صورة لهذا الوطن – عفراء الحريري

صورة لهذا الوطن – عفراء الحريري

فيما نصنف نحن في الجنوب خونة وانفصاليين ومتآمرين على الوحدة وعمدنا على زعزعة الثوابت الوطنية ومسسنا باستقرار الأمن العام فكدرناه وللأسف من قبل بعض أهل الجنوب.. فيما يحظى من ينتقد الوضع في الوطن (داخليا وخارجيا) من الشمال ببعض اللدغ في بعض الصحف الصفراء فقط.. وفيما تعمم قوائم بأسماء المطلوبين للاعتقال في اعتصامات الجنوب للمطالب بالحقوق.. وفيما لم يصدر في قوائم المطلوبيين نصف اسم للاعتقال من الشمال (مع الاعتذار لأولئك الذين واللواتي يشاركون ويشاركن الجنوب وأهله همومهم وألمهم وأوجاعهم).. فهذه المفارقات هي جزء صغير من الفوارق الكبيرة جدا والشاسعة في إطار المواطنة غير المتساوية والعدالة الغائبة التي يصنعها ما يحدث بين أهل الشمال والجنوب وبين أهل الجنوب والجنوب يجعلنا نتساءل بحسرة وحيرة: هل هذه هي الوحدة التي تعمدت بالدم/ كما يزعمون؟ هل هذه هي الثوابت الوطنية؟ وهل تبعث هذه الفوارق للاستقرار العام والسكينة في النفوس ومحيطها؟ وهل تجدي بأن نقف أمامها متأملين بصمت وخوف واستسلام لكل الاستلاب الواقع علينا في ظل قاعدة “الوطن للجميع” كي نصبح وطنيين أكثر ومواطنين يمنيين متساوين في سلم المواطنة..؟ هل يلتغي الاستثناء من قاعدة الوطن للجميع بين هذا وذاك، بين ما يحدث هنا وما يحدث هناك؟ وإن كان الأمر كذلك فلمَ لم يحدث قبل عام ويزيد؟ ولن أقول منذ 1994م حتى لايستصعب الأمر أكثر، فعلى ماذا تستند الاستثناءات طالما وأن الوطن واحد وللجميع أيضا؟ لماذا يتم التصنيف في ما بيننا البين وبيننا وبينهم وبيننا وبينكم؟ فأينا من يرغب في تكدير استقرار أمننا وأماننا، ومن منا الانفصالي والخارج عن الثوابت الوطنية إذن؟! ومن هو الذي والتي يريد وتريد زعزعة الثوابت الوطنية حيث لاتكون الوطنية ثابتة إلا في ظل مواطنة متساوية وعدالة حاضرة ووطن تصان فيه كرامة المواطن بلا استثناء لأنه وطن الجميع؟
وفيما نحن نسعى لذلك جهارا في نضال سلمي ولم نتجاوز حدود الشريعة والدستور والقانون بل والأعراف وحتى في الفضيلة، نجد مع ذلك فوارق بين الشمال والجنوب والجنوب والجنوب! والسيئ الأسوأ أن تلك الفوارق والمفارقات شملت حتى منظمات المجتمع المدني الخاصة بحقوق الانسان تحديدا، وفي إطار الوطن الواحد.
وبذلك نخلص من هذا الملخص إلى أن لدينا بالفعل قضية في الجنوب أو قضية جنوبية وليس بالضرورة أن تكون هذه القضية خاصة بأهل الجنوب جميعا، لأننا في الجنوب ضد بعضنا البعض بضراوة أكبر وأشد (أخشى أن أفند التسمية فتحسب ضدي وضد ثوابتي الوطنية ووطنيتي وانتمائي له دون سواه).
نحن نأبى أن يكون هدفنا من تقديم هذا الملخص هو إقامة مزيد من البغض لنا أو الحقد علينا، ولكنا نريد لفت الانتباه إلى ما آلت إليه القيم والأخلاق في إطار الثوابت الوطنية، فلا فائدة من التصنيف ذاك خائن وهذا وطني، لا فائدة من التفريق بين الجنوب والشمال والجنوب والجنوب، لا فائدة من الاعتقالات والاختطافات والاغتيالات وتلفيق التهم، لا فائدة من إطلاق خطابة وتصرفات الترهيب والترغيب والرثاء والنحيب على أمجاد وأخلاق الماضي البعيد البعيد من فوق منابر الإعلام والمؤسسات الدينية عن الفضيلة، الأمر الذي يعرف الجميع مدى تهاوي مصداقيته لأننا لا نستطيع العودة إليها أو استعادتها في ظل ذلك الرعب والعنف والفساد؟
فالذي حدث ويحدث في اليمن هو أخطر ما مر بها منذ عصور طويلة، ونحن لسنا مع الذين يزعمون أننا نعيش ثقافة العنف أو ثقافة الغدر، أو ثقافة البلطجة، حتى وإن كانت موجودة، إننا نعيش ثقافة الغش، ثقافة الكذب، ثقافة الكسل والاعتمادية واللامبالاة، ثقافة الخوف من قول الحق والاستسلام للظلم، ثقافة البقاء للأقوى نفوذاً، ثقافة الدسائس والفتنة، ثقافة أنا ومن بعدي الطوفان، ثقافة الفوارق والطبقات والمناطقية والطائفية.. وإلخ. ولأنها ثقافات أكثر سلبية فهي أسهل انتشارا، والخطر الحقيقي يكمن في هذا التدهور الأخلاقي الذي ستنتقل عدواه للأجيال القادمة، ويحدث ذلك حين لا تكون المواطنة متساوية وتكون العدالة غائبة والثوابت الوطنية خاصة بالبعض ومستثنية البعض ونافية البعض، ودلالة أخرى أخطر من العنف والسلاح، والاعتداء على الأمهات، وعقوق الوالدين، والاغتصابات، والقتل.. وهلم جرا.. هو أن مصدر فساد القيم وانحلال الأخلاق هو من كان منوطا به إرساء القيم والمتمثل هنا بمنظومة النظام والقانون الذي فقد سيادته، والقضاء الذي فقد هيبته إلا على الضعفاء والناس في المناطق التي تعودت على المدنية وليس لدى أهلها قبيلة، والحديث عن الفساد والرشوة، واستغلال النفوذ ونهب الثروات هو حديث عما آلت إليه الأخلاق أساسا.. وعندما يدخل الانسان في الحديث من باب الأخلاق يجد نفسه في ملعب السياسة، والحضارة والمستقبل جميعا، مجبرا مضطرا ليس لأنه سياسي وإنما وطني! لهذا أصبح لدينا ملف (أنا وأقراني من نساء الجنوب ممن لا شأن لهم بالسياسة).
فهل يا ترى إزالة الفوارق بين الناس والمطالبة بالحقوق المشمولة بالمواطنة المتساوية وسيادة القانون واستقلالية القضاء وتأسيس المنظمات واللقاء في التجمعات والمنتديات والملتقيات لمناقشة مستقبل هذا الوطن والأجيال القادمة فيه.. هي التي تضر بمصلحة الوطن؟ إذن فقدان وانعدام كل ذلك ماذا يسمى؟ وماذا يكون؟ فهل الفساد والرشوة واستغلال النفوذ، وسلب الحقوق، ونهب الثروة والخيرات، وعدم المساواة والإنصاف، وغياب العدالة، وامتهان عزة الانسان وكرامته.. وهلم جرا من الثوابت الوطنية والانتماء إليه؟ هل هذه المنظومة الأخلاقية للثوابت الوطنية هي التي ستحافظ على الوطن وستجعلنا وحدويين؟ نحن في حاجة إذا إلى تعريف جديد للأخلاق التي هي أسس الثوابت الوطنية بقدر ما نحن في حاجة إلى اكتساب وتخليق أخلاق جديدة تناسب العصر دون التصنيف فيما بين الجنوب والشمال والجنوب والجنوب، دون التفرقة والتمييز فيما بيننا وبينهم وبينكم، دون الترغيب والترهيب والتهديد، دون الاعتقالات، دون الاتهامات في أحكام جاهزة مسبقة ومغلفة؟ نحن بحاجة لمعرفة هذا الوطن؟ والمعرفة هي صورة نحتاجها لهذا الوطن بقدرما نتصور أنها لا تكفي وقد يساء استعمالها أيضا.