محمد مفتاح لـ«النداء»: الانفراج السياسي رهن بسلوك السلطة

محمد مفتاح لـ«النداء»: الانفراج السياسي رهن بسلوك السلطة

* بعثت برسالة إلى الرئيس قبل اسبوع من الحرب الأخيرة عبر أحد المشائخ لحل المشكلة وقلت له: لا يُعقل أن يسكن الأطفال والنساء صناديق الشاحنات والسيارات والخيام البائسة فيما بيوتهم ومزارعهم تحولت إلى ثكنات ومتاريس للاسلحة والجنود
 
حوار:  موسى النمراني
 
كنا في طريق العودة من محافظة تعز إلى صنعاء بعد أن حضرنا جلسة محاكمة الفنان فهد القرني. وكانت إشاعة تنقل نفسها من لسان إلى لسان، عن أن الرئيس سيعلن مفاجأة في ذكرى الوحدة. وكان البعض يعتقد أن المفاجأة ستكون الإفراج عن معتقلي الجنوب. وبينما الألسن تلوك التوقعات، إذ وصلت رسالة تبلغنا أن مجهولين أطلقوا النار على سيارة العلامة محمد مفتاح، رئيس مجلس حزب الحق، واقتادوه إلى مكان مجهول. وعادة ما يكون هذا المجهول معلوما بشكل منقطع النظير؛ إلا أن “المكان المجهولـ” أنكر وجوده لديه، فأصابني رعب الذكرى الخامسة لاغتيال الشهيد السوري العلامة محمد معشوق الخزنوي. أخفي العلامة محمد مفتاح ثمانين يوما، كانت زوجته وأولاده يذهبون كل يوم للبحث عنه فيجدون في وجوههم كلمة “مش عندنا”. وعندما اعترفوا بوجوده رأته زوجته، فلم يكن منها سوى حدسها بأنه هو، ولم يعرف هو عنها شيئا. كان قد بلغ الإعياء منه مبلغه بعد ثمانين يوما من الجوع والعطش والاكتفاء بأكل نوع رديء من الخبز، إضافة إلى كأس واحد من الماء الملوث كل يوم. قابلته بعد يوم واحد من الإفراج عنه، ولم أعرف منه سوى بقايا من هيئته السابقة. تغيرت ملامح وجهه تماما، وخسر نصف وزنه والكثير من صحته وثقته بالقانون. وكان لي معه هذا الحوار:

> بعد الإفراج عن محمد مفتاح بيوم واحد إلى ماذا يدعو محمد مفتاح؟
– إلى ما كنت أدعو إليه من قبل، وهو أن تتجه القوى الفاعلة في اليمن للتحضير والإعداد لحوار وطني شامل يناقش أهم القضايا التي تهم مستقبل اليمن، ويكون الحوار موسعا، لا يستثني أي جهة فاعلة، بما فيها منظمات المجتمع المدني من اتحادات ونقابات ومنظمات، وكذلك الشخصيات الاعتبارية والكفاءات العلمية المتخصصة؛ لتلمس المخرج من تداعيات المشاكل التي تعاني منها اليمن.
> بعد أن تم الإفراج عنكم هل تعتقد أن الانفراج السياسي قريب؟
– الانفراج على كافة الأصعدة في اليمن مرتبط بسلوك السلطة، لأن السلطة هي المؤثرة في الحياة العامة، فهي المسيطرة على كل شي، وما دامت السلطة هي المسيطرة والمؤثرة فالانفراج على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي مرتبط بسلوكها، فالبلد في تقديري يعيش حالة احتقان كاملة على مختلف الأصعدة، فالانفراج السياسي مرتبط بسلوك السلطة، فإذا وعت أن هناك مشكلة واعترفت بوجود المشكلة فيمكن الحديث عن بداية انفراج.
> ما هي المشكلة من وجهة نظركم؟
 – المشكلة سلوك متعجرف للغاية من السلطة، وإقصاء وتهميش لمن لم يكن في الحزب الحاكم أو لمن لا يلف ويدور حول توجهات ورغبات المتنفذين في السلطة، فإنه يقصى ويبعد ويضطهد، ولو كان أكفأ الناس وأقدرهم على خدمة البلد، فليس له أي قيمة، بينما المتزلف المتقرب من أصحاب النفوذ يحظى بالامتيازات ويكلف بالمناصب ولو لم يكن يفقه فيها شيئا. فهذا أدى إلى تكدس أمور الناس في أيادي المصلحيين والنفعيين وأدى إلى تفشي وتشعب الفساد، وهؤلاء لديهم سعي للحفاظ على مواقعهم في السلطة وفي النفوذ وفي الامتيازات بالتزلف وبالكثير من الكذب، مما أدى بدوره إلى حجب الحقائق عن صانع القرار ووضع البلد في حالة احتقان شديد. فالبلد من وجهة نظري يعيش حالة احتقان كامل، وإنكار الراسخين في السلطة لهذا الواقع ليس إلا من باب المكابرة أو الجهل بالواقع أو التعامي عنه.
> قبل يوم واحد من ذكرى الوحدة اليمنية اعتقل محمد مفتاح، لماذا اعتقلت؟
– العجيب أن يوم الاعتقال هو نفسه اليوم الذي تم فيه الإفراج عني قبل سنتين في 21/5/2006، حيث تم الإفراج عني وزميلي العلامة يحيى الديلمي بقرار رئاسي، وكأن الجهة التي وقتت للاعتقال أرادت إيصال رسالة مفادها أن مدة الإفراج انتهت، وأن الأصل في حياة اليمني: إما أن يكون خانعا للفساد وجامدا بلا أي حركة، وإما أن يكون مصيره المصادرة والسجن والقمع والإذلال. وأما لماذا الاعتقال؟ فيبدو لي أن الأنسب هو أن يوجه السؤال إلى من قام بالاعتقال، لأنه هو المعني بالجواب، لماذا يعتقل الناس؟ أما بالنسبة لي فإني لا أدري لماذا اعتقلت إلى الآن.
> لم توجه إليك تهمة؟
– لا، لم توجه لي تهمة، لأن المعروف أنه في حال توجيه تهمة لشخص ما أن يحال إلى النيابة بعد أن يتم إبلاغه بتهمة محددة ومسببة. ولكن أثناء التحقيقات كان من ضمن ما قيل لي: أنت متهم بالتردد على بني حشيش! ولا أدري ما وجه التهمة في ذلك! فبني حشيش مديرية كاملة من مديريات الجمهورية اليمنية، وذهابي إليها لا يختلف عن ذهابي إلى أي مكان آخر، وكل ما في الأمر أنني حضرت في بعض مناطق بني حشيش مناسبات عامة مثل المولد النبوي وذكرى الهجرة وغيرها، وكان حضوري بدعوة من أهالي المنطقة وفي أماكن عامة ولقاءات مفتوحة.
وللعلم، فأنا أحضر مثل هذه المناسبات في أي مكان، في سنحان وفي الحيمة وفي حضرموت وفي البيضاء وفي تعز وفي الجوف وفي صعدة… إلخ؛ لأني أعتبر اليمن كلها بلادي وأهلها أهلي، إلا أنه كما يبدو حسابات أجهزة القمع مختلفة عن حساباتنا.
> كيف كانت التحقيقات؟
– تعرضت لتقييد اليدين وعصب العينين والتهديد بخلع ثيابي أثناء التحقيق.
> أثناء التحقيق؟
– نعم أثناء التحقيق.
> أنت اعترضت على شيء؟
– لا. قلت فقط إنه من خلال نوعية الأسئلة فإنني أشعر بأن هناك توجها لتلفيق تهمة وفبركة قضية لغرض سياسي كما حصل في المرة السابقة، فرد عليّ أحدهم بانفعال وصوت مرتفع ونبرة تهديد بأنها قضية جنائية “وإحنا ما نفهمش في حقكم الحركات السياسية والمفترض نخلع ثيابك ونحقق معك بدون ثيابـ”.
> هل هناك علاقة بين اعتقالك وأحداث بني حشيش؟
– الأحداث المؤسفة في بني حشيش سبقت الاعتقال بحوالي أسبوعين، وليس لي أي صلة بها، وكل ما في الأمر أنني كنت أزور بعض مناطق بني حشيش لحضور مناسبات عامة مثل المولد النبوي وأمسيات رمضانية في لقاءات عامة، وبدعوة من الأهالي، كما أفعل ذلك في مناطق أخرى.
> اليمن دولة تعترف بوجود الفساد، ووقعت اتفاقية دولية بهذا الخصوص، وتسعى بمساعدة مانحين دوليين لمحاربة الفساد. إذا كانت اليمن تسعى لمحاربة الفساد بمساعدة دولية أين بقية المشكلة؟
– اليمن، أو بالأصح المهيمنون على السلطة في اليمن يتكلمون منذ عقود عن الفساد ومحاربة الفساد ومعاقبة المفسدين وضربهم بيد من حديد وبيد من نحاس وبيد من منجنيز وأياد كثيرة؛ والنتيجة لم يضرب الفساد وإنما ضرب البلد بجحافل جديدة من الفاسدين وبأساليب فجة وبأشكال متنوعة من الفساد، وضرب اقتصاد البلد وضربت الحياة المعيشية للناس وضربت الوحدة الوطنية وضربت كرامة الناس… فالمواطن اليمني يعامل بازدراء في دول الجوار ويهان على الحدود، وانتشرت ظاهرة اختطاف الأطفال وتهريبهم للتسول والاستغلال البشع في دول الجوار، وازدادت البطالة بشكل مخيف وازدادت نسبة الفقراء المدقعين بشكل يهدد بكارثة إنسانية، فالمفترض أن المانحين يستشعرون بأن هناك مشكلة حقيقية في اليمن وخاصة في من يطرح نفسه كمحارب للفساد، لأنه هو نفسه الذي انتشر الفساد في ظل وجوده في السلطة ومن غير المجدي والواقعي أن يعالج هو المشكلة التي هو سبب أساس من أسبابها، بل قد يأخذ الأموال لمحاربة الفساد وتصبح في النهاية جزءا من الفساد، بمعنى أن يصبح في الجهة المهيأة لمحاربة الفساد فساد، لأننا للأسف تعودنا أن يدخل الفساد في كل لجنة وفي كل مناقصة وفي كل توجه جديد وفي كل استراتيجية، ويبدو لي أن الفساد سيدخل بقوة في لجنة محاربة الفساد بحيث تصبح لجنة فساد.
> هل تعتقد أن الصراع في الشمال والحراك في الجنوب له أثر سلبي على مستقبل الوحدة اليمنية؟
– للأسف هو صراع واحد، في الشمال وفي الجنوب، لكن يختلف شكل الصراع وتسميته ووسيلته وأدواته. والواقع أنني أخشى على الوحدة اليمنية كثيرا من تصرفات السلطة، لأن تصرفات السلطة أوصلت الناس إلى أن يصبحوا فئات متعددة، فئة تشعر بالاستهداف المذهبي وفئة تشعر بالاستهداف الحزبي وفئة تشعر بالاستهداف المناطقي وفئة تشعر بالاستهداف القبلي… وأصبح كل شخص يشعر بأن الاستهداف موجه له، مناطقيا أو مذهبيا أو حزبيا أو قبليا أو فئويا… وقد وصلنا إلى مرحلة من الضيق أصبح المواطن لا يشعر بأن الدولة تحل مشكلته، وأصبح يضيق بإجراءات الدولة ومماطلتها، فأصبح ابن تعز لكي يحرر مختطفيه يفكر في اختطاف ابن خولان، وابن خولان يختطف ابن جبلة، وابن الجوف يختطف ابن نهم… وهكذا، كل منطقة ستتعصب لقبيلتها ولمنطقتها، وهذا خطر على الوحدة الوطنية.
وأتذكر أنه قبل عدة أشهر اختطف شيبة (مسن) من جبلة اسمه علي قاسم المتوكل عمره فوق التسعين أو قريب المائة وبقي في خولان عدة أشهر، تعرض خلالها لمعاملة قاسية، وحدث اختطاف عدة مهندسين قبل فترة، وحالات اختطاف متكررة ومأساوية، وهذا مؤشر خطير مفاده أن المواطن فقد الثقة في الدولة وأجهزتها التي أصبحت في نظره أداة قمع، بل وقد لا تختلف أساليبه عن أساليبها.
> هل تعتبر ما حدث لك اختطافا؟
– نعم، أنا أعتبر أن ما جرى لي أسوأ اختطاف، لأنه جرى بطريقة هي أسوأ من أسلوب الاختطاف؛ أن أؤخذ وأخفى وتظل زوجتي وأطفالي لمدة ثمانين يوما يبحثون عني ويترددون على مكاتب كل المسؤولين المعنيين فينكرون وجودي لديهم مع علمهم بوجودي عندهم. والمفروض على الأقل أن يطمئنوا أهل المعتقل بأنه موجود بدلا من أن يذهبوا يبحثون عنه في المستشفيات وإدارات البحث وبرنامج “نوح الطيور”. أمس الدكتور العليمي يحذر من توقيف أعمال اللجنة المخصصة لإعادة إعمار صعدة بسبب ما أسماه تعنت الحوثي في الاستمرار في بناء تحصينات والسيطرة على مناطق جديدة في صعدة، ما تعليقكم؟ سمعت استياء لدى الكثير ممن قابلتهم من تصريحات العليمي وأنها تصريحات غير موفقة، ويبدو أنها لا تختلف عن تصريحاته عن المشترك أو عن المطالب الحقوقية في الجنوب أو عن أحداث صعدة، فالانطباع لدى الكثيرين أن تصريحاته غير موفقة للأسف.
> هو يمثل وجهة نظر؟
– صحيح هو يمثل وجهة نظر، لكن أحيانا الممثل قد يكون لديه من اللباقة والتوفيق ما يستطيع به أن يخرج وجهة نظر من يمثله بطريقة مقبولة. ولا أخفيك أنه اتصل بي اليوم عضوان من النواب من صعدة ولديهما انطباعات متفائلة، وأخبراني أنهما وغيرهما من أبناء صعدة يبذلون كل مجهود لإنهاء المشكلة واحتواء بقية تداعياتها. فأتمنى أن يكون الجميع دعاة خير للبلد. يكفي البلد دماء، ويكفيه ما فيه من مشاكل، والحوثي مواطن يمني، ومن معه مواطنون يمنيون، وهذا الصراع المفترض أن يحل بحل أسبابه ومبرراته.
> ما هي المبررات؟
– أنا كتبت ورقة موجهة إلى رئيس الجمهورية أوصلها إليه أحد مشائخ البيضاء قبل الحرب الأخيرة بحوالي أسبوع تقريبا. وكانت الورقة عبارة عن رؤية لما يمكن أن يؤدي إلى تجنب الأحداث الأخيرة ويسرع بحل المشكلة، وكان من ضمنها أنه لا ينبغي أن تبقى بيوت الناس ومزارعهم ثكنات للجيش والأمن، لأنه لا يعقل أن يسكن الأطفال والنساء في خيمة أو في صناديق السيارات والشاحنات وبيوتهم عبارة عن ثكنات ومتاريس.
> المتداول أن الجيش انسحب من صعدة؟
– أنا أتكلم عما كان وليس لدي معلومات مؤكدة عما حصل أثناء إخفائي في السجن. وما أتكلم عنه أنا شاهدته بعيني، حيث ذهبنا إلى صعدة في جنازة السيد العلامة مجد الدين المؤيدي في رمضان العام الماضي وشاهدت بعيني عشرات البيوت عبارة عن متاريس، حيث تم خلع شبابيك المنازل ووضع بدلها أكياس من الطين، وفي سطوحها الأسلحة والرشاشات والجنود، وشاهدت أعدادا كبيرة من المواطنين يقطنون في صناديق الشاحنات وفي خيام بائسة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الإنسانية، ومن الصعب أن يتحمل المواطن هو وأولاده ونساؤه هذا الوضع. فأعتقد أن هذا يدفع المواطن للحقد على الدولة ومحاولة الاشتباك معها، كما أن للحرب على مدى أربع سنوات نتائج وتداعيات من ضمنها تدمير حياة الناس: المحلات التجارية، البيوت، المزارع، الممتلكات من سيارات ومحتويات المنازل وغيرها… وجرى عزل أعداد كبيرة من الموظفين عن وظائفهم، وغيرها من المشاكل التي لو عولجت فإنها تنزع مبررات ودوافع التعبئة للصراع، لأن الذي أصبح بلا وظيفة ولا بيت ولا مزرعة ماذا يُنتظر منه؟! هذا يعني بشكل تلقائي أنه يصبح مقاتلا ضد من يرى أنه هو الذي دمر بيته والذي دمر مزرعته والذي طرده من وظيفته…
> بالنسبة للسجناء الآخرين الذين قابلتهم في السجن ما ظروف اعتقالهم أو الظروف التي يعيشون فيها؟
– للأسف، لا يسمح لأحد بمقابلة السجناء في السجن، والذين قابلتهم هم من كانوا معي في زنزانة واحدة، لأن الإفراط في الاعتقالات أدى إلى أن الزنزانة المخصصة لواحد (انفرادية) حسب لائحة سجن المخابرات اضطروا لكثرة السجناء أن يدخلوا فيها شخصين وثلاثة، فأدخلت في زنزانة مع آخرين، وكان الذين التقيتهم في الزنزانة ظروفهم مشابهة لظروفي وبعضهم أسوأ من ظروفي، فمثلا شخص أُتي به من المهرة وهو أحد مشائخ خولان في صعدة يشتغل في التجارة، وضع معنا في الزنزانة، وهذا الشيخ عمره يتجاوز الستين سنة تقريبا، وبقي معنا حوالي عشرة أيام بدون أي قطعة فراش ولا حتى مخدة أو بطانية ولا يوجد له موضع ينام فيه، وكنا نتداول النوم على فرش واحد ينام في الليل والآخر ينام في النهار. كما أُتي بشاب من بني حشيش عمره حوالي ست عشرة سنة، ومكث معنا بدون فراش لمدة يومين، واتضح لي من خلال تكرار سماع الأصوات لمدة طويلة أن أعداد السجناء كبيرة وفيهم كبار السن مثل الوالد عبدالكريم إسحاق الذي تجاوز التسعين سنة تقريبا، وفيهم أصحاب الحالات الخاصة مثل أصحاب الاضطرابات النفسية والاختلالات العقلية والمرضى والأحداث (صغار السن) ما بين ال13 و17 سنة مثلا، من بينهم شاب كنت أسمعه في الطارود بكثرة وسمعت اسمه بالكامل، كان مصابا في إحدى رجليه ويمشي بعكاز، وهذا لا يتجاوز عمره 15 سنة، وآخرون في مثل هذا الحالات المتعبة والحرجة جدا، والتي تجعل الإنسان يشعر بتأنيب ضمير إذا لم يتكلم عنهم وإذا لم يُخرج قضيتهم إلى الناس وإلى المجتمع. وأدعو وأطالب السلطة باحترام النظام والقانون واتباع الإجراءات القانونية في القبض والتعامل مع أي مطلوب للقضاء أو مطلوب للأمن، وتكون هناك إجراءات قانونية وإبلاغ الشخص بالتهمة أثناء القبض عليه وأثناء التحقيق وإتاحة الفرصة له للدفاع عن نفسه، إما بنفسه إذا كان قادرا وإما بواسطة محاميه، وإتاحة الفرصة للمعتقل لمقابلة أهله ومقابلة المحامي حتى يستطيع الدفاع عن نفسه وحتى لا يصبح ضحية تهمة كيدية. ويبدو لي أن كثيرا من القضايا المحالة إلى محكمة أمن الدولة (الجزائية المتخصصة) إما مبالغ فيها وإما أن التهم كيدية لا أساس لها، وقد عرفت التهم الكيدية بنفسي في العلامة يحيى الديلمي. ولا أنسى موضوع الأكل أيضا، فالأكل الذي يقدم رديء للغاية ولا يكفي السجناء، ومنع المعتقلين من شراء حاجياتهم في ما يسمى بفترة التحقيق أمر في منتهى القسوة، وفترة التحقيق هذه قد تمتد إلى سنة وأكثر، وقد تأكد لي أن أحد الأشخاص الذين كانوا معي في الطارود نفسه لم يسمح لأهله بزيارته، ولم يسمح له بالحصول على بعض المأكولات من خارج السجن إلا بعد أكثر من سنة، وبعض السجناء لم يسمح لأهله بزيارته لأكثر من عام ونصف.
> هل كنت مضربا عن الطعام؟
– أنا لم أستطع أن آكل من طعام السجن إلا ما يسد الرمق، وأمضيت الفترة كلها في صيام، واكتفيت من الطعام بكدمة للفطور مع قليل من البطاطا التي كانت توزع كوجبة للغداء وكدمة للسحور مع شربة ماء من حنفية الحمام، وطرحت موضوع الإضراب كنوع من الاعتراض على بعض المعاملات المفرطة في القسوة، خاصة عندما وضعوني في زنزانة ضيقة مع شخص مجنون جنونا مطبقا، ورغم أنه كان مقيد اليدين والرجلين إلا أنني لم أستطع أثناء وجوده معي أن أصلي ولا أنام ولا حتى أمد رجلي بسبب تهديداته بالاعتداء، وبسبب رطوبة ورائحة البول والبراز التي تراكمت على ملابسه لعدة أيام.
> بعد الإفراج عنكم تناول خبر الإفراج عنكم أحد المواقع الإخبارية على الإنترنت، أن محمد مفتاح يعتذر لرئيس الجمهورية وولي الأمر… ما تعليقكم؟
– لم أطلع حقيقة على الموقع، لأنه اتصلت بي عدة مواقع، وكان من ضمن الأسئلة التي وجهت إليّ ما الذي طلب منك؟ كلمت الإخوان الذين اتصلوا بي أنه قبل الإفراج بحوالي أربع ساعات أصعدوني من الزنزانة التي أقبع فيها تحت الأرض إلى الدور الثاني مقيد اليدين معصوب العينين وطلب مني الإدلاء بمعلومات تفصيلية عن كل أسرتي (زوجتي وأولادي وإخواني ووالدي ووالدتي رحمها الله وأقاربي وأصدقائي) وعن دراستي وعن سفري خارج اليمن. وعندما كلمت الشخص المكلف أن بعض المطلوب لا أستطيع الإدلاء به ولا ضرورة له كالإدلاء بمعلومات عن زوجتي ووالدتي رحمها الله، فأفهمني أنه مكلف بتعبئة الاستمارة كاملة وأني قد أظل مقيد اليدين ومعصوب العينين حتى يكمل تعبئة الاستمارة. وبعد تعبئة الاستمارة فك العصاب عن عيني لمدة دقيقة تقريبا لرؤية صيغة تعهد مطبوعة جاهزة مضمونها أن السجين يلتزم للأمن السياسي بحسن السيرة والسلوك والابتعاد عن المخربين –الذين أنا حسب زعمهم واحد منهم– والإبلاغ عنهم وطاعة ولي الأمر فخامة الرئيس علي عبدالله صالح، فقد يكون الموقع الذي تناول الموضوع بهذه الطريقة التبس عليه كلامي. وأما الاعتذار للرئيس أو لأي شخص فيعلم الله، ويشهد أني لو أعلم أني أسأت بقصد أو بغير قصد لأي إنسان فإنه لن يسعني إلا الاعتذار، ولكني حسب ما أعتقد صاحب حق ومظلومية وأطالب الرئيس بإنصافي من الأمن السياسي، خاصة وأن الأمن السياسي يتبعون مكتبه مباشرة، وقد تضررت أنا وأسرتي وأصدقائي نفسيا ومعنويا وماديا من التعسفات المتكررة، والتي ليس أقلها إتلاف كمية كبيرة من الكتب والمصاحف وترويع الأطفال بإطلاق وابل من الرصاص نحوهم، ولا أخفيك أنهم ما زالوا يحتجزون جواز سفري منذ 2004 وبجانبه أفلام عائلية لأعراس ورحلات عائلية وكاسيتات وكتب.
> كلمة أخيرة تحب توجيهها؟
– أتوجه بالشكر والامتنان والتقدير لكل من تضامنوا معي من شخصيات ومنظمات وصحف وأفراد من النساء والرجال، وفي مقدمة الجميع زوجتي الفاضلة التي تعبت كثيرا وتحملت أعباء ما كان ينبغي أن تتحملها لولا وجود القمع والتعسف. كما أتوجه بكلمة إلى الأخ رئيس الجمهورية أن يعزز قراره التاريخي الحكيم والشجاع بوقف الحرب وبسرعة رفع المعاناة عن أسر المعتقلين، وسرعة إطلاق سراحهم كمبادرة حكيمة وشجاعة لكسب ثقتهم بأن الدولة جادة بكل ما تعنيه الكلمة لإنهاء المشكلة وإنهاء كل تداعياتها ومبررات استمرارها، والشكر بشكل شخصي وخاص للصحفي النبيل موسى النمراني.