إخفاء هوية الإرهاب بتعميمها على الجميع

إخفاء هوية الإرهاب بتعميمها على الجميع

الاستخدام المتضارب والمتعدد الأغراض لـ”القاعدة” في اليمن
* نبيل سبيع
[email protected]
صباح 17 سبتمبر الماضي، هاجمت سيارتان مفخختان إحداهما عسكرية السياج الأمني في محيط
السفارة الأميركية بالعاصمة اليمنية صنعاء. كانت السيارتان تحملان 6 مسلحين يرتدون زياً عسكرياً يمنياً وأحدهم حزاماً ناسفاً. وكان الهدف- بحسب رواية السلطات الأمنية اليمنية- اقتحام السياج الأمني والبوابة الخارجية الرئيسة لمبنى السفارة وقتل الطاقم الدبلوماسي الأميركي. لكن قوات الحراسة اليمنية أحبطت الهجوم بعد اشتباكات عنيفة، استخدم فيها المهاجمون رشاشات أوتوماتيكية وقنابل يدوية، قبل أن تتفجر السيارتان خارج البوابة. وأسفر الحادث عن 19 قتيلاً- جميعهم من اليمنيين باستثناء شابة أميركية من أصل يمني وهندية- وعدداً من الجرحى. وقد أعطى الهجوم الإرهابي، من جهة مجيئه في هوية عسكرية يمنية، إشارة على التضارب الشديد الذي يحكم سير نشاط الإرهاب ومكافحته في البلد الأصلي لأسامة بن لادن.
هذا التضارب حمله أيضاً الموقف الأميركي عقب الهجوم. فقد نقلت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس تعازي الرئيس جورج بوش لليمن وأسر الضحايا، وأكدت مواصلة الإدارة الأميركية دعم اليمن في مكافحة الإرهاب. وتلقت صنعاء إشادات متعددة من واشنطن. ولكن، خلف هذا الوجه الأميركي الداعم لليمن، وقف وجه آخر مشكك بأداء الشريك اليمني في الحرب ضد “القاعدة”. وظهرت ملامح هذا الوجه في تصريحات مسئولين أميركيين في مكافحة الإرهاب لوسائل إعلام أميركية ودولية مختلفة. وقد بعثت إدارة بوش، على الفور، فريقاً من الـ”إف بي آي” للتحقق من مدى تورط عناصر أمنية من قوات مكافحة الإرهاب اليمنية في الحادث. وكما بدا موقف الولايات المتحدة متعدداً ومتضارباً بين وجهه المعلن وما جاء محققو الـ”إف بي آي” لمطاردته في مسرح الجريمة، تضاربت نتائج تحقيقات الفريق الأميركي مع نتائج تحقيقات الشريك اليمني.
بعد حوالى 3 أسابيع من الهجوم، أعلن الرئيس اليمني عن اكتشاف خلية إرهابية على اتصال بالمخابرات الإسرائيلية تخطط لتنفيذ عمليات في البلاد، أعقبه إعلان أجهزة الأمن اليمنية عن اكتشاف 3 خلايا إرهابية تتكون من 60 مشتبهاً فيه بالانتماء لـ”القاعدة”، بينهم متهمون بالهجوم الأخير. وعلى النقيض من الوصول اليمني السهل والسريع الى المتهمين، سارت تحقيقات فريق الـ”إف بي آي” بصعوبة شديدة، وفقاً لوسائل الإعلام اليمنية التي تناقلت، طوال الأسابيع الماضية، الخبر نفسه عن عدم توصل المحققين الأميركيين الى تحديد هوية منفذي العملية.
وفي تضاربه، لم يبتعد موقف واشنطن عقب الهجوم الأخير على سفارتها عن موقفها الإجمالي تجاه سير الحرب ضد الإرهاب في اليمن. فخلال السنوات القليلة الماضية، شهدت العلاقة بين واشنطن وصنعاء حالات مد وجزر عديدة تخللتها تضاربات متفاوتة في موقف الأولى بين الإشادة بأداء الأخيرة حيناً واتهامها بالتقصير أو عدم الجدية حيناً آخر.
لكن، وأبعد من تضارب الموقف الأميركي، ذهبت مواقف الأطراف اليمنية الرئيسة والمؤثرة في تعددها وتضاربها، وهو ما أظهرته بوضوح الصحف المحلية التابعة والموالية للأطراف الثلاثة الرئيسة في البلد، عقب الهجوم. فقد انقسمت هذه الصحف، في تعاطيها مع العملية الإرهابية وموقفها منها، الى عدة اتجاهات، عاكسة بذلك الانقسام الحاصل في مواقف هذه الأطراف ( خليط من قوى سياسية، عسكرية، دينية وقبلية) التي ألقت، جميعا، مسئولية الحادث الأخير والإرهاب الشغال في البلد عموما على أطراف إقليمية ودولية متعددة ومتضاربة هي الأخرى: إسرائيل، أميركا، إيران وليبيا. وفي الواقع، فإن الأطراف اليمنية، بتوجيهها أصابع الإتهام الى هذه الدول الأربع المتنافرة، كانت تستهدف أساساً اتهام بعضها البعض. فكل اتهام يمني لطرف إقليمي أو دولي حمل اتهاما لطرف محلي، في سياق توظيف متضارب ومتعدد لورقة الإرهاب في الصراعات البينية الدائرة في البلد.
لقد وظفت العملية الإرهابية الأخيرة في صراعين داخليين رئيسين: المعركة السياسية الدائرة منذ شهور حول الانتخابات البرلمانية في أبريل القادم بين حزب المؤتمر “الحاكم” الذي يتزعمه الرئيس علي عبدالله صالح وأحزاب المعارضة المنضوية في إطار تكتل “اللقاء المشتركـ”: يضم حزب الإصلاح الإسلامي والحزب الاشتراكي ثم 4 أحزاب صغيرة أخرى (قومية- إسلامية زيدية). والنزاع المسلح بين القوات الحكومية و”الحوثيين” في الشمال، الذي يأتي في إطار “الصراع السني الشيعي” القائم في المنطقة، وهو مرشح لأن يمتد طويلا في البلد الهامشي والمتروك جنوب المملكة العربية السعودية.
 
إسرائيل متهمة بـ”الجهاد الإسلامي” في اليمن
كانت إسرائيل الهدف المشترك لاتهام وسائل الإعلام التابعة والموالية للأطراف الرئيسة الثلاثة في البلد: الحكومة والإخوان المسلمين ممثلين في حزب “الإصلاح” الإسلامي، الذي يعد أكبر أحزاب المعارضة، إضافة الى الصحف المحسوبة على قيادة عسكرية مؤثرة. فعقب الهجوم، اعتبرت قيادات بارزة في “الإصلاح” أنه أتى في سياق “تشويه صورة الجهاد والمقاومة المشروعة” وأن “أعداء الإسلام” بقيادة أميركا وإسرائيل هم المستفيدون الرئيسيون من العمليات الإرهابية ومسببوها (الرئيسيون أيضاً). فيما اتهمت الصحف، المحسوبة على قائد عسكري نافذ، إسرائيل بالتورط في العمليات الإرهابية داخل اليمن ضمن ما اعتبرته مؤامرة إقليمية دولية تستهدف زعزعة استقرار البلد وإلصاق الإرهاب بالإسلام ووجهه السني تحديدا.
وانضم الإعلام الرسمي مؤخرا الى جبهة متهمي إسرائيل عقب إعلان الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، في السادس من الجاري، عن ضبط خلية إرهابية على صلة بالمخابرات الإسرائيلية. ولقي هذا الإعلان ردا عاجلا من “تل أبيبـ” وصف الاتهام، على لسان المتحدث باسم خارجيتها “إيغال بالمور”، بأنه “مثير للسخرية”. واستغرب من فكرة دعم إسرائيل لـ”الجهاد الإسلامي” في اليمن أو أي بلد آخر. وباستغراب وتهكم لا يقل عما أظهره المسئول الإسرائيلي، قوبل اتهام صالح في أوساط سياسية وإعلامية محلية (في الدردشات البينية وتبادل النكات) وصولا الى أوساط شعبية.
لكن إسرائيل لم تصبح المتهم الخارجي أمام سبابة الرئيس اليمني إلا بعد أن كان تكتل أحزاب “اللقاء المشتركـ” المعارض الذي يقوده “الإصلاح” الإسلامي قد وقف كمتهم محلي منذ البداية. وقد ضغطت سبابة صالح على  نقطة أن إدانة تكتل “المشتركـ” للعملية الإرهابية أتت على استحياء. واستخدم صالح والإعلام الرسمي العملية الأخيرة منذ البداية ضد “الإصلاح” الإسلامي عبر مطالبته بتقديم ترجمة واقعية لرفض الإرهاب. ورد الإصلاح، عبر إعلامه وبعض قياداته، بالتلميح الى احتمال تورط السلطة في الهجوم متبنياً وجهة نظر مهيمنة داخل الأوساط السياسية والصحفية اليمنية ترى بأن السلطة تستخدم ورقة الإرهاب لاستجلاب دعم واشنطن سياسيا ومالياً.
 
 حزب “الإصلاح” الإسلامي”: في تبرير وتبرئة “القاعدة”
في وصف العملية الإرهابية الأخيرة، استخدمت قيادات بارزة في “الإصلاح” مفردات كـ”الحماقات” و”التصرفات الطائشة”، وأطلقت على منفذيها أوصافاً على غرار “شباب مغامر” و”المتحمسون من الشباب المتدين” دون أن تقف على إدانة واضحة لهم. “الصحوة” صحيفة الإصلاح الرسمية استطلعت، في 25 سبتمبر، آراء أربع قيادات (اجتماعية، تربوية وبرلمانية) في الحزب أبدت جميعها موقفاً ملتبساً تجاه العملية. فقد ابتعدت عن استخدام أية توصيفات تحمل إدانة صريحة للهجوم ومنفذيه، وانطوت تصريحاتها على خطاب تبريري للعملية، إذ أرجعتها الى عدة أسباب، أبرزها: “الإرهاب الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الإسلام والمسلمين” وتقاعس الحكومات الإسلامية عن واجب الدفاع عن الأراضي والمقدسات، وهذان أبرز مرتكزات “القاعدة” في عملياتها كما هو معروف.
وحضرت مفردات “الإرهابـ”، “العدوان”، “الظلم”، “الهيمنة” ومرادفاتها، في المادة، 15 مرة صبَّت جميعا في وصف السياسة الأميركية، فيما لم تتم إدانة منفذي العملية باعتبار ما قاموا به عملا إرهابيا. وتم التطرق لهم 9 مرات وصفوا فيها بـ”أبناء الإسلام”، “الشباب المتحمسين” وغيرها، وتمت الإشارة إليهم غالبا بـ”هؤلاء الشبابـ” دون إضافة صفات. كما تم التطرق للعملية الإرهابية في 12 مناسبة وصفت فيها بـ”الحماقات”، “الاحتقانات”، “هذه الأعمالـ” و”هذه الظاهرة” (باستثناء 3 مرات فقط وصفت فيها بأنها عمل جرمي). واعتبرت هذه القيادات أن منفذي العملية انطلقوا من “حماسة وغيرة على الإسلام” ورغبة في “الدفاع عن الأراضي والمقدسات الإسلامية”، لكنها لم تكن “صائبة” لأنها تضر بالإسلام والمسلمين وتشوه من “صورة الجهاد والمقاومة المشروعة”، كما عنونت المادة الاستطلاعية. ولم تذكر “القاعدة” مرة واحدة في مجمل المادة، ما أظهر الحديث وكأنه يدور حول جزء من الـ”أنا” الإصلاحية.
الأزمة الداخلية بين السلطة و”الإصلاح” حضرت بوضوح في المادة الاستطلاعية التي تضمنت تحذيرا من التلاعب الأمني بورقة الإرهاب والتوظيف السياسي لها. ووضعت الصحيفة والقادة الإصلاحيون بين الأسباب الرئيسة المولدة للإرهاب: “تضييق النطاق على تيارات الإسلام الواسعة المعتدلة وإغلاق أبواب الحوار معها” من قبل “القوى الدولية والمحلية التابعة لها”. وقد يكون هذا يشير الى موقف أميركا والإتحاد الأوروبي من الأزمة اليمنية حول الانتخابات البرلمانية القادمة. فقد اصطفت القوتان الدوليتان الراعيتان للعملية الديمقراطية في اليمن الى جانب السلطة، مصرتين على إقامة الانتخابات في موعدها في أبريل القادم بغض النظر عن قانون الانتخابات الذي ترفضه المعارضة. وكان الحوار بين الطرفين حول تعديل القانون امتد نحو عامين قبل أن يقرر الحزب “الحاكم”، منفرداً، اعتماد القانون الحالي. وفي ظل هذه الأزمة المستمرة، أتت العملية الإرهابية الأخيرة فصوب القادة الإصلاحيون أصابعهم الى السلطة كمتهم محلي تابع لمتهم دولي وإقليمي هو أميركا وإسرائيل.
 
إيران متهمة بالتحاف مع إسرائيل ضد اليمن
“الصراع السني الشيعي” في الشمال “الزيدي”
بالنسبة الى صحيفة “الشموع”، المحسوبة مع صحف أخرى على قائد القوات الحكومية في النزاع المسلح مع المقاتلين الحوثيين في محافظة “صعدة” الشمالية، فإن إسرائيل وأميركا وإيران وليبيا هي الأطراف الدولية والإقليمية المسئولة عن الهجوم الأخير وجميع العمليات الإرهابية التي تبنتها أو نسبت لـ”القاعدة” في اليمن. وقد اتهمت الصحيفة، في 20 سبتمبر، هذه الأطراف الأربعة المتنافرة بالاشتراك في مؤامرة واحدة تستهدف زعزعة استقرار اليمن وإلصاق الإرهاب بالإسلام ووجهه السني تحديداً. واستبعدت أن يكون تنظيم “القاعدة” هو المسئول عن هجوم سبتمبر والعمليات الإرهابية في البلد، مشيرة بإصبع الاتهام الى أتباع الحوثي، أحد مرجعيات المذهب الزيدي (طائفة شيعية قريبة الى السنة).
ونشرت إحدى صحف هذا الاتجاه، الاثنين الفائت، مانشيت رئيسي استبعد ضلوع “القاعدة” في العملية الإرهابية الأخيرة، ملتقية في هذا التشكيك مع إعلام الاتجاه السابق التابع والموالي لحزب “الإصلاح”. ويأتي استبعاد هذين الاتجاهين الإعلاميين ضلوع “القاعدة” في العملية الأخيرة مترافقاً مع تحريضهما المشترك على استئناف النزاع المسلح القائم في الشمال منذ 2004 والذي أوقفه الرئيس صالح في يوليو الماضي، إثر اتفاق مع “الحوثي”. وقد حضر الأخير كمتهم محلي في هجوم سبتمبر لدى صحف هذا الاتجاه في موازاة اتهامها لإيران وليبيا الطرفين الإقليميين الرئيسين المتهمين بدعم المقاتلين الحوثيين “الزيود” (من الزيدية) في الشمال.
ومن جهتها، توجهت أصابع قائد الحوثيين عبدالملك الحوثي (29 عاما) الى أميركا والسلطة اليمنية، ومستدلاً بأن العمليات الإرهابية الأخيرة لا تمس أميركيين بل يمنيين، بحسب خطابه في عيد الفطر. وكان النزاع المسلح بين القوات الحكومية والمقاتلين “الحوثيين” اندلع عام 2004 عقب ترديد الأخيرين شعار معاد لأميركا وإسرائيل، لكنه صراع يتجاوز الشعار إذ يعد “الحوثيون” أنفسهم في جبهة دفاع عن الطائفة “الزيدية” أمام ما يعتبرونه عملية تغيير مذهبية تقوم بها الحكومة للمناطق الزيدية الى المذهب السني، استغلالا لـ”الصراع السني الشيعي” في المنطقة.
 
الاستخدام المتعدد الأطراف والأغراض لـ”القاعدة”
صراعات “البلد الأصلي لأسامة بن لادن”
استخدام ورقة الإرهاب في الصراعات اليمنية الداخلية لا يقتصر على الاتهامات، بل إنه يعبر عن نفسه على أكثر من مستوى. وإذا كانت الاتهامات اليمنية للأطراف الإقليمية والدولية قد بدت فارغة ومتخبطة في الغالب، فإن الاتهامات اليمنية- اليمنية لم تكن كذلك. لقد أظهرت العملية الإرهابية الأخيرة في اليمن الى أي مدى تبدو الأطراف الرئيسة والمؤثرة في البلد متورطة في “القاعدة” بشكل أو بآخر.
إن اتهام السلطة لـ”الإصلاح” المبطن في مطالبته “تقديم ترجمة واقعية لرفض الإرهابـ” يرتكز أساساً على الالتباس الذي يطبع موقف الحزب الإسلامي من العمليات الإرهابية في اليمن والعالم منذ انطلاق الحرب الأميركية الدولية ضد الإرهاب. فمع أنه يبدي رفضه للإرهاب، إلا أن هذا الرفض لا يمس المرتكزات والمضامين الأيديولوجية في خطابه الذي لم يشهد تغييرات يعتد بها ولا قطيعة تذكر مع الايديولوجيا الجهادية المتشددة. ولصمود الخطاب الجهادي داخل “الإصلاح” أسباب عديدة، لعل منها أن قيادات الحزب الكبيرة المعروفة بصلاتها القوية مع التيارات السلفية الجهادية والمقاتلين الأفغان تحديداً، وأبرزها عبد المجيد الزنداني، ما تزال هي صاحبة اليد الطولى وسيدة الموقف في صياغة قرار الحزب وخطابه الذي ما يزال على لقاء مع خطاب “القاعدة”، كما كشفت العملية الأخيرة. فبالرغم من أن إعلام “الإصلاح” دانها، إلا أن هذه الإدانة لم تمس غالبا منفذيها وتنظيم القاعدة الذي تبناها، ناهيك عن الثقافة التي انطلقت منها. وقد ذهب هذا الإعلام الى التشكيك في مسئولية “القاعدة” عن الهجوم الإرهابي الذي تحول الى مناسبة لتكريس خطاب “القاعدة” والتحريض على أميركا عبر اتهامها بقيادة الإرهاب والعدوان ضد “الإسلام والمسلمين”.
بالمثل، لا يوجه “الإصلاح” اتهاما فارغا للسلطة حين يتحدث عن توظيفها السياسي لـ”القاعدة”. وليست هذه هي المرة الأولى التي تشهد مثل هذا التوظيف، إذ سبق وأن استخدمت السلطة والرئيس صالح شخصياً ورقة الإرهاب ضد أحزاب المعارضة ومرشحها المنافس له في الانتخابات الرئاسية والمحلية الأخيرة في سبتمبر 2006، وأبدت واشنطن استياءها من هذا الاستخدام علناً.
وينتقل استخدام “القاعدة” والتيارات السلفية الجهادية من المستوى السياسي الى مستوى أعلى في الصراعات المسلحة، والمثال هنا النزاع القائم باسم “الصراع السني الشيعي” في الشمال، وهو صراع دامٍ يأخذ أبعادا متعددة تتداخل فيها الأوراق الطائفية والقبلية والسياسية وغيرها. ويتغذى هذا النزاع، الذي يرتكز كثيرا على استخدام الأضداد، من الفقر والفساد والأحقاد الطائفية والقبلية. فمنذ اندلاع هذا النزاع المسلح عام 2004، تلعب التيارات السلفية الجهادية تحت عناوين تنظيم “القاعدة” وغيرها دوراً كبيراً، على المستوى الأيديولوجي والقتالي، في مسرح حروب الشمال. وقد استوعبت الجبهة الحكومية مئات المقاتلين الجهاديين في صفوفها ضد أتباع “الحوثي”، بحسب صحيفة “الشارع” الأهلية، 9 يونيو 2007. وقد كتب القيادي الاشتراكي علي الصراري، عقب الهجوم الأخير في صحيفة “الناس” الموالية لحزب “الإصلاح” الإسلامي، متحدثا عن تحالفات السلطة اليمنية مع الجهاديين واستخدامها لهم في الإغتيالات التي طالت العشرات من كوادر الإشتراكي عقب الوحدة مع الشمال وصولا الى اغتيال القيادي الاشتراكي جارالله عمر قبل أعوام.
إن من مشاكل وكوارث اليمن أنه ساحة تشهد صراعين إقليميين ودوليين متضاربين: “الحرب ضد الإرهابـ” و”الصراع السني الشيعي”. وهذان الصراعان يسيران بتداخلات وتضاربات شديدة لا تخلو من استخدام أوراق وأطراف أحدهما في الآخر كاستخدام الجهاديين و”القاعدة”. ويأتي الاستخدام السياسي لهما ليضاعف من تداخلاتهما وتضارباتهما ويمد من عمرهما.
الإرهاب ومكافحته في اليمن قضية معقدة للغاية، ومن الصعب التعاطي معها بمعزل عن صراعات وقضايا البلد الأخرى، التي هي صراعات وقضايا معقدة أيضاً. ورغم أن الهجوم الأخير ضد السفارة الأميركية في صنعاء كفيل بتغيير التوجهات الحالية في مكافحة الإرهاب، إلا أن الموقف الأميركي حمل مؤشرات على أن هذه المكافحة الصورية للإرهاب ستستمر في البلد الأصلي لأسامة بن لادن لتزيده اقترابا من الحلم المنشود للمطارد العالمي رقم (1).
في تعليقه على العملية الإرهابية الأخيرة، قال الرئيس بوش:”هذا الهجوم تذكرة بأننا في حرب مع متطرفين لا يتورعون عن قتل أبرياء لتحقيق أهدافهم العقائدية”. المعني الأميركي الأول (والعالمي بالتالي) بمكافحة الإرهاب محق في حديثه عن أهداف المتطرفين العقائدية وعن أنهم لا يتورعون عن قتل أبرياء لتحقيقها. لكن العقائدية ليست الوجه الوحيد لعمل “القاعدة” في اليمن، وهي لا تأتي إلا في مرتبة متأخرة بعد الأهداف السياسية التي كانت الدافع الأول لتشكل التيارات السلفية الجهادية في اليمن. فقبل أن يبدأ اليمن الشمالي تصدير المجاهدين الى أفغانستان في إطار تحالفه مع السعودية وأميركا ضد الشيوعية، كان هؤلاء قد خدموا في حروب صنعاء ضد الحزب الاشتراكي في اليمن الجنوبي. وإذا كان تعليق بوش قد أشر على أن الأجندة الأميركية في اليمن ستستمر على حالها، فإن هذا قد يفوت على الولايات المتحدة والعالم واليمن قبلهما فرصة مكافحة الإرهاب حتى في وجهه العقائدي. وسيكون من الكارثة استمرار الغطاء الأميركي للنزاع المسلح في الشمال الذي اندلع وتوقف حتى الآن خمس جولات. بالمثل، سيكون كارثياً دفع “الإصلاح” الإسلامي، وهو حزب كبير واسع الحضور، الى المربع المعلن لـ”القاعدة”.
تحتاج التوجهات الأميركية والدولية لمكافحة الإرهاب في البلد الأصلي لأسامة بن لادن الى مراجعة واسعة وعميقة لتفادي ما يجري من استخدام متضارب ومتعدد الأغراض لـ”القاعدة” في هذا البلد الهامشي. وهو استخدام لا يوازيه، في تعدد أغراضه وتضاربه، سوى تعدد وتضارب الاتهامات المتبادلة بين الأطراف الرئيسة في اليمن والتي أظهرت الجميع كمتهمين بـ”القاعدة” من قبل الجميع، وخلقت حالة من تذويب “القاعدة” في عظام البلد ولحمه لإخفاء معالمها عبر تعميمها على الجميع.