جسُدها… حقُها..! – إلهام مانع

جسُدها… حقُها..! – إلهام مانع

قارئ يمني عزيز أحرق أربع سجائر وهو يقرأ مقالي الأخير “أن تدفن حياً”.
لكنه وهو يعبر لي عن اعتراضه على مضمون ما قلته، وتحديداً ما يتعلق بحرية المرأة في جسدها، كان إنساناً، حضارياً، اعترض على ما قلته جملة ومضموناً، بيد أنه فعل ذلك بأسلوب لا تجريح فيه، بل كان يقارع بالرأي.
يقول “هل عندما تكون الفتاة حرة في جسدها وسارت في طريق منحرف فهل سيلحق الأذى بها وحدها فقط؟ بطبيعة الحال لا وألف لا: فأبوها وأخوها وأمها وكل من ينتمي إليها بصلة قرابة سيلحق به الأذى. أختي الفاضلة: إن ما قلته لا يقبله عقل أو منطق، فما بالك بتعاليم ديننا الحنيف. وأين أنت من “كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته”. ثم إن الحرية ليست مطلقة. أرجو وأتمني أن تجيبي على سؤالي التالي: اذا تأخرت أختي عن البيت الى ساعة متأخرة من الليل فهل يحق لي أن أسألها لماذا تأخرت وأين كانت ومع من كانت”.
جعلني أتوقف عند حديثه.
قلت لنفسي “الأحرى ان تعودي إلى الموضوع من جديد، وأن تكفي عن طريقة الضرب والجري في حديثك. إشرحي وجهة نظرك. كما هي”.
بداية، لاحظ عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، أني عندما أتحدث، لا أتخذ من الدين، أي دين، مرجعاً. ليس لأنني آخذ موقفاً رافضاً للايمان، أو للدين بصفة عامة.
ليس فعلاً.
من يتابع ما كتبته في يوميات امرأة عربية، وهي منشورة كلها في ركن الكاتب الخاص بي في موقع شفاف القديم، يدرك أني أتبنى موقفاً يمكن تسميته – إذا أردنا ان نتعامل بمصطلحات المثقفين الذين يكتبون لانفسهم كثيراً، كي لا يفهمهم من يكتبون له – يتجاوز “ما بعد الحداثة” بمراحل.
ما الذي يعنيه هذا؟
علمانية أنا. أؤمن بضرورة الفصل بين الدين والدولة، وأعتبره الشرط الاول من اجل أي إصلاح يمكن أن يحدث في مجتمعاتنا، ولنا في تركيا نموذج- رغم ما في نموذجها من مثالب- لكني لا أتخذ موقفاً سلبياً من الايمان، لا أعتبر الإيمان بالغيبيات “إيماناً خرافياً”.
بل الإيمان حاجة ضرورية، تحتاجها الاغلبية الساحقة من البشرية، وأنا من ضمنها. قناعة تعب كثير من الناس حتى وصولوا إليها بعد عقود من لعن “الإيمان” وسنسفيله. ربما لأنهم أدركوا أنهم بدونه يتوهون كثيراً، ومعه يجدون بوصلة تجعل من “عبثية” الحياة أمرأ محتملاً.
رغم ذلك، أصر في قراراتي وفي حياتي، أن أتعامل من منطلق عقلاني إنساني حر. ببساطة أُخرج الدين من حيزي العام.
 بعضكم سيقول، ولم لا تتعاملين من منطلق ديني، فالقيم الدينية ليست حلة تختارين متى تلبسينها ومتى تخلعينها.
وردي ان الدين بالنسبة لي ينظم علاقتي الروحانية بالخالق، وبالطريقة التي تتناسب مع احتياجاتي. أكرر، وبالطريقة التي تتناسب مع احتياجاتي.
وأظن ان الكثيرين منا يفعل ذلك كل يوم، لكننا لا نُصرح بذلك، فالكثير مما أقوله يثير ضجة، لا لشيء سوى أني أقول صراحة ما اعتدنا أن نفعله خفية. ولذلك يأتي وقعه مزعجا.
كم مرة تصلي إذا كنت من المصلين؟ بعض من أهل السنة يصلون خمس مرات في اليوم. وبعض من أهل الشيعة يصلون ثلاث مرات في اليوم. والخلاف حتى في هذا التفصيل. وغيرهم يصلي مرة في الأسبوع.
وأنا أصلي عندما أحتاج إلى الصلاة.
عندما أحتاج إلى الصلاة، وأنا أحتاجها اخواتي، أصلي. لكني لا أحولها إلى روتين يتحول مع الوقت إلى حركات رياضية لا معنى لها.
فهل كفرت؟
هل يخرجني هذا من دائرة الإيمان؟
لاحظوا أني قلت “دائرة الإيمان” ولم أقل “دائرة الإسلام”. فالأولى تحدد أن الهدف، الأساس، من فكرة الأديان، هو الله، الإيمان بخالق أكبر منا. لا يهم كيف نصل إليه. المهم أن نصل إليه.
والثانية تصر أن هناك طريقة محددة مفصلة للوصول إلى الله، ومن يرفضها خرج من دائرته.
حتى ولو قال بأعلى صوته “يا الله أحبكـ”، سيكّفرونه.
لأنه لا يحبه بـ”طريقتهم”.
إما “أن تحبه كما نحبه، أو أنت كافر.. به”!
سبحان الله!
والإسلام ليس وحده في هذه القناعة. كل التفسيرات المتطرفة للأديان، المسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية، تتعامل مع من لا يؤمن “بطريقتهم هم”، وفقط “بطريقتهم هم”، على أنهم كفرة.
وهو أمر يضنيني كثيراً، إخوتي.
فأنا على قناعة أني لم أخرج من دائرة الإيمان.
ليس فعلا.
ليس بالنسبة لي على الأقل.
فمادمت أقر بحاجتي إلى الصلاة، فإنها تعني حتماً حاجتي إلى وجود الخالق، وإيماني بوجوده، لكني لا أمارسها إلا عندما أحتاجها.
أموري الحياتية، علاقتي بالغير، لها حسابات أخرى.
لو تركت التفسيرات القائمة للدين تنظم حياتي، سأضطر إلى التعامل مع من حولي من منطلق “مدى إيمانه” من “عدمه”، وسأفعل ذلك بقدر كبير من “الاريحية”. أمر يزعجني هو الاخر كثيراً.
بمعنى انه لو كان “ملحداً” مثلاً، “مثلياً”، أو يشرب المشروبات الكحولية، فسأعمد إلى “الغض من النظر” عن “النقوص” التي فيه، وأنا “مقتنعة” أني “أفضل منه” ألف مرة.
هذه الطريقة في التعامل لا أقبلها، وأرفضها. فما أدراني، لعله هو أفضل مني ألف مليون مرة. في إنسانيته، في أحساسه بالناس ومصابهم، في إنتاجه وإبداعه، في صداقاته، وفي بسماته. ما أدراني؟
ثم هل المعيار في التعامل الإنساني “الإيمان بدين”؟ أو الالتزام “بمسطرة خلقية” حدد قواعدها أناس لم يقدروا على الحياة فلعنوها؟
مثل هذا المعيار يفرق بين الناس، يباعد بينهم، ويجرح في أنفسهم كثيراً. تماماً كما أنه معيار لا يلُم بمكنون الإنسان، بالتعقيد الذي فيه، وبالخير الذي فيه.
ما الذي يجعل الإنسان إنساناً فعلاً؟ أن يؤمن او لا يؤمن؟ شأنه. لن يحوله إلى إنسان افضل او أسوأ. بل سلوكه وعطاؤه لبيئته هو المحك. وكم منا يقف وزبيبته على رأسه، وبعض شيوخنا مثال على ذلك، ولا يلوك لسانه سوى حديث الكراهية؟
أتعامل لذلك مع من حولي “كما هم”. “كما يفعلون”. وأقبلهم “كما هم”. ليسوا “افضل أو أسوأ”. بشر هم. مثلي. والخير هو في ما نفعله لمن حولنا. “ماذا فعلت لغيرك، قبل نفسك؟” لا أقل ولا أكثر.
الدين لذلك ليس مرجعي. ليس عندما يتعلق الأمر بالأمور الحياتية.
ولذلك عزيزي القارئ، عندما أتحدث عن المرأة، عن جسدها، لا أجعل من الدين أيضاً مرجعي.
ليس الدين مرجعي.
كل الأديان، بغض النظر عن أي دين نتحدث عنه، تعاملت مع جسد المرأة على أنه “شيء لا يخصها”. يجب لفه في ورق سولفان، وركنه في رف، في انتظار أن يأتي الشخص المناسب. والشخص قد يكون مناسبا او غير مناسب، المهم عريس والسلام، يُخرج “الشيء” من غطائه، يبعث فيه الحياة، أو يدفنه. ما يحدث بعد ذلك ليس مهما. المهم أننا وضعنا ذلك “الشيء” في إطار نسيطر عليه، ونمأسسه.
و”الشيء” هو العلاقة الجسدية للمرأة.
لا أقحم الدين في الموضوع، لأني أعرف أنا الأخرى، أنه عندما يتعلق الأمر بهذا “الشيء”، ما نقوله شيء، ومانفعله شيء آخر.
 ما نقوله شيء، وما نفعله شيء آخر.
واترك لخيالك حرية الإبحار في عوالم ما نفعله!
أٌُصر أخي أن ما نفعله في واقعنا لا علاقة له بما نقوله، حتى في مجتمعات شبه الجزيرة العربية، بكل متاريسها الاجتماعية الخانقة، او بالأحرى، خاصة في مجتمعات شبه الجزيرة العربية، لأن الكبت لا يولد سوى الانفجار، والمصائب معها.
ولذلك تجدني دائما أخي مندهشة.
مندهشة من مقدرتنا على الكذب على أنفسنا، على خداعها، من الإصرار أن مجتمعاتنا “لا تمارس ما تفعله المجتمعات الأخرى”، وخاصة “الغربية” منها.
في حين أن رجالنا يمارسون “كلـ” ما تفعله تلك المجتمعات، و”أكثر”، “وبشراهة” تدفع الكثير من أفراد تلك المجتمعات إلى التندر بسخرية عليهم.
“عقولهم بين أفخاذهم”.
أتعرف كم مرة سمعت هذا التعليق؟
تماماً كما أن كثيرا من نسائنا تعلمن كيف يتماوجن مع القواعد والمحظورات إلى “حد”، بعضهن يَخفن من أجسادهن، لأنها “مصيبة” حطت عليهن، وبعضهن يلتزمن بما قيل لهن، وغيرهن لا يأبهن، “يفعلن ما يردن” إلى “حد”.
ولذلك تخرج كثير من علاقاتنا الحسية “مشوهة”، كجنين كان يمكن ان تكتب له الحياة لولا أنه خرج إليها “مصاباً بالجذام”.
هذا عدا أن هناك كثيرا من شرائحنا الاجتماعية، خاصة في الدول العربية خارج الجزيرة العربية، تعيش واقعاً لا علاقة له بما “ندعي انه فينا”. المصادقة والمساكنة، كلها تعبيرات دخلت إلى قاموسنا اللغوي، حتى ونحن نزعق بمفاهيم السلفية الدينية بأعلى حناجرنا.
على حين نبحث نحن في جزيرتنا عن مخرج لا “يحرجنا”، فنسميه زواجاً “عرفياً”، “مسياراً”، “متعة”، لا يهم أي لقب نستخدمه، المهم ان نحدد له هالة “مشروعة”، نطمس بها معالمه الأساسية والتي لا تتجاوز بديهية أن رجلا وامرأة أرادا ان يمارسا علاقة حسية في مجتمع لا يريد أن يعترف أن هناك شيئاً أسمه رغبة.
والمحك، المحك في المسألة كلها، هو موضوع “الوصاية”، على الإنسان أولاً، ثم تلك التي نصر على انها ضرورية في تعاملنا مع المرأة.
أنت كأب، كأخ، كزوج، وصي على هذا “الشيء”.
والوصاية قد تكون محبة حنونة، أو قاسية جلفة، لكنها في النهاية تظل “وصاية”. تؤطر لعلاقة فيها تابع ومتبوع. وأنتِ التابعة وهو المتبوع.
تسألني أيها العزيز “اذا تأخرت أختي عن البيت إلى ساعة متأخرة من الليل فهل يحق لي أن أسألها لماذا تأخرت وأين كانت ومع من كانت؟” وأسألك بدوري: “إذا تأخرت أنت عن البيت إلى ساعة متأخرة من الليل فهل يحق لها أن تسألك لماذا تأخرت، وأين كنت، ومع من كنت”؟
لو أجبت بنعم، أرد عليك بنعم أنا الأخرى.
لو كانت علاقة ندية، لقبلت بها.
لكنها ليست كذلك أبداً.
يعطي الرجل لنفسه الحق أن يكون وصياً على المرأة، ويتعامل معها من منطلق “الملكية”، لا “الندية”.
تقول لي “الحرية ليست مطلقة”.
وأنا مضطرة أن أناقضك. بل رأيي أنها “مطلقة”. فلو كانت الحرية التي نتحدث عنها تعني أن الإنسان ولد حراً، له إرادة، وقادراً على أن يتحمل مسؤولية قراراته، رجلاً كان أم امرأة، فإنها تظل مطلقة. ليست هبة.
ولد بها الإنسان، حقاً طبيعياً له، لا مساومة عليها.
لا يمكنني أن أطالب بالحرية وأتجاهل ما تعنيه مضامينها في الواقع. فمتى ما قبلت بها، فلن يكون هناك مجال للوصاية التي نمارسها اليوم في مجتمعاتنا على الإنسان أولاً، ثم على المرأة بصفة خاصة.
لن يكون هناك مجال لذلك أيها العزيز، إلا اذا أصررنا على دفن رؤوسنا في الرمال ككل مرة.
من هذا المنطلق أقول “جسدُها، حقُّها، مسؤوليتها”.
أعرف أن رأيي هذا لن يعجبك. وسيزعجك. ووالله إن هناك أوقاتا تمر علي تمنيت فيها أن أخرس قلمي، كي أجنب من أحبهم الوجع، أو الحرج.
لكن الصمت، الصمت هو من يخنق احلامنا.
ولعلك عزيزي سترد علي من جديد. لكنك أسرتني باحترامك لآداب الحوار، وقررت لذلك ألا أتجاهل ما قلته، وأن أشرح لك وجهة نظري.
كل ما أتمناه عليك أيها الأخ العزيز ألا تحرق أربع سجائر وأنت تقرأ هذا المقال.
إشرب كوباً من الماء، هو أصح لك.
عيدكما مبارك،
[email protected]