قضية أبناء كرش تندرج ضمن قرار العفو العام – وفاء عبدالفتاح إسماعيل

قضية أبناء كرش تندرج ضمن قرار العفو العام – وفاء عبدالفتاح إسماعيل

أصدر رئيس الجمهورية عفوا عاما عن المحتجزين على ذمة أحداث إثارة النعرات المناطقية والشطرية في توجيه لوزير العدل يوم الثلاثاء الموافق 9/9/2008م بالإفراج عنهم. وعليه أصدرت المحكمة الجزائية المختصة قرار الإفراج عن 12 محتجزا على ذمة تلك الأحداث يوم الأربعاء الموافق 10/9/2008م. صحيفة الثورة العدد (16011) 12/9/2008م.
وفي هذا لا يخفى على أحد، أن أبناء كرش الذين تم اعتقالهم يوم الثلاثاء الموافق 1/4/2008م آخر أيام رباعية الغضب الجماهيري المتتالية -مظاهرات ومسيرات- منذ 29/3/2008م في كل من الحبيلين، حبيل جبر، الصبيحة، كرش- م/لحج، مازالوا يقبعون في سجن صبر المركزي م/لحج، اتهمتهم النيابة العامة بارتكاب جرائم جسيمة تتعلق بأمن الدولة، وقضت فيها محكمة القبيطة الابتدائية بعقوبات كان أقصاها 4 سنوات و4 شهور مع النفاذ.
وخلال مشاركتي كمحامية في الدفاع عن المعتقلين في كرش، الحبيلين، صنعاء -إيمانا بأصول العمل المهني واستقلال مهنة المحاماة، وهذا ما يغيب عن ذهن الكثير من الناس، فمن أولويات العمل في مهنة المحاماة، الدفاع عن المتهم بقطع النظر عن براءته أو إدانته، وفقا لما خلصت إليه تشريعات الجرائم والعقوبات في جميع النظم القانونية، من أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته– ومن خلال واقع جلسات محاكمة أبناء كرش، يمكن القول إنها محاكمة غير عادلة، بل باطلة، فلو كانت عادلة، لبرأتهم المحكمة جميعا من التهم التي نسبتها إليهم النيابة العامة، وهنا دعونا القضاء اليمني مرارا، أن يتنزه عن الحكم بإدانة شعب الجنوب المحتج.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل قضية أبناء كرش تندرج ضمن العفو العام الذي أصدره رئيس الجمهورية؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يفرج عنهم حتى اليوم؟
وللإجابة على هذا السؤال، لابد من العودة إلى تصريحات وتوجيهات رئيس الجمهورية التي سبقت قرار العفو العام، وهي:
1 –  توجيه رئيس الجمهورية “بالإفراج عن عدد من المتهمين على ذمة ما يسمى بالحراك السياسي الذين لم تثبت إدانتهم بطريقة واضحة”. في حين أشار أبو حليقة رئيس اللجنة الدستورية بالبرلمان اليمني في تصريحات إعلامية: “أن المعتقلين على ذمة قضايا جنائية وأعمال قتل ونهب، هم على ذمة القضاء ولا سلطان على القضاء”. الصحيفة الحكومية الوحيدة التي نشرت هذا الخبر هي “الجمهورية” العدد (14169) في 17/8/2008م.
2 – خطاب الرئيس الذي قال فيه: “يتردد في وسائل الإعلام أن الرئيس أفرج عن السياسيين، نعم أفرجت…… عمن هم على ذمة قضايا سياسية لكن قضايا جنائية لا، القضايا السياسية، اللي عنده رأي أو عنده فكر.. لكن واحد عمل اعتصام أمام الهاشمي، أو في ساحة العروض في عدن ورفع العلم الشطري ورفع الصور الشطرية ونادى بالجنوب العربي هذا يحتبس.. ويحاكم” صحيفة 26سبتمبر العدد (1409) 21/8/2008م، كذلك لخصت مضمون الخطاب صحيفة الثورة العدد (15988) 20/8/2008م.
3 – الرسالة التي وجهها رئيس الجمهورية إلى رئيس وأعضاء مجلس أحزاب اللقاء المشترك: “… عليكم تقديم كشوفات بأسماء المطلوب الإفراج عنهم… والتوجيه بالإفراج فورا عمن كانوا محتجزين لأسباب غير جنائية، أما من كانت قضاياهم منظورة أمام القضاء لاتهامهم بارتكاب أعمال تخريبية وجنائية ترتب عليها إزهاق الأرواح وتخريب الممتلكات العامة والخاصة كما حدث في الهاشمي والحبيلين بردفان وساحة العروض بعدن فإن أمرهم يترك للقضاء، وحيث لا ينبغي التدخل في شؤونه أو التأثير على سير العدالة”. صحيفة 14 أكتوبر العدد (14221) بتاريخ30/8/2008م.
وبشأن ذلك نضع ملاحظاتنا على خطابات فخامته وأثرها على أبناء كرش، النحو الآتي:
1 –  أن خطابات الرئيس السابقة على قرار العفو، كانت موجهة فقط، حول الإفراج عن “متهمي الحراكـ” ولم يذكر فيها أمر عفو، كما ترددت فيها عبارة “قضايا سياسية لا جنائية” في حين لا يوجد في الدستور أو القانون هذا التصنيف للقضايا ما بين سياسية وجنائية، لأن الدعاوى إما جنائية أو مدنية. ضف إلى أن هذه الخطابات قد أقرنت القضايا السياسية بقضايا “الرأي و الفكر” بينما اعتبرت- الخطابات- قضايا اعتصامات المواطنين لا تندرج ضمن “حرية الفكر والإعراب عن الرأي” وحقهم في تنظيم أنفسهم، في حين كفلت مصفوفة النظام القانوني اليمني هذه الحقوق.
2 –  ما كان بالإمكان الإفراج عن هؤلاء المتهمين إلا بصدور قرار عفو، وقد أصدر رئيس الجمهورية عفوا “عاما” عن المحتجزين على ذمة أحداث إثارة المناطقية والشطرية، ولأن العفو جاء بلفظ عام، لهذا وجب حمله على عمومه، إلا أن تحديد صفة المحتجزين على ذمة أحداث “إثارة المناطقية والشطرية”، تخصيص صرف العفو عن عمومه وقصره على هؤلاء. لهذا يثبت العفو على ال12 معتقلا الذين مثلوا أمام قضاء المحكمة الجنائية المتخصصة وأفرج عنهم بموجب العفو العام، كما يثبت على ال8 المعتقلين من أبناء كرش الذين مثلوا أمام محكمة القبيطة الابتدائية وصدر ضدهم حكم ابتدائي غير بات ومازالوا في السجن حتى اللحظة دون مسوغ دستوري أو قانوني، ودون اعتبار لقرار العفو العام الرئاسي.
3 –  أنه إذا كان يراد من العفو العام عند صدوره أن يقتصر على ال12معتقلا لكان حددهم بالاسم أو لأحصاهم عددا، أي أنه جاء مطلقا، يندرج تحته جميع المحتجزين على ذمة أحداث إثارة المناطقية. فالعفو العام هنا هو عفو عن الجريمة، أما توجيه رئيس الجمهورية بإيقاف حكم السجن الصادر ضد الفنان فهد القرني فإن ذلك عفو عن العقوبة.
 ومطالب أبناء كرش مطالب حقوقية، تتمثل في حصصهم الوظيفية وكذلك إعادة التقسيم الإداري للمديرية وفصل كرش كمديرية عن مديرية القبيطة، ولا تتنافى مع توجهات السلطة السياسية التي تزمع إقامة حكم محلي واسع الصلاحيات، ولم نشهد قيام هؤلاء بإنشاء أو تأسيس أو فصل كرش كمديرية مستقلة عن مديرية القبيطة بالقوة على أرض الواقع، وإنما اقتصر الأمر على مجرد المطالبة. ومن ضمن مطالبهم أيضا إعادة الخدمات الرئيسة كالكهرباء والماء، التي دُمرت بسبب أحدات 1994م، ولم يستجب لهم حتى اليوم. فهل طلباتهم تستدعي أن يسجنوا لسنوات بسبب مظاهرة أو مسيرة؟
وعلى أي حال، من حق أبناء كرش الاستفادة من القرار الجمهوري الصادر من سماحة فخامة رئيس الجمهورية الذي تزامن واستقبال اليمن شعبا وحكومة للشهر الفضيل شهر رمضان، لأن قضيتهم تندرج ضمن العفو العام، لهذا ندعو فخامة رئيس الجمهورية البث في هذا الأمر عاجلا. فقرار العفو العام ليس فيه غموض ولا توجد إشكالية في تنفيذه من قبل القضاء اليمني. كما لا يوجد قيد على ولي الأمر في استعمال حق العفو إذا كان العفو تحقيقا لمصلحة عامة وحفاظا على النظام العام. فاستعمال الحق كقاعدة، مقيد بشرط السلامة- شرعا.
وأخيرا نختم بالقول – وختامها مسك – “أن الخطأ في العفو أفضل من الخطأ في العقوبة” كما جاء في الحديث النبوي الشريف.