول إلى سلط قمعية ويغرق جهازها الامني شديد الوطأة على الداخل الفلسطيني بالاستبداد والفساد وتبدأ رحلة حماس التي ترى أن المواجهة مع الآخر الفلسطيني له الألوية، والمواجهة مع المحتل يمكن أن تؤجل أو تحل تكتيكياً وعلى مراحل. وبين التنازع الفلسطيني الدامي والانحرافات القاتلة في السلطة ومكائد المفاوضات وأوهام خارطة الطريق تضيع منجزات الانتفاضة الاولى والثانية وتنتشر كخلايا السرطان المستوطنات الاسرائيلية في فلسطين: الضفة والقطاع، وحالياً تلوح اسرائيل بأوراق لحل يضيع الأرض والقضية، ويرص العرب وراء امريكا واسرائيل في حروب طائفية دينية: سنية شيعية داخلية ومع إيران قد تمتد لعقود.
وبعد رحلة عقود من التنوير والتحديث والتمدن والتحرير ماذا أنجزت الامة العربية؟! وماذا أنجزت أقطارها الممتدة من الماء إلى الماء؟ فأحلام السيادة والاستقلال والتحرر والوحدة والعدالة قد توارت أو تكاد تحت حراب الميل للتبعية والاستناد إلى الغلبة وقهرالداخل الضعيف نسبياً، والعودة إلى الماضي غير المجيد في تعضيد تركيبة ما قبل عصر الدولة، ونشر وباء القبائلية والطوائف والصراعات الداخلية، والانفاق على بناء الاجهزة العمقية كبديل عن التنمية والبناء والدمقرطة والتحديث.
في العقود الاخيرة من خاتمة القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين سفكنا دماً غزيراً ومداداً كبيراً من أجل الحرية والديمقراطية، وفي المقدمة حرية الرأي والتعبير والاعتقاد، وكانت التضحيات جسيمة والحصاد قليل، وما تزال المعركة متفجرة في المنطقة العربية كلها.
فليس هناك قطر عربي إلا وهو مشتبك في صراع داخلي، وفي مواجهة مع دعاة الدمقرطة والحرية والعدل، وحتى في المراكز الاكثر تحضراً وتمدناً: مصر، المغرب، سوريا. ففي مصر تجري محاكمات لأربعة من رؤساء تحرير أهم الصحف الاهلية والمستقلة، وفي المغرب تصادر بعض الصحف وتجري محاكمات، ويضيق على الحريات الصحفية وعلى القنوات الفضائية. وعلى سبيل المثال محاكمة مراسل قناة الجزيرة الاستاذ الراشدي وداعية الحقوق (…) وتبرز ظواهر جديدة في حياتنا العامة فالأحزاب السياسية التي قادت حركات التحرر الوطني قد تراجع دورها كثيراً، وبرزت التيارات الاسلامية بمختلف مناهجها واتجاهاتها كقوة شعبوية تقارع الانظمة المستبدة والفاسدة، وتتقاسم معها التمثيل والتصارع على الكعكة، وتتخلف في مصر «كفاية» وفي سوريا حركة مجتمع مدني محاصر ومعتقل، كما هو الحال في العديد من البلاد العربية: السودان، والجزائر، والمغرب، وتونس، ومصر، وموريتانيا، واليمن، وبقية دول الجزيرة والخليج كلها تشهد ولادة وتخلق نواة مجتمع مدني تلعب فيه النقابات والاتحادات والشخصيات العامة والصحافة وطلاب وأساتذة الجامعات دوراً لافتاً في التصدي لشرعية الغلبة، والدعوة إلى مواطنة، وعدالة وديمقراطية. وهي تحركات على تواضعها تتجاوز أداء الأحزاب السياسية كلها.
وفي اليمن المعرضة لكوارث طبيعية ومجتمعية يجري التجاذب بين الحكم الذي يدعو للمبارزة والنزال للانتخابات العامة بعد أن احتكر الجيش والامن والمال العام والاعلام والوظيفة العامة، وبين أحزاب معارضة حصرت خطابها ونضالها وحتى مساوماتها على حصتها من تركة الحكم المعلول والمتهالك.
يجري التخاصم والصراع من حول الاقتسام بأكثر مما يجري من حول المواطنة المستلبة في الجنوب، والمنتقصة الشمال، من حول بناء الدولة بأكثر مما يجري من حول بناء الدولة العصرية الحديثة دولة النظام والقانون. وهذا لا يعني أن المعارضة السياسية (اللقاء المشترك) لا تطرح قضايا الاصلاح الشامل، أو تنتقد الفساد والاستبداد، ولكن جنوحها للمساومة واستشرافها للحلول الممنوحة أكبر من فعلها في الحياة اليومية أو مراهنتها على إرادة الناس الكارهة للتجويع والقهر وتدمير المجتمع والكيان.
البديل للانتخابات الطوارئ! ألسنا في طوارئ منذ حرب صيف 94. وربما البديل الحرب فكيف سينتخب ابن صعدة ويده على الزناد؟! وكيف ينتخب ابن الجنوب المجرم بالانفصال المدموغ بالخيانة العظمى؟ لا نريد أن يتوافق الحكم والمعارضة على الحصول على نصيب من الكعكة أو رشوة تمنح أو تعطي.
إن الوضع في اليمن مأساوي حد التراجيديا. والفاجع أن استشعارنا للمخاطر ليس بمستوى هذه المخاطر. إن انتخابات في الجنوب يريدها الحاكم أن تصادق على وحدوية وشرعية حربه قد تعمق الانفصال الذي تصنعه سياسات الحكم، وفجاجة النهب، والتمييز والاضطهاد والاستعلاء بأكثر مما تصنعه الاحتجاجات المدنية.
أما الانتخابات في صعدة فلن تكون إلا صورة من جولات الحرب الخامسة: أما في إب، وتعز، والحديدة، -وبالاخص في المحمية الحديدة- فإن الانتخابات لا تعدو أن تكون لوناً من ألوان السخرية، أو تكون عملاً من أعمال الأرقاء أو الرعية في أحسن الاحوال.
أن المجتمع اليمني آخذ في التفكك وكل منطقة تبحث عن خلاصها بعيداً عن الاخرى، وليس هناك ناظم مشترك. فلصعدة حربها، وللجنوب احتجاجاته، ولحضرموت والمهرة مأساتها الخاصة.
 واذا كانت المعارضة ضعيفة أو غير قادرة على قيادة الاحتجاجات في الوطن كله فأن «الدولة» بين مزدوجين آخذة بالتفكك، وما يجري في صعدة والجنوب على خطورته لا يقارن بفقدان اليمن لشواطئه ومياهها الاقليمية. فاليمن دولة بحرية تحكم بسلطة مهتمة بحماية الجبال المحيطة بالمدن أكثر من اهتمامها بالبحر الذي هو أساس هذا الكيان عبر التاريخ. فهل تدرك المعارضة والحكم أن تضميد جراح الحرب في الجنوب وصعدة له الأولوية الكبرى؟! وأن المال الذي سيسفك في شراء الذمم والأصوات وتزييف الانتخابات الصورية أولى أن يذهب لإنقاذ أبناء حضرموت المحاصرين بالكارثة. وأن توجيه الجيش والأمن والسلاح لحماية الجزر اليمنية والشواطئ أهم ألف مرة من ملاحقة الداخل.
 عندما ضربت العاصفة عمان دعا السلطان قابوس أبناء وطنه للتكاتف ورفض أي عون خارجي. وخلال بضعة أشهر تمكنت عمان من التغلب على الكارثة. أما في اليمن فإن الكارثة.
 في واد والدولة ومعارضتها في واد آخر فالكل مشغول باللعبة الديمقراطية التي يعرف الجميع أنها محسومة سلفاً بذهب المعز سيفه.
إن المجتمع اليمني ومؤسساته المدنية بما فيها الاحزاب والشخصيات العامة والتجار وكل الفئات مدعوة للتضامن مع حضرموت والمهرة فلم يبق من الوحدة اليمنية غير تضامن الناس مع أنفسهم.