لمراجعة وصفة الكارثة – منصور هائل

لمراجعة وصفة الكارثة – منصور هائل

يبدو أن اتجاهات قراءة الادارة الامريكية للعلاقة الخاصة بين تنظيم «القاعدة» و«النظام» الحاكم في صنعاء تحتاج إلى مراجعة شاملة وعاجلة تتلمس وتلتقط الخيط الرفيع الذي يميز صنعاء عن بغداد واسلام اباد.
والواضح أن اتجاهات القراءة المعلنة من قبل واشنطن لعلاقة «التنظيم» بـ«النظام» لا تنطلق من تعريف واضح لكل طرف، ولا تريد أن تقر باستعصاء امكانية التعريف الواضح لملامح الشبح. وليس ثمة ما يشبه الشبح في امتناعه على التعريف الدقيق غير شيئين اثنين، هما: تنظيم «القاعدة»، و«النظام» الحاكم في صنعاء. وثالثهما
– خاصرة إن شئتم- الارهاب، الذي احتار واعتاص العالم في تعريفه!
وبمعنى أفصح فإن واشنطن اليوم كما في كامل حقبة بوش الأصولية المتطرفة خصوصاً، تتعاطى مع الحالة اليمنية بالاستناد إلى قراءة خاطئة وكارثية، لأن اتجاهات تلك القراءة لا تحيط بمسار وملابسات وتقاطعات وتناقضات علاقة «القاعدة» بالنظام الحاكم، ولا تلامس الخيط الفاصل الذي تتميز به اليمن وترتسم بموجبه بما هي «خاصرة رخوة» تكمن خطورتها في رخاوتها ولن تحتمل الضغوط الامريكية العنيفة والابتزازية التي طالما أفضت إلى مصارع الجنرالات ورؤساء الجمهوريات في تلك الارجاء.
والمصيبة أن هنالك الكثير من الرسائل والاشارات التي درجت الادارة الامريكية على توجيهها لأركان الحكم في باكستان أدخلتها مؤخراً في نطاق الاستخدام اليومي والاستراتيجي على مستوى التخاطب والتعاطي مع نظام الحكم في صنعاء.
وتبعاً لتلك الرسائل اندرجت اليمن ضمن عناصر القوس الملتهب، المكون من افغانستان وباكستان والصومال واليمن.
وتطالعنا التصريحات الصادرة عن المسؤولين، والمنشورة في الصحافة الامريكية، بما يؤكد ذلك، خاصة بعد عملية الهجوم التفجيري التي استهدفت السفارة الامريكية يوم الاربعاء الماضي، حيث توافق الخبراء والمحللون الامريكيون على عدم الرضا عن طريقة صنعاء في التعامل مع ملف التشدد الاسلامي.
ولاحظت بعض الصحافة الامريكية أن العلاقات بين واشنطن وصنعاء توترت مجدداً وعادت إلى نقطة احتدامها عشية إخلاء سبيل جمال البدوي الذي تطالب به واشنطن لضلوعه في تدمير «كول» عام 2000.
واستعادت الصحافة الامريكية كامل شريط عمليات «القاعدة» مع أخبار هروب قياداتها من السجون، ومع الاشارات المتكررة لاختراق متبادل بين الاجهزة الامنية و«القاعدة»، ومع التذكير بأن الحكومة اليمنية غير مسؤولة في تعاطيها حتى مع ملف اليمنيين المعتقلين في جوانتانامو وعددهم هو الاكبر بين المعتقلين المسجونين على «القاعدة».
وورد في صحيفة «لوس انجلوس تايمز» أن اليمن هي المكان الذي يمكن لـ«القاعدة» أن يجد فيه ملجأ آمناً، لأن الحكومة ضعيفة، ولوجود صلات بين المسؤولين و«القاعدة».
ووردت إشارات إلى جيل ثالث من «القاعدة»، وبالأحرى «المجاهدين» العائدين من العراق، وهو جيل لا يعترف بالمعاهدات بين الجيل الاول والسلطات الحاكمة، وتفيد الاخبار بأن العمليات الاخيرة في صنعاء وحضرموت من صنعه.
وثمة إشارات خفيفة إلى أزمة اقتصادية خانقة تقف على خلفية الانفجارات والتفجيرات المنسوبة إلى «القاعدة».
والمحنة أن كل تلك الرسائل والإشارات لا تفيد بأكثر من إصرار واشنطن على التمسك بوصفة الكارثة التي تستعجل دفع اليمن إليها وتستعجل معها ارتماء اليمن في أحضان وحدة فورية مع الصومال بما هي عليه.
إن اليمن يا هؤلاء تحتاج إلى تأهيل يزحزحها ويخلصها من الانحباس في خط «القاعدة»، وهي لن تتخطاه إلا بامتلاك شروط الإقلاع الثقافي والتعليمي والاقتصادي والسياسي عن الوضع الذي كان ومازال منتجاً لـ«القاعدة» ومشتقاته، بدعم من واشنطن وحلفائها الاقليميين وكافة الأطراف التي راهنت على تراكم عناصر خلل الداخل إلى أن أصبح النظام في اليمن قاعدة لـ«القاعدة»، وأي قاعدة أحسن من بلاد تتخبط في العشوائية والاضطراب والفوضى وغياب الدولة والقانون، وتفشي أحزمة النار وأرخبيلات الجزر المتفجرة والعصبيات المتقاتلة!
[email protected]