الاحتياجات البيئية في خطط وبرامج التنمية المستدامة(1-2) – محمد حزام المشرقي*

الاحتياجات البيئية في خطط وبرامج التنمية المستدامة(1-2) – محمد حزام المشرقي*

أصبحت قضايا البيئة والإسكان والتحضر والفقر جزءاً لا يتجزأ من قضايا التنمية والتقدم الاقتصادي، وتحقيق الاستدامة البيئية في اليمن يلزم الإستراتيجيات والسياسات المؤمل تنفيذها أن لا تمس قاعدة الموارد التي يعتمد عليها الفقراء، بل يجب أن ينظر في الأساليب الأكثر استدامة لتأمين المسكن الملائم والهواء والماء النظيفين والحماية من الكوارث الطبيعية والبيئية، وإتاحة الاستقرار والأمان في بيئة تتوافر فيها أسباب عيش وموارد رزق.
 إن منظور الحكومة اليمنية قد توجه مدفوعاً بقناعة وإدراك لتحقيق أهداف التنمية الشاملة من خلال السعي لإقامة نظام لتصور وتنسيق ومتابعة السياسة البيئية يضم مختلف المتدخلين في ميدان البيئة لكي يضمن تماسكاً أفضل بين برامج العمل، ونجاح أوفر في إنجازها. ولذلك تبذل الحكومة جهوداً على المستوى الوطني لتضمين الأبعاد البيئية في استراتيجياتها وبرامجها وخططها التنموية. فبينما ركزت قبل مرحلة التسعينيات على استراتيجيات التنمية، تقوم الآن بتضمين مبادئ السياسات البيئية وإدارة الموارد الطبيعية في الإستراتيجيات التنموية وخطط العمل، إلا أنها ما زالت تفتقر إلى الموارد المناسبة لتنفيذها.
وإذا نظرنا إلى واقع اليمن من نافذة بيئية أمكننا تشخيص الموارد الطبيعية المتاحة وهي في حقيقة الأمر شحيحة وهشة يقابلها نمو سكاني مرتفع، وبالتالي فان الضغط الشديد على هذه الموارد سوف يصل إلى منتهاه. وقد نجم عن غياب التنمية المستدامة التي تأخذ في الاعتبار العلاقة بين السكان والبيئة والتنمية اختلال في التوازن مما أدى إلى خلق حالة الفقر والحرمان لشريحة واسعة في المجتمع، وأوجد فجوات متعددة أخطرها الفجوة الغذائية، والفجوة الخدمية، وفجوة الاستهلاك المهدر للموارد الطبيعية.
وقد أدى هذا الوضع ومنذ مطلع التسعينات إلى زيادة اهتمام الحكومة بالبيئة، حيث تمثلت ابرز معالم هذا الاهتمام في إفراد مادة مستقلة في دستور الجمهورية تنص على اعتبار “حماية البيئة واجباً وطنياً ودينياً”، إضافة إلى تحقيق العديد من الخطوات الهامة على صعيد الإدارة البيئية تجلت في إنشاء مجلس حماية البيئة عام 1990، وإنشاء المركز الوطني لبحوث الموارد الطبيعية المتجددة بالهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي عام 1997، وإنشاء وزارة السياحة والبيئة عام 2001، أعقب ذلك إنشاء الهيئة العامة لحماية البيئة كجهة تنفيذية معنية بقضايا البيئة (إصدار التشريعات والقوانين المتعلقة بحماية البيئة، وضع الاستراتيجيات والخطط الوطنية)، وبما يضمن تحسين مستويات المعيشة وزيادة رفاهية المواطن والمجتمع.

الأطر المؤسسية والتشريعية لحماية البيئة
وعلى صعيد الجانب المؤسسي وفي ظل التوجه نحو الارتقاء بالعمل البيئي وربط البيئة بالتنمية لتفادي المشكلات البيئية، ورسم سياسات وخطط بيئية واضحة وإصدار لوائح تنظيمية جديدة تفي بمتطلبات المرحلة الراهنة والمستقبلية تميزت الحكومة المشكلة عام 2003 بإنشاء وزارة المياه والبيئة بقرار جمهوري رقم (105) عام 2003 ومن ثم وضع الإطار العام للبناء المؤسسي للوزارة والهيئات والمؤسسات التابعة لها والتجهيزات اللازمة. كما صدر قرارا مجلس الوزراء رقم (134) لعام 2003 بشأن أوضاع وهيكلة وزارة المياه والبيئة، ورقم (51) لعام 2003م بشأن الأوضاع المؤسسية والتشريعية والفنية للوزارة. ونتيجة لذلك انضوت في إطار الوزارة كل من الهيئة العامة لحماية البيئة، الهيئة العامة للموارد المائية، الهيئة العامة لمياه الريف، والمؤسسة العامة للمياه والصرف الصحي. وفي هذا السياق تكمن أهمية ربط المياه بالبيئة كمورد طبيعي هام وحيوي يضمن تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان ومنع تدهورها الكمي والنوعي. وعليه فقد استطاعت تلك المؤسسات تحقيق مجموعة من الإنجازات سعياً لتحقيق أهداف إنشائها وممارسة مهامها من خلال الدور المنوط بها.
ومع ذلك ما زال هناك حاجة لاستكمال البناء المؤسسي والهيكل التنظيمي للوزارة وتحديد المهام والاختصاصات لتفادي الازدواج مع هيئات التنمية الإقليمية المختلفة، وكذلك مشاريع التنمية الريفية والمشاريع الثنائية. ويمكن القول إجمالاً عدم وجود الكفاية في تعزيز الجانب المؤسسي التنظيمي البيئي.
ومن هنا يتطلب الأمر مزيداً من الوضوح لدى قيادات في الوزارات التنفيذية والجهات المعنية بالقضايا البيئية بشأن اختصاصها في مجال الإدارة البيئية، سعياً لتحقيق التنسيق والتعاون بينها وتوجيه الموارد والإمكانيات والجهود نحو حماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية من خلال وضع آليات للتنسيق والتواصل وتفعيل الأدوار واقتراح السياسات والمشروعات الخاصة بحماية البيئة والمحافظة على توازنها ووضع الأسس الخاصة بتقييم الأثر البيئي وعلاقته بالفقر.
وفيما يتعلق بالجانب التشريعي شهدت اليمن تقدماً ملحوظاً منذ أوائل التسعينات، تم بخطوات كبيرة لتطوير وتعزيز المؤسسات والتشريعات والخطط البيئية، حيث اعتمدت المبادرات الوطنية لحماية البيئة بصورة أساسية على نظم التوجيه والتحكم والتي أتت ممثلة في أغلب الأحيان بالتشريعات الوطنية. وقد اُعتبرت المؤسسات الوطنية محور تنسيق وإدارة ومراقبة تنفيذ التشريعات البيئية (مثل الوزارات والإدارات العامة، ومجالس أو سكرتاريات حماية البيئة). ولذلك فقد مثلت خطوط العمل البيئية والهيكلية المؤسسية والتشريعات البيئية وقواعد المعلومات والمؤشرات البيئية الحضرية وآليات تمويل المشاريع البيئية وما يتبعها من آليات تقويم صلب المبادرات البيئية الوطنية.
ومن ناحية أخرى ارتقى العمل البيئي في إصدار قانون حماية البيئة عام 1995. ومع تطور العمل البيئي وضعت اليمن قضايا البيئة ضمن أولوياتها ويؤكد ذلك إضافة حماية البيئة في التعديلات الدستورية. وإلى جانب الجهود الحكومية أخذت المشاركة الشعبية مكانها في مجال العمل البيئي والتوعية بالقضايا البيئية، وذلك من خلال قيام المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية المهتمة بقضايا البيئة والموارد الطبيعية، وإن كان هذا الدور ما زال دون المستوى المطلوب. كما أخذت الدراسات والأبحاث البيئية تلقى اهتماماً متزايداً من قبل الباحثين أفراداً ومؤسسات أكاديمية.
وعلى الرغم من صدور تشريعات بيئية، إلا أن الحاجة لازالت قائمة لمراجعتها وتعديلها، وإضافة تشريعات جديدة. وعموماً لا تزال المعايير والمقاييس والمواصفات والرصد والمتابعة غير كافية، مما يستدعي إصلاح الحال، وتفعيل آليات كفؤة للتنفيذ الإلزامي والجبري للتشريعات.
ويمكن القول إجمالاً أن استكمال التشريعات والأنظمة وتطبيقها عملياً يستوجب معها إعادة تقويم المهام المؤسسية وتصحيح أوضاعها التنظيمية وبالتالي تحديد المهام المناطة بها في ظل الجهة المختصة لتمكينها من تحديد الآليات واتخاذ القرارات المتعلقة بقطاع البيئة لضمان عدم التضارب والتكرار حتى تستقر أوضاع هذا القطاع، وفق اتجاه حكيم وهادف إلى توحيد جهود وآليات عمل الهيئات والمؤسسات العاملة في البيئة والموارد الطبيعية بشكل عام واحتوائها تحت مظلة أو إطار الوزارة، الأمر الذي سوف يتوقف معه تداخل المهام وازدواجية العمل. وعلى الجانب الآخر فان تقديم الدعم اللازم لهذه الوزارة الحديثة يعتبر أمراً ضروريا حتى تتمكن من تثبيت هياكلها التنظيمية والمؤسساتية.
وفي مجال الاتفاقيات الدولية أصبحت الجمهورية اليمنية طرفاً في العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية المتعلقة بالبيئة، من خلال المصادقة عليها. وتقوم الهيئة العامة لحماية البيئة بمتابعة تنفيذ الالتزامات تجاه تلك الاتفاقيات التي تم الانضمام إليها وتقديم مشروعات إلى سكرتارية تلك الاتفاقيات لتنفيذ الأنشطة والبرامج النوعية.
 
* خبير البيئة والموارد الطبيعية بوزارة التخطيط والتعاون الدولي