أن تُدفن حياً! – إلهام مانع

أن تُدفن حياً! – إلهام مانع

أردت أن أعود بكم حيث قطعت حديثي في مقال “لحظة”. بيد أني فضلت التريث حتى انتهاء شهر رمضان الكريم.
قلت لنفسي: سيظن البعض أنك تتعمدين الاستفزاز عندما تتحدثين عن “النص” ومدى “قدسيته”، وأنا لا أريد أن أستفز ولا أن أثير.
كل ما أريده قليلٌ من التفكير.
قررت –لذلك- التأني، وعدت من جديد إلى الصمت؛ صمت العمل.
وفرحت بالصمت أيضا، ربما لأني أتنفس بالعمل.
ثم قرأت خبراً أخرجني من عزلتي عنوة.
لعل الخبر مرَّ عليكِ عزيزتي! لعله مر عليك أيها العزيز!
فكيف فكرتما؟
الخبر جاء من قطاع غزة، تاريخه 31 أغسطس الماضي، ومضمونه كما يلي: لقيت فلسطينية حتفها خنقاً تحت الرمال بعدما دفنها أباها حية. وقال مصدر في الشرطة الفلسطينية إن أباً في العقد السابع من عمره سلم نفسه للشرطة وأبلغ أنه قتل ابنته، وهي مطلقة في الرابعة والعشرين من عمرها، بدفنها وهي حية، على خلفية “شرف العائلة”.
دفنها في حفرة وهي مقيدة اليدين والرجلين ومغلقة الفم بشريط لاصق، ثم هوى بالتراب عليها، ودفنها؛ دفنها كي يتخلص من “عارها”.
عادات جاهلية، تقولون؟
صحيح، رغم أني على قناعة أن ثلاثة أرباع ما يقال عن تاريخ الجاهلية في حاجة إلى إعادة تفكيك وتمحيص وبحث، كي نتأكد فعلاًَ إن كان ذلك التاريخ “جاهلياً” حقاً. لكن لنتجاوز هذا الاعتراض ونعود إلى السؤال:
أهي جاهلية لأنه دفنها حية؟
فقط؟
دعوني -إذن- أتسلل إلى نفوس بعضكم، تلك التي همست لنفسها قائلة: “تراها لعبت بذيلها. أليست مطلقة!؟ ولعلها عاشرت رجلاً وأبوها كشفها! والأحرى أنها لقيت ما تستحقه!”.
بعضكم سيقول هذا. لكنه سيهمس لنفسه في الوقت ذاته وبسرعة: “أما أن يدفنها، فهذا جنون فعلاً. ربما لو ضربها علقة ساخنة وكسر عظامها لكان الأمر مقبولاً”.
امرأة، شابة، في الرابعة والعشرين من عمرها، تزوجت، ويعلم الله كيف تزوجت، ثم تطلقت، ويعلم الله وحده لمَ تطلقت. ولأنها تطلقت أصبحت “شبهة”، أصبحت “عبئا”، في الواقع أصبحت “مصيبة”.
مصيبة.
لأنها فقدت عذريتها بالزواج، أصبحت قادرة بعد الطلاق أن تعاشر من تريد دون خوف من فقدان “شرفها”. لا حاجة لها لتقديم “إثبات الشرف”، متمثلاً في قطرات دم تنفر أو لا تنفر يوم دخول رجلها بها.
ولعل المسكينة لم تعاشر سوى مخيلتها، ورغم ذلك اتهموها، وصدق أبوها، فدفنها حية!
لكني أسألكما: وماذا لو كانت قد عاشرت رجلاً فعلاً؟
ماذا لو فعلت ذلك فعلاً؟
هل نلعنها؟ هل نضربها؟ ثم هل نقتلها؟
بأي حق نهينها؟! بأي حق نضربها؟! وبأي حق نقتلها؟!
بأي حق؟!
وأرى نظراتكما الحائرة، تلك التي تسألني: “ماذا تريدين”؟
أقولها لكما مباشرة وبلا مواربة:
جسدها ملكها. تفعل به ما تشاء.
أقول هذا وأنا أدري معنى ما أقوله.
وأقوله رغم اقتناعي، وإصراري على ضرورة أن تحترم المرأة جسدها، ألاّ تحوله إلى مطية لكل رجل، ثم لا تمارس الحب إلا مع من تحبه. والأحرى أن تأخذ حذرها كثيرا من رجالنا “المثقفين” المؤمنين بـ”حرية المرأة” عندما يتعلق الأمر بممارسة الجنس معهم، ثم لا يرون من حريتها سوى جسدها.
“خذي حذرك منهم كثيراً، ثم تمهلي، وتعلّمي كيف تختارين رجلكـ”.
تماما كما أني أظل محافظة جدا فيما يتعلق باحترامي لمؤسسة الزواج، وعلاقة المودة والرحمة التي تجمع بين الزوج وزوجته، وأظل بجعة في عالم الطيور، لا تعاشر سوى رفيق حياتها.
رغم اقتناعي بذلك كله، أعود وأقول: جسدها ملكها، ليس “عبوة شرف”، نحفظها في “ثلاجة” ثم نزيل الثلج عنها ليلة الزفاف، وننام مطمئنين أننا سترنا “العار”، وتخلصنا من “همها”.
 أي هم هذا تحملوننا أثقاله؟!
حديثي ليس رمضانياً كما لاحظتم. وربما كان الأجدر أن أكمل معكم ما بدأته في مقال “لحظة”، لأني أعرف، عندما يتعلق الأمر بالمرأة وبجسدها، يصبح الطريق محفوفاً بآلاف الألغام، دائرة محظورا التفكير فيها، محظورا الحديث فيها بصورة “مباشرة لا مواربة فيها”، نرقص حول الموضوع، ولا نقترب منه أبداً.
لكني قطعت على نفسي عهداً، هل تذكرونه؟
سأكسر جدار الصمت، وسأكتب ما أفكر به كما هو، لا أرقص حوله، لا أجمله، ولا أبحث عن صيغة دبلوماسية لطرحه.
اقبلوه، أو ارفضوه، هذا حقكم.
لكن لا تلعنوني وأنتم ترفضوه.
[email protected]