الفكر التربوي خارج الشرط الاستعماري(2-2) – مالك الريماوي

الفكر التربوي خارج الشرط الاستعماري(2-2) – مالك الريماوي

2- تربية يقظة دوماً ومدرسة لإشاعة الحلم

ونعود إلى البداية، لفتح السؤال عن كيفيات مواجهة العولمة وممكناتها، من خلال تحويل التعليم إلى مشهد نقدي يقظ دوماً، مشهد يراجع بروح الشك كل اليقينيات ويكتب بلغة التساؤل كل الإجابات، لتعود الأشياء إلى وضعيتها الأولى؛ وضعية البحث، ما يجعل التربية شهقة اندهاش وصرخة رفض، لنعلم الأطفال صياغة الأسئلة وممارسة منهج الشك والنقد، بدل تعليمهم المعرفة المتيقنة أو اليقين المعلب على شكل معرفة، هذه سبيلنا لمواجهة اللامعقول الذي دهم حياتنا بشكل طاغٍ، فأصبح سيد الموقف.
فالمعارف المصنعة في كبسولات معرفية لا تعالج مشكلات التخلف المعرفي بقدر ما تقتل إمكانيات الإبداع، فما تسببه أصلاً هو تقليص شهية الإنسان للبحث وشهوته لطرح الأسئلة، فالعلوم المتخصصة والجامدة تحجب جوهر العلم كتساؤل، ومغامرة، وتجريب خطر، وبالتالي تحجب جوهر الإنسان كباحث ومغامر.
فما وفرته الصورة من فضاءات مفبركة وما وفرته تقنيات الاتصال الإلكتروني من أحياز افتراضية حولت التواصل البشري إلى صيغته الأكثر تجريداً على مر العصور، ما جعل الناس مجرد أرقام وحروف قد تشي بالذهن والعاطفة، ولكنها تحيلها إلى حالة شبحية؛ أرواح بدون وجود مادي، حروف، ورموز، وسيالات ذهنية ووجدانية عابرة بشكل أثيري. ولهذا الشكل من التواصل ايجابياته الهائلة، السرعة والاتساع واختراق حدود المكان والزمان، وتمدد الذات وتطابقها مع رغباتها، ولكن لهذا الشكل من التواصل مضاعفات مدمرة إذا لم تأخذها التربية ضمن منظورها، وتجعل من مهمة التصدي لها محور اهتمامها، فكل منجزات هذا الشكل لا تعادل مشكلي تغييب الجسد البشري وحرمان الناس من معايشة العالم على شكل خبرة حية ومباشرة، فبقاء الإنسان في داخل تلك الغلالة الإلكترونية يعزله نهائياً عن الاحتكاك بالعالم، فيجعل العلاقة بالعالم الحقيقي تجريدية أكثر فأكثر، ويجعلنا نعتاد على رؤية العالم من خلال تلك الغلالة التي تحجبه عنا، وبالتالي تحجبنا عن أنفسنا بحجبنا عن محيطنا، فالإنسان يتصاعد في معارج الوهم والزوال بنفس مقدار ما يجرد الآخر الذي يحاوره ويقاربه إلى الوهم، فالمعرفة المتحصلة من خبرة التواصل وتأثيرها على الأطراف ليست معزولة عن سياق التواصل ووسائطه، فالتقنيات الجديدة للاتصال، وغياب الجسد، وحضور الصورة، وغياب الملامسة المباشرة للمحيط، لا تمس علاقتنا بالآخرين وبالعالم فحسب، بل تؤثر على صياغتنا الداخلية، وتطبعنا بطابعها، فاستبدال الوسائط الحسية بوسائط الاتصال الحديثة يحتوي في ذاته على إمكانيات هائلة للعنف والتشظي والذوبان.
فالتقنيات الجديدة وتوظيفاتها العولمية السيارة اتجاه الكسب السريع والتسويق الواسع تعتمد أشكالاً وأساليب جديدة مغرقة في التجريد للاتصال بالغير، ما يجعل الناس قد اعتادوا على رؤية كل شيء، غير أنه ليس من الأكيد أنهم ما زالوا يملكون القدرة على النظر، فعملية استبدال العلاقات الحية الحقيقية بوسائل الإعلام المجردة والباردة تتضمن في حد ذاتها مقداراً كبيراً من العنف. فهذا الانهمار للأجهزة والوسائط الحاجبة للحقيقي والطبيعي المغيبة للحي والملموس قد تسببت للإنسان في “خسارة الخبرة المعاشة وملامسة المحسوس، ما جعل أساس حياة الإنسان وهمياً، “ما يفرض على التربية العمل على إعادة ربط الأطفال بالعالم الحقيقي كبداية للانخراط الحسي والتفكير النقدي في معطياته والتخييل للبحث عن بدائل.
إن نزعة التجريد بمثابة عامل حرب، لكونها تكمن وراء كارثة أننا أصبحنا نألف الرعب ونؤمن بحتميته، وكأنه قدر، وهذا عائد إلى أن النزعات التجريدية خلقت مجتمعات تتلذذ في قتل الكلية في كل كائن عبر تذريره وتحطيم قناعاته وتبديد قدرته على صناعة الأمل، وتركه قاصراً عن مواجهة المشكلة أو حتى ملاحظتها، وملاحظة المشكلة -أية مشكلة وتحديدها والإصرار على التصدي لها- هي الخطوة الأولى في إستراتيجية حل المشكلات.
إن المدرسة هي حالة متقدمة لإزاحة العولمة واختراق فكرها، فالعولمة كحالة تقهقر وحالة عودة إلى مراحل الانسحاق الإنساني، انسحاق الإنسان والحلم وتبديد الممكن والمعنى. فإن العولمة هي صيغة محدثة للبربرية أو للعبودية الأولى، نوع من الارتداد إلى حالة إدخال البشر إلى السوق كبضاعة، أو عبيد للبضاعة، فالعولمة قد أزاحت الفاصل وألغت المسافة بين المشترى والمشتري، بين الإنسان والسلعة، أو أنها أكثر من ذلك، فقد أعادت صياغة العلاقة بينهما بشكل انقلابي، وبشكل أصبحت فيها السلعة تمتلك الإنسان وتسخره، بدل أن يمتلكها ويسخرها، ومن أصغر ذرة تبدأ العولمة في عملياتها للتشويه والسيطرة، فهي تبدأ من ذاتية الفرد، تلك الذاتية التي لا يمكن للإنسان أن يتواجد كفاعل إلا من خلال تحققها ضمن مشروع مجتمعي وفردي يدار لتحقيق أهداف وبرامج، مروراً بالأسرة وبالبنى والمؤسسات المجتمعية، فالعولمة تعصف بكل مكونات المجتمع، التي تبدأ بالانهيار بسبب انهيار الأساس التي استندت إليه كل مؤسسات الإنسان؛ ألا وهو المعنى.
إن المستوى الذي يرتفع في المدرسة ليس في الغالب “سوى نوع مضاعف من الجهل، فالدروس في معظمها فقدان مخطط للذاكرة وحقن بمعلومات، فالتعليم في المدارس لا يهتم بالعلاقات والتشابكات والتفاعلات، ولا بالمفاهيم والحدود والإمكانات، ولا بالتاريخ الماضي الذي ليس من الواجب إحياؤه أو استرداده، بل تحريره وتحويله بما يخدم الحاضر. إن ما يجري في المدارس هو نوع التعليم الذي يعرف إلى أين يسير، أنه يسير باتجاه المسخ والتقزيم، فالمدرسة ضمن هذا الإطار دمية أو قزم تخدم ما يريده السيد”.
العولمة تنمط الإنسان، وتفيلق ذوقه، وتعيد صياغته بما يناسب متطلبات السوق، فالإنسان مغترب عن واقعه، فالعالم لم يعد سوى شاشات زجاجية: زجاج المحلات، شاشة التلفاز والحاسب، وخلفها علامات مزدحمة، بضائع وضجيج صور وإعلانات معروضات للبيع، بدءاً من الاستشارات الفنية، وانتهاء بلحوم البشر، عالم من الصور والعلامات يغرق فيها الإنسان، لا يمكنه أن يجد فيها ذاته أو يعكسها، كل ما يمكنه فعله هو الزوال والذوبان فيها.

حركة البدء أكثر من النصف
إن أكثر ما يزعج السلطة وثقافتها، هو إنسان يسأل وأكثر منه إنسان يسأل ويفكر، ويصل لحدود اللعنة، من يحلم ويتخيل، فلا شيء أكثر إزعاجاً وتحركاً من الخيال، فليس هناك نشاط أكثر منه تخويفاً وتدميراً للسلطة، ولذلك فمن منظور السلطة أن ممارسة الفكر والحلم والتخيل تعتبر عملاً سياسياً معارضاً ومناوئاً، ومن هنا يبدأ الصراع المضمر من قبل المؤسسات السلطوية ضد الفكر التي يمثل سبيل الإنسانية لكي تتحقق وتتحرر وتوجد.
الثقافة تعنى الذاكرة والتاريخ، فلا ثقافة بدون ذاكرة وتاريخ، فالثقافة هي التاريخ الذي يجري، والتاريخ هو الثقافة التي حدثت، ولذلك فعلى التعليم الثقافي أن ينحاز للتاريخ والأدب والفكر، فالذين يفقدون الذاكرة ينسون من هم ومن هم الآخرون، “للشخص مستقبل بإعطاء نفسه مشاريع، ولكن ذلك مستحيل بدون الشعور بذاتيته، بدون جدارته في إعطاء معنى لماضيه، والأمر على هذا النحو بالنسبة إلى الثقافة وإلى الشعب وإلى الإنسانية”(1).
وهكذا يتضح أن جوهر مغزى التربية ومآلها يتحدد ويتوقف على المعنى الذي نعطيه للثقافة، وعلى الحيز الذي نفرده للفكر النقدي، فكل الشرور والمآسي تتجذر في حقل الثقافة على شكل استبعاد وتشوه، فأصل الحروب والاضطهاد والرعب يكمن في “إفساد اللغة والثقافة والفكر والخيالـ”(2)، لكونه يصيب الفرد في أناه العميقة.
بما أن العولمة تسييد للسلعة وتكريس لقيم السوق وتشويه لاهتمامات الإنسان وحرف لها، العولمة إلغاء للفرد وتذويب للذاتية، فإنه على المدرسة أن تكون بانية لحقائق الإنسان والكون. ولذلك، ف”إن أكبر وأصعب مشكلة يمكن أن تطرح على الكائن البشري هي التربية؛ لأن الثقافة تتوقف على التربية، والتربية بدورها تتوقف على الثقافة”(3).
أعتقد أن أول الأشياء بالنسبة إلى الكائن البشري هو التربية فقبول المؤسسات التربوية -المدارس والجامعات- القيام بمهمة التربية والتعليم يفرض عليها الانتصار لثقافة الحرية والحلم، ما يجعلها إذا قبلت الدور المعولم المنوط بها لتقديم ثقافة سريعة وتخصصات مهنية لتغطية حاجات السوق، بدل الاهتمام بتعليم الشبان التفكير والنقد الذي يجعلهم مؤهلين للاضطلاع بعدد كبير من التغيرات، بما في ذلك مواجهة التغيرات الثقافية، خائنة للمجتمع. و”ما يجب أن يقال لهذه المؤسسات التعليمة إذا قبلت لنفسها القيام بهذا الدور الحرفي بدلاً من ممارسة القيادة الفكرية، هو أنها تخون المجتمع”(4)، لأنها لا تنتج سوى طلاب ليس لهم أي صلة بالحياة.
لقد أظهر التاريخ الاقتصادي أنه لا يمكن وجود فقر مدقع ولا جوع خطير في بلد مزود بنظام تعليمي ديمقراطي وتربية نقدية وصحافة حرة، ما يعيد ترتيب بناء البنية المجتمعية ضمن صيغة تتضمن ماركس وتتجاوزه، وتتضمن الفكر الديمقراطي وتجتازه عبر التأكيد على أن جوهر الحياة هو الاقتصاد، ولكن جوهر الاقتصاد هو الحرية التي تنمو مع نمو النقد وتوافره، لا حرية الاقتصاد، بل حرية الأفراد الذي على الاقتصاد أن يتضمنها ويضمنها، ما يعد ربطاً للاقتصاد بالثقافة ضمن حقل الإنتاج الذي يدمجهما في سيرورة العمل الإنساني المنتج، بحيث يجعل كلاً منهما مجالاً يتضمن الآخر، ويحتوى فيه، فالاقتصاد حقل لا يمكن أن ينتج وفرة عادلة بدون ثقافة نقدية مهما كان خصباً، والشيء نفسه بالنسبة إلى الثقافة ما دام من المؤكد أن كلاً من عاملي الإنتاج يصبح معطلاً عن دوره التنموي والإنساني في ظل غياب الآخر أو انفصاله عن شقه الآخر والالتفاف عليه.
فإذا كانت هناك ضرورة للاقتصاد لإدارة عالم إنتاج الخيرات المادية لصالح الناس لا لاستعبادهم، فإن “هناك ثقافة لأن للأشخاص البشر إمكانية خلق كون آخر غير كون الضرورة. واللغة فيه هي التجسيد الأسمى. نحن نتكلم لتجاوز ما هو موجود للتوصل إلى وعي يسمو بالجسد كشيء، وبالغير كموضوع، والثقافة ليس سوى التيقظ والإبقاء على المعنى مستيقظاً، وليس هناك أي علاج للأزمات غير ذلكـ”(5).

مدرسة لتدريس الانتهاك
في مواجهة الطرح الضيق للأطروحات الثقافية والخيارات السياسية: العولمة من جهة، والاتساع المتزايد للفضاءات الممكنة وتوالدها المستمر من جهة أخرى، لا بد من طرح أن المدرسة الشاسعة هي المدرسة التي تخترق الأسيجة بين الحدود التخصصية للمعرفة، وتتكامل بين ملكات الجسد الإنساني، فتجمع في ديناميكية فاعلة بين الفكر والحس، بين العاطفة والخيال، مدرسة تمدد المعرفة لتشمل خبرات الحواس، وانتفاضات الشعور، وهبات العاطفة، وقفزات الخيال، ونتاجات اللغة، واستعارات المخيلة، كبديل لمدرسة تقلص المعرفة لتحولها إلى كبسولات منجزة ومصنعة، مدرسة تعيد موضعة الكائن في محيطه كإنسان فاعل بعد أن تكون قد لوثته بآفة التغيير ولعنة الثقافة، ما يجعله يجتاح محيطه متسائلا ومغيراً، تقوده حمية الارتقاء ورغبة النمو، وتوجهه مبادئ العدل والتحرر.

التربية للحرية: تعليم جوهره
التساؤل وسؤال جوهره حرية

«المسألة الفلسفية الأخيرة هي مسألة الإنسان في العالم».
(الكسندر بوب)
تربية تمكن الطالب من إشهار رأيه والاعتزاز به، وهذا ليس النتاج النهائي لعملية البحث عن المعلومات والتفكير بها، لتشكيل رأي خاص بنا، وإنما هو أساسه. نعم، إن توفر المساحة الاجتماعية والمنبر الذي من خلاله يمكننا إبداء رأينا هو الأساس الأول الذي يدفعنا لبناء هذا الرأي، ليس هذا فحسب، بل يمكننا القول إن الحقيقة أكثر توغلاً، ما يجعلنا نصيغها على شكل آخر. إن ما يدفعنا لتحمل عناء البحث والتفكير في مسألة ما لإبداء رأي فيها هو وجود شخص آخر يطلبه منا، أو على الأقل يقبل سماعه ومحاورته، وهذه حقيقة أولى يجب الانتباه لها أثناء المحادثات الصفية، فالاعتراف الحقيقي بالإنسان -أي إنسان- يبدأ من الاعتراف بكلامه.
ما أردت قوله، إن المدرسة المطلوبة الآن مدرسة تؤصل الحرية لا مدرسة تجذر القمع وتقولب الناس وتخلو من التعليم، المدرسة القائمة تحوي كل شيء: النظام، الملل، الروتين، التأديب، الضبط، الإجهاض، الوأد، كل تعبيرات التسلط حاضرة، كل مستلزمات القهر موجودة، الغائب الوحيد بقوة هو التعليم والمغيب بقسوة، هو الحرية.
البديل مدرسة للتعليم والحرية، مدرسة تبدأ التعليم من لحظة تيقظ الطالب، طالب يستيقظ على الرغبة بالذهاب للمدرسة، تصبح المدرسة مدرسة عندما يهرب الطالب من البيت إليها، تصبح مدرسة للتعليم والحرية، ولن تصبح كذلك إلا إذا أصبحت مدرسة للحرية.
ذكر لي أمين مكتبة بلدية البيرة في أثناء حديث بيننا عن الكتب والقراءة، قال: عندما كنت طفلاً كنت شغوفاً بالقراءة. وأضاف: أنا ومجموعة من زملائي كنا نهرب من المدرسة إلى المكتبة، ونبقى نقرأ طوال النهار. القصة أدهشتني، وبقيت أسأل ما الموجود في المكتبة وغير موجود في المدرسة، في كلتيهما كتب وقراءة ومعرفة، لكن الفارق هو الحرية، والرغبة والمتعة، وكلها تعبيرات لجوهر واحد هو الإنسان، أن تكون حر يعني أن تختار أن تختار، يعني أنك ترغب فيما تختاره، ما يعني أن تتمتع وتستمتع، ما يعني أن تنخرط بكلك، أن تنخرط بكلك في شيء هو ما سيدفعك لا الذهاب إليه فحسب، بل الهرب إليه واللجوء إليه، مدرسة يجد فيها الطالب حريته ومساحة للاختيار، هي الفرصة الأولى لإحداث تعلم حقيقي، مدرسة مهيأة للمغامرة والمخاطرة والنقد والسؤال، هذا وحده الكفيل بجعل الطلاب يختارون الذهاب إليها لا الانقياد إليها.
وهذا يدفعني للمغالاة في الذهاب بعيداً بالرحيل بالمدرسة للارتحال بها، إلى مدرسة في طرح شبه متخيل من خلال العودة إلى موضعة المدرسة في المجتمع، وعندما نطرح موضوع موضعة المدرسة في المجتمع نكون نسأل عن موقع المدرسة على خارطة شبكة القوة المنتشرة في الجسد الاجتماعي والمتخللة له، وعن وظيفة المدرسة وعن علاقتها بالسلطة، وهذا يعيدنا إلى سؤال الحرية وسؤال التأديب والقمع السلطوي، الذي يهدف لطبع ناس مطبعين ومطيعين وطيعين كوقود لاستمرار حكاية القهر، وتسسييد منطقها وثقافتها، وهذا بدوره يستدعي ليس رصد موضع المدرسة في المجتمع ودورها فيه، وإنما موضع المجتمع في المدرسة، لأن المجتمع يخترق المدرسة ويسكنها بالدرجة نفسها لإقامتها فيه، ولكن ما يدعى للمدرسة من استقلالية وحياد لها ولوظيفتها عما يجري في المجتمع من حراك وصراع، وما يدور فيه من أسئلة، إنما هو ادعاء مزيف وحياد مسيس يصب في خانة أيديولوجيا التسلط، فمقولة حياد المعرفة وتعالي الفكر هي مقولة سياسية ملغومة بأيديولوجيا القهر والتسلط حتى النخاع منها، فالمعرفة قوة وسلطة، والفكر طاقة إذا لم توظف في نطاق تحقيق الحرية والانعتاق وتسريع التغيير والتقدم، فإنها لا تصاب بالعطب فحسب، وإنما تبقى عاملة في نطاق تثبيت السلطة وإدامة القهر، فعدم خندقتها في صف المغلوبين لا يعني حيادها مطلقاً وإنما يعني اصطفافها في صف القاهرين.

دور المدرسة في الصراع الأبدي
المدرسة في مواجهة العولمة: مدرسة واسعة الخيال أو لا شيء… ضمن هذا التصور، فالمدرسة كإمكانية ثقافية وفاعلية تربوية يمكنها أن تمثل دور الفاعل الثقافي المنشق وغير المتصالح دوماً، فطبقاً للنظرية النقدية، فإن “الثقافي والاجتماعي في حالة توتر لا تجدي معه المصالحة”(6)، لأنها تثلم الثقافي وتفقده فاعليته، وتجمد الاجتماعي وتشل حركته، وبالتالي فعلى المدرسة والمعلم المثقف أن يكونا خالقي لغة وصانعي رواية تحاول قول الحق في وجه السلطة(7). هذا الدور الذي بالتأكيد سيضع المعلم والمدرسة في وجه الرواية الرسمية للسلطة من جهة، وضد المزاج العام من جهة ثانية، لكن عليه كمثقف أن لا ينتقد الرأي العام فقط، وإنما يلتقط ما يهمس به الهامش “بشكل مشوش ليعيده للناس بشكل واضح”(8). وبالتالي، فعلى التربية أن تنزل من برجها المتعالي وتخلع قناع الحياد الذي يضللها أو يوفر لها فرصة للضلال لتنخرط في حركة الناس، ما يجعل منها فعلاً ثقافياً جماعياً. فبحسب نصيحة روزا لكمسبورغ “إذا بقيت المعرفة من امتياز حفنة من الأكاديميين فإنهم سيتعرضون لخطر أن يضلوا”(9). وهذا ما دفع إلى البحث عن “المثقف الجمعي” كضرورة لإدخال الجماهير في التاريخ كفواعل لتحقيق ما سماه بورديو “التدخل الجمعي”، حيث يرى أن “كل عمارة الفكر النقدي بحاجة إلى إعادة بناء بطريقة نقدية، فلم يعد يكفي وجود فرد ينطق باسم الجماعة، ولا بد من وجود المؤسسات والمدارس والنقابات والأحزاب التي تساعد في خلق الشروط الاجتماعية لخلق حلم جماعي”(10).
وهذا ما يجعل رسالة المعلم في المدرسة العمل على:
– التأسيس لمجتمع المعرفة من خلال مناوأة الشروط التي تمنع انخراط الناس في بناء المعرفة وتفعيلها للعمل في المجتمع.
– منازعة السلطة ومناوأة رواياتها الرسمية.
– تمثيل ذاكرة مضادة وتوفير الأدوات الرمزية لكتابة تاريخ الناس.
– التأسيس للوعي المرتاب دوماً، والفكر المتسائل والإرث الأخلاقي.
ما يعنى أن المعلم الحقيقي لديه رؤية نقدية للمجتمع الذي ينتمي إليه، وللمجتمع الإنساني الأوسع، بحيث لا ينغلق على ذاته، ولا يندمج في السائد والرائج، وإنما يأخذ من التجارب المتنوعة بلا عقد ولا حساسيات، ليناقشها ويسائلها من منطلق الفهم والتفهم والثقة بالذات والقدرة على الفعل، لأنه لن يمارس دوره السياسي الاجتماعي، ما لم يدرك أن هذا الدور لا بد أن يكون لصالح المجموع، وضد الحاكمين في الوقت نفسه، فإن ما يؤدي إلى تقدم مجتمع ما، هو الصور المستقبلية التي يبنيها معلمو مجتمع عن مستقبل هذا المجتمع، ويعتنقها القسم الأعظم من مواطنيه، وتتركز لحظات التغيير ومفاصل التاريخ عند تباين المصالح بين الحاكم والمحكوم، عندها ترتبط قيمة معلم المثقف في ابتعاده عن السلطة الحاكمة، وبقدر اقترابه من مواطنيه المحكومين. فدور المعلم الإيجابي -في كل الأحوال- هو الإضافة والتطوير والتنوير والتقدم، والتأسيس للأرضية الثقافية لمشروع التغيير.

 

> الهوامش:

(1) الجهل الجديد ومشكلة الثقافة، مصدر سبق ذكره، ص51.
(2) المصدر السابق، ص51.
(3) المصدر السابق، ص38.
(4) المصدر السابق، ص42.
(5) المصدر السابق، ص 276.
(6) سعيد، ادوارد. صور المثقف، ت: غسان غصن، منشورات شمس (بدون مكان أو تاريخ النشر)، ص16.
(7) المصدر السابق، ص91.
(8) فريري، باولو (2003). تربية المقهورين، ت: مازن الحسيني، رام الله: دار التنوير للنشر، هامش رقم 36.
(9) المصدر السابق، ص13.
(10) سعيد، إدوارد. مصدر سابق، ص49.

 

> المراجع:

> سعيد، إدوارد، صور المثقف، ت: غسان غصن، منشورات شمس (بدون مكان أو تاريخ النشر).
> فريري، باولو (2003). تربية المقهورين، ت: مازن الحسيني، رام الله: دار التنوير للنشر.
> حريق، أيليا (1988). “الصراع الطبقي والإنتلجينسيا العربية”، سعد الدين إبراهيم (محرر)، الإنتلجينسيا العربية: المثقفون والسلطة، عمان: منتدى الفكر العربي.
> دراج، فيصل (1996). بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية، بيروت: دار الآداب، ط1.
> شكري، غالي (1992). “إشكالية الإطار المرجعي للمثقف والسلطة”، في كتاب الثقافة والمثقف في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
> العالم، محمود أمين (1988). “إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة”، الفكر العربي، عدد 53، تشرين الأول.
> فوكو، ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، ت: الزواوي بغوره، بيروت: دار الطليعة، 2003.
> كريشان، رادا، وآخرون (2004). الدرجة الصفر من التاريخ أو نهاية العولمة: العولمة والرغبة وسياسة التمثيل، ت: عدنان حسن، اللاذقية – سورية: دار الحوار.
> كونانك، توما دو (2004). الجهل الجديد ومشكلة الثقافة، ت: منصور القاضي، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.