معرض صنعاء الدولي للكتاب في عيد ميلاده ال25 ويعاني من البله المنغولي والزهايمر.. ادفنوه.. يرحمكم الله! – جمال جبران

معرض صنعاء الدولي للكتاب في عيد ميلاده ال25 ويعاني من البله المنغولي والزهايمر.. ادفنوه.. يرحمكم الله! – جمال جبران

(1)
لو أردنا الكتابة عن معرض صنعاء الدولي للكتاب في نسخته الخامسة والعشرين، والمقام حالياً، في أيامنا السوداء هذه، فماذا يمكننا أن نكتب!
من أي مدخل يمكننا الدخول في هذه الكتابة؟
لو عدنا لما كتبناه هنا، في هذه الصحيفة، عن ذات المعرض، في دورتيه السابقتين. هل يكون صالحاً للنشر مرة أخرى! قلنا لأنفسنا. هي فكرة راودتني وأنا أزور المعرض الحالي متنقلاً بين ردهاته. وعندما عدت إلى، تلك الكتابة، وجدتها صالحة بدرجة كبيرة لإعادة نشرها، حيث والحالة هي الحالة، والمعرض هو المعرض، ثابت على أمره كمن لا يود فعل زحزحة ولو بسيطة إلى الأمام، ولو من باب طبيعة سير الأشياء. و التماهي معها ولو بشكل قليل وفي أضيق إطار.
وكنا بالفعل سنقوم بهذه الإعادة (النشر)، لكن هناك ماستوقفنا وكان عائقاً أمام تنفيذ هذه الرغبة . حيث وهناك مناسبة يبدو أن القائمين على أمور المعرض الأشهر، عربياً، بعد معرض القاهرة الدولي للكتاب. يبدو أنهم يعانون من مشكلة عميقة وعويصة مع الأرقام ودلالتها المناسباتية. حيث والرقم (خمسة وعشرون)، يعني ويقول ببساطة أن معرض صنعاء الدولي للكتاب قد بلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً. يعني ببساطة أيضاً أن هذا المعرض الأشهر قد وصل مرحلة يسمونها بـ” اليوبيل الفضي “. وهو مايستوجب ويفترض ويحتم أن يكون معرض هذا العام مختلفاً وكبيراً وبهيجاً بحكم المناسبة وبحكم العمر الذي وصل إليه. وهو مايستوجب ويفترض ويحتم أن يكون معرض هذا العام مرآة عاكسة ومحصلة لكل ماتراكم من سنوات في رصيده. فلايمكن القبول، بعد كل هذا العمر الذي كان والمكتوب على البطاقة الشخصية للمعرض، أن يظهر مراهقاً أو مصاباً بمرض البله المنغولي، غير قادر على التمييز أو حتى حفظ أسماء الكائنات المقربة منه وتدور في فلكه العائلي.
(2)
هل أقوم هنا، متبرعاً، بسرد قائمة من الفعاليات التي كان ينبغي أو كان من الممكن فعلها وادرجها في سجل فعاليات المعرض كيما يظهر المعرض لائقاً بالعمر الذي وصل إليه؟ هل أقوم بتقديم روشتة مجانية كان من الممكن لها أن تنقذ المعرض من الزهايمر الذي نزل على رأسه وبوقت مبكر لأوانه فلم يعد ذاكراً لتفاصيل مما كان ومر عليه؟
لا هذا ولا ذاك.
أعرف تماماً أن لدى القائمين على أمور المعرض من الأفكار، أكثر وأغزر وأجدى مما أملك. لكنهم، كما يبدو، لايرغبون في ذلك. (وهنا تقيم المشكلة الكبرى). حيث تحول المعرض، للأسف الشديد، من وسيلة لتقديم المعرفة والكتاب لكل راغب فيهما، إلى أداة ووسيلة لجني أرباح كيفما اتفق. ولا يهم ماذا يفعل القارئ بنفسه هنا. المهم أن الدولار الذي يدخل إلى خزينة المعرض لا يمكن له بأي حال من الأحوال الخروج منه لأي غرض كان. حتى لو كان من أجل اقامة فعالية ثقافية محترمة تسترعي انتباه الناس كما تعطي قيمة لهذا المعرض. فالمعروف أن معارض الكتب لا تُقّيم من خلال كمية الكتب المعروضة فيه فقط. ولكن أيضا من خلال نوعية الفعاليات الثقافية المصاحبة له. المسألة ماهيش عرض كتب وبس. كما أن المعرض وصل إلى الخمسة والعشرين من عمره، وهي مناسبة لو تعلمون جليلة وعظيمة، لا تكون إلا مرة في العمر ولا تتكرر أبدا. وهي مناسبة ما كان ينبغي تمريرها بهذا الشكل المزري والمحزن وذلك لمجرد توفير مبالغ مالية لاندري إلى أين ستصير!
كما أن مما يثير الحسرة والأسى والاستغراب أن جميع الفعاليات التي تمت وتتم اقامتها بالتوازي مع فترة المعرض، هي فعاليات مدعومة ومصروف عليها من إحدى الجهات المالية الكبرى التي سطع نجمها في الآونة الأخيرة واشتهرت بدعم كل شيء وبسخاء قل نظيره . فلماذا كان الإنفاق بمثل هكذا شحة وبخل قل نظيره أيضاً. فهل صار المعرض بقرة حلوباً ومنجماً للذهب بحيث صار التقاتل عليه واجباً ولازماً! (نجحت قيادة الهيئة العامة للكتاب في تحييد قيادة وزارة الثقافة تماماً عن كافة أمور المعرض. وهي الوزارة التي من المفترض أن يتم تفعيل وتخطيط أمور المعرض عن طريقها. كما لاحظنا وجود السيد وزير الثقافة في المعرض وكأنه حضور بصفة شخصية، يأتي مع الحاضرين ويغادر معهم! كما يمكن ملاحظة هذا الوضع المختل في شاشات أجهزة الكمبيوتر الموضوعة في مدخل المعرض للراغبين في البحث عن كتب وعناوين محددة. الملاحظ كتابة اسم الجمهورية اليمنية ومن ثم: الهيئة العامة للكتاب. أي أن الهيئة وبشكل عملي قد أزاحت وزارة الثقافة عن طريقها وصارت جهة مستقلة بذاتها وتتبع رئاسة الجمهورية! وقد أكون مخطئاً في تحديد نظامية هذا التسلسل، لكنه مارأيت بأم عيني ولم يحكه لي أحد).
وعليه، ماذا يعني هذه الرغبة القاتلة في ضم واحتكار مثل هكذا معرض دولي، أو الكان دولياً، بعيدا عن مسألة إحداث شراكة حتمية مع الجهات التي لها علاقة لصيقة بالكتاب والمعرفة وأمور الثقافة، وعلى رأسها وبصورة منطقية وزارة الثقافة! أعتقد أننا لانحتاج لذكاء كبير كيما نعرف إجابة لكل هذا.
(3)
ومن جهة أخرى. وفي ذات النقطة دائماً، مسألة مرور مناسبة اليوبيل الفضي لمعرض الكتاب مرور الغرباء الذين لا أهل لهم ولا أحبه يسألون عنهم . (لا أستطيع تجاوز هذه النقطة).
يحيلنا هذا القفز المتعمد الذي حصل لهذه المناسبة اليوبيلية لنقطة أخرى قد لا تقل أهمية عن كل ما يمكن إثارته حول المناسبة. مسألة غياب التراكم أو ثقافة الإلغاء التي تسير هنا وتسيّر أمورنا الحياتية في كافة المجالات (معرض الكتاب هنا نموذجاً). لماذا نصر على اعتبار أنفسنا بداية الكون و منتهاه! لماذا نتعمد كشط كافة الأسماء التي مرت على هذا المعرض وكانت سبباً في جعله على الهيئة التي صار إليها قبلنا! لا يبدو الأمر هنا منطقياً أبداً، وهو بالمناسبة لا يحدث إلا لدينا فقط. أنا ومن قبلي لاشيء. أنا البداية والنهاية والمنتهى. أنا القائد الأول والأخير وهذا المعرض أو الفعل لن يكون شيئاً بدوني ومن بعدي. وعليه تشتغل الماكينة، ماكينة الإلغاء والمحي. لكأننا نبدو هنا شغالين بممحاة نقتفي أثر السابقين وما فعلوا كيما نحيله سراباً كأن لم يكن. لكأننا نبدو هنا كمن يتصرف في تركة أبوه وأهله، وما ورثناه عنهم. وكأنها ليست بلداً. وكأنها ليست دولة. كأنها عزبة أو زريبة نفعل فيها مانشاء بلا حسيب أو رقيب!
لا يعقل أبداً أن تكون الخمسة والعشرين عاماً، وهي عمر المعرض، لا يعقل أن تكون صفراً أو لارقماً محسوساً بالعقل أو باليد لنرى كأنها لم تكن! لا يمكن أن تذهب في الهواء وكأن أحداً لم يمر عليها ولم يضع فيها من عمره ومن أيامه وجهده! لا يعقل، ولمجرد حسابات شخصية أو مالية بحتة أن نحيل معرض صنعاء الدولي للكتاب لمجرد فكة معدنية خاصة ونضعها بسهولة في جيب بنطالنا الصغير! أن نضعها في حقيبتنا الجلدية ونغلق عليها وعلى أبوها فلاترى نوراً أو صباح!
(4)
لا أبالغ هنا، وأنا أفعل هذا كتابة. لا أبالغ أبدا ولي من هذا المعرض كل سنواته الخمسة والعشرين. أنا جزء منها وكنت حاضراً طوال دوراته من أيام ماكان قائماً في ردهات كلية الشريعة بجامعة صنعاء، المنطقة القريبة لحارتنا القديمة. لا أبالغ وأنا أرى لفعل إساءة كبيرة ومتعمدة حصلت على ثوب هذا المعرض وقامت بتوسيخه. وتوسيخ ذكريات خمسة وعشرين عاماً مرت عليه، عليّ.
هو فعل ثأر شخصي إذن! نعم، وربما هو أكثر من ذلك واصلاً حده الأقصى من القرف والزهق .
ماذا يمكنك فعله إزاء من ارتكب حماقة في دفتر ذكرياتك الذي تحتفظ به نقياً منذ خمسة وعشرين عاماً فائته في ركن أثير من قلبك! أي ردة فعل ستكون منك تجاه هذا الفاعل! لا أعتقد أنك ستهرول ملقياً عليه تحية الصباح وربما منشداً السلام الوطني. هي أشياء لا تشترى، بحسب أمل دنقل.
ماذا يمكنك فعله إزاء من قام بدلق مياه وسخة على وجه المعرض الذي كان عاملاً هاماً في طريق تكوينك الذي صرت إليه!
هو فعل ثأر شخصي نعم. (ليحمد القائمون على أمور المعرض أننا نحمل أقلاماً وحسب ولا نحترف مهنة تفخيخ الأجساد وربط الأحزمة الناسفة مثل أفراد تنظيم الحركات النضالية على طريقتها والتي يعرفونهم تماماً).
هو فعل ثأر شخصي، نعم. وهنا حكاية.
لا يكفي أن معرض الكتاب قد صار مفخخاً بدور النشر السلفية التي استوطنت ردهاته وممراته. العام الفائت كان عدد تلك الدور مايقارب الخمسين دارا، هذا العام، وبحسب مشارك عربي في المعرض، بلغت نحو المائة والخمسين. (هذا على الرغم مايقال أن عملية إحراق كبيرة للكتب قامت بها إحدى الجهات الأمنية الهامة في البلد، وهي كتب تدعو للعنف والتطرف والعصبية وتسفيه المذاهب التي لاتسير على هواها). يعني مايكفيش مايعانيه البلد من بلاء حتى يأتي إليه هؤلاء بمشاريعهم الحضارية جداً، ولكن على طريقتهم!
وبالنسبة لي، هناك ضيف، يبدو أنه قد صار دائماً على فعاليات المعرض (العام الماضي قام بتوقيع كتابه الخاص عن القاعدة وهذا العام هو حاضر للحديث عن مستقبل البلد مع القاعدة). وقد كان هذا القاعدي السابق مدرساً عندنا، بمدرسة 26 سبتمبر بصنعاء. كان مدرساً للتربية الإسلامية ومشهوراً بيننا نحن التلاميذ وقتها بعصاه التي لم تكن تفارقه وبوسائله العقابية المبتكرة. حتى صار رمزاً لكل ماهو عنيف في ذاكرتنا. ما أن كان يمشي في ممر حتى نغير وجهتنا. ما أن كان وجهه يطلع في ردهات المدرسة حتى تصير المدرسة صامتة كالقبور. وهو يأتي اليوم ليحدثنا ويحاضرنا عن أهمية نبذ العنف والتطرف! كيف يستقيم الأمر هنا! كيف يمكننا أن نتماهى مع الأمر! من الممكن أن قام بمراجعة أفكاره وتاب وأصلح وان الله غفور رحيم، لكن من يشيل من ذاكرتي صورته المطبوعة بداخله!
ثم لماذا الإصرار على دعوة هذا الشخص لمرتين متتاليتين! هل فرغت الساحة من التائبين من أصحاب القاعدة وانقرضوا فلم يعد في الساحة سواه! أرى أنه ينبغي تعدد الشخصيات ولو من باب التنويع ومحاصرة أسباب الملل! يقال أن تجربته فريدة وخاصة. لكنا سمعناها في العام الفائت ولانجد حاجة لتكرارها.
قد تكون هذه جزئية غير هامة و لاتعني غيري. نعم. لكني لا أستطيع أن أغفر.
 
***
 
متابعات لازمة
 
– من باب الاحتفال، ربما باليوبيل الفضي لمعرض صنعاء الدولي للكتاب ولكن على طريقتهم . تم افتتاح خيمة خاصة ملحقة بالمعرض وتقوم ببيع الأشرطة الدينية بحسب أخر الصيحات التكنولوجية. كمبيوتر يعني. لكن الطريف وأثناء مروري في ردهات تلك الخيمة (مساء الجمعة الفائت) انقطع التيار الكهربائي لمدة زمنية تجاوزت العشر الدقائق. حينها اضطر الحاضرون وأصحاب دور النشر لاستخدام هواتفهم المحمولة لإنارة ماحولهم. مشهد تقاطعت فيه المدنية في أبهى صورها (هواتف محمولة وأجهزة كمبيوتر ثابتة ومحمولة) مع البدائية في أحلك صورها (عصر ماقبل الكهرباء).
– عند مروري لصق إحدى دور النشر الهامة والمعروفة (أحتفظ باسمها وباسم المشرف عليها). سمعته يتحدث بصوت مرتفع عن الظلم وسوء المعاملة التي لقيها في معرض هذا العام. حيث تم القذف به إلى زاوية مهملة من المعرض في حين تم منح أمكنة الصدارة لدور نشر سلفية تروج لكل ماليس له علاقة بالواقع الآن. وعندما عرف اشتغالي بالصحافة قال وبحضور صديق لي:” أنتم جبناء. هل تنشروا هذا الكلام على لساني وأنا أتحمل مسؤوليته “. وأضاف أن علاقته بالمعرض تتجاوز العشرين عاماً، لكنه أبداً لم يلق مثل هذه المعاملة المهينة. مؤكداً أن:” المعرض صار ساحة للبيع والشراء فقط وحسابات المكسب والخسارة ولم يعد يهمه أن يقدم معرفة “. وقال: ” ماهكذا تحمون بلدكم الجميل هذا من التطرف والإرهاب “.
-تعتبر مكتبة مدبولي المصرية من أشهر المكتبات التي شاركت في معرض الكتاب منذ نشأته على الرغم من الكلام الذي يقال عنها،(أنها مكتبة لاتعير وزناً لحقوق الملكية الفكرية فهي تطبع أي كتاب دون الإشارة لمصدره الأصلي وتقدم هذا بأسعار زهيدة مقارنة بأسعار الكتب الأصلية). لكنها لم تشارك في معرض هذا العام. قال لي مصدر مقرب من إدارة المعرض أن مدبولي تهرب من طبع كتب لمؤلفين يمنيين ولم يلتزم بتعهداته في هذا الشأن وعليه تعمد الغياب. في حين وصلني من مصدر عليم (احتفظ باسمه) أن الهيئة العامة للكتاب تواصلت مع مكتبة مدبولي أثناء الإعداد للمعرض. وأخبروه بالمبلغ الذي يجب أن يدفعه نظير حجز الأرضية ومصاريف الاشتراك. أخبرهم الحاج مدبولي أن على الهيئة العامة للكتاب مديونية تصل نحو الثمانية ألاف دولار ولهم أن يخصموا مالهم من مبلغ من هذه المديونية لكنهم رفضوا. إما الدفع أو إلغاء المشاركة. وقد كان. للعلم: تم هذا الإبلاغ عن طريق رسالة (إس إم إس).
معلومة إضافية: الحاج مدبولي، الشهير بجلابيته الصعيدية، يمر حالياً بحالة صحية صعبة حتمت نقله إلى مدينة سوهاج، حيث ولد وذلك من أجل قضاء ماتبقى له من أيام.
ج. ج