عبدالله البردوني في حوار حول الأدب والفن والسياسة: غير حسَّاس وغير مبصر من يظن أن الوحدة قائمة، فهناك غالب ومغلوب

عبدالله البردوني في حوار حول الأدب والفن والسياسة: غير حسَّاس وغير مبصر من يظن أن الوحدة قائمة، فهناك غالب ومغلوب

* الشعر الذي لا أفهمه جيد، والذي أفهمه رديء
* ليس كل من قاد دبابة عليم بالتاريخ وله حس تاريخي
* يريدون إشغال الناس بالمؤتمر والإصلاح، بينما الحكم فردي، والذي يحكم هو علي عبدالله صالح
* لم أدافع عن أدونيس ولكني قلت إن إخراجه من الاتحادات (قومية وقطرية) عبث، لأنه لم ينتمِ إلى أي اتحاد
* حركة 13 يونيو كانت في بدايتها تآمرية، ثم تجاوزت التآمر، لأنها عرفت أن الشعب أبقى

في حضرة البردوني

في الذكرى ال9 لرحيل عبدالله البردوني، تعيد «النداء» نشر هذا الحوار الذي نشرته صحيفة «السفير» البيروتية عام 1995.
الحوار أجراه الزميل القدير حسن العديني مراسل «السفير» في صنعاء سنتذاك، وفيه يتجلى البردوني مثقفاً متشككاً من الطراز الأول، يخضع أفكاره ومثله للفحص والاختبار في معمل الواقع وحركيته، ناقداً بصرامة مسلمات جيله، جيل «الرومانسية الثورية» التي غمرت العالم العربي في عقود الخمسينات والستينات والسبعينات.
فيما يخصني فقد تفضل حسن العديني بدعوتي إلى المساهمة في التحضير للحوار، بعدما لحظ شغفي بالبردوني، وآرائه. وقد رافقته إلى بيت البردوني، وأكثر من ذلك وجهت, بإيماءة من «حسن», عدة أسئلة لمضيفنا الاستثنائي.
إلى آرائه الانشقاقية فيما يخص الشعر والرواية والتطبيع الثقافي (مع اسرائيل)، كانت تلك المرة الأولى التي أستمع فيها مباشرة لرأيه في حرب 1994.
بالنسبة لصحفيين معارضين فإن حكمه القيمي الصارم حيال الحرب لم يكن صادماً. ما صدمنا حقاً هو رأيه في «الوحدة» رغم سابق اطلاعنا على آرائه النقدية حيالها. لكنه بعد الحرب بدأ متحرراً من أية كوابح، متعمداً تقويض مركزية «الوحدة» في وعي محاوريه وقرائه من بعد. وكلما استدعيت هذا الحوار طرق أذنيَّ السؤال الاستنكاري لحسن العديني: الوحدة مؤامرة؟!
في مقام الذكرى البردونية، هل أتجرأ فأقول إن البردوني ذاته وقع بعد رحيله ضحية مؤامرة؟ أتذكره حفياً بأعماله الجديدة (قيد الانجاز) ساعة التقيته في منزله بعد 3 سنوات (ابريل 1998). حدثني عن «الجمهورية اليمنية» الكتاب الذي شارف على الانتهاء منه، ليكون بمثابة جزء ثان لكتابه «اليمن الجمهوري» الذي صدر مطلع الثمانينات. قال إن «جمهوريته» يتعرض بالتحليل والتقييم لمرحلة الوحدة والحرب، متوقعاً أن يثير حفيظة كثيرين. وبقلب شاب يجرِّب للمرة الأولى ركوب بحور الشعر، تكلم بشغف عن مجموعته الجديدة «العشق في مرافئ القمر»، لافتاً انتباهي إلى حرف الجر، قبل أن يقطع بأنه في هذه المجموعة سيلوح مغايراً. كان على الدوام مخلصاً لانشقاقيته حتى في «ملكوت الشعر».
الذي يرى بأذنيه، كما داعبني في حوار أجريته معه في جلسة لاحقة، كشف عن مجموعة شعرية أخرى قيد الطبع هي «ابن من شاب قرناها». على ما فهمت فإن قصائدها تسير على منوال قصائد مجموعته الأخيرة «رجعة الحكيم ابن زايد». إلى الأعمال الثلاثة، تحدث عن عملٍ روائي لما ينجزه بعد.
الحاصل أن أعمال البردوني الأربعة اختفت قسرياً فور رحيله قبل 9 سنوات. وإنني لأعجب كيف تمر ذكراه بسلام دون أن يتحرك أحدُ من المعنيين، وبخاصة في اتحاد الأدباء والكتاب، الذي كان البردوني من أبرز مؤسسيه وترأسه في دورته الأولى مطلع السبعينات، لوضع حد لهذه المؤامرة.
غداة وفاة البردوني ترددت شائعات عن خلافات بين زوجة البردوني وآخرين من أسرة البردوني بشأن تركته. وظهر لاحقاً أن الخلاف امتد إلى موروثه الإبداعي، بما فيه أعماله غير المنشورة. في مجتمع الشفاهة بامتياز، تسربت أنباء عن اختفاء هذه الأعمال، قبل أن يظهر أحد مساعديه (مرافقيه) لاحقاً ليؤكد أن أعمال الراحل في الحفظ والصون، مدللاً على ذلك بدفع إحدى قصائده الجديدة للنشر في إحدى الصحف المحلية. على أن الغموض يلف «جمهورية» البردوني، إذ لم يبادر أحد، بمن فيهم السيدة الفاضلة زوجته، إلى تقديم إيضاحات بشأن الكتاب.
المحقق أن إساءة بالغة ومستمرة تُوجه لليمنيين جراء ما يسميه البعض «إشكال عائلي»، فيما يشبه تصفية حسابات مع البردوني في غيابه. ولئن بدا مفهوماً موقف (لا موقف) المؤسسة الرسمية اليمنية حيال هدر تراث شاعر لم يوفرها يوماً في إبداعه ومواقفه السياسية، فإن موقف اتحاد الكتاب والأدباء ليس مفهوماً ولا لائقاً. والمنتظر أن ينتصر الاتحاد لنفسه قبل أن ينتصر للإبداع، فيبادر إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ تراث أبرز مؤسسيه.

 سامي غالب
[email protected]

> كثيرون يرون أن الرواية قصيدة القرن الواحد والعشرين، هل معنى ذلك أن الرواية ستحل محل الشعر؟
– لا. الرواية هي فن مستقل بذاته، وإذا حلَّت محل الشعر سقطت. إلا أن الرواية تشبه الشعر من عدة نواح، فالمجيدون في الرواية قلة، كالمجيدين في الشعر. إذا قلنا إن هناك خمسة مجيدين أحسنوا إجادة الشعر، وتمادوا في تطويره ببلوغ المدى، ففي الرواية كذلك. في الشعر مثلاً: أدونيس، السياب، خليل حاوي، محمود درويش. هؤلاء ذروة في الشعر: هكذا (الحال في) الرواية، يمكن تقول: نجيب محفوظ، الطيب صالح، عبدالرحمن منيف، ومن الباقي، الباقي يكتبون الرواية كثيراً، ليست في غاية الجودة ولا لها بعد نفسي ولا لها بعد زمني. لكن الذين أجادوا الرواية فاقوا أحياء وفاقوا أمواتاً، نجيب محفوظ لأنه أبو الرواية المعاصرة، ولحق به الطيب صالح وواكبه، لا لأنه تحرك تحت مظلة نجيب محفوظ، بل لأنه جاء من رؤية مختلفة، فكان له وزن يوازن نجيب محفوظ، ولأنه مختلف عنه كلياً. على حين ظل كتاب الرواية، حتى والقصة، يقلدون نجيب محفوظ ويتحركون تحت مظلته في كل الأشكال، حتى في الثلاثية، عندما كتب محفوظ الثلاثية جاء من يكتب الثلاثية والرباعية وروايات بالكيلو، لكن لا أحد بلغ مبلغ محفوظ والطيب صالح وعبدالرحمن منيف. وأنقذ عبدالرحمن منيف من أن يقع تحت مظلة نجيب محفوظ أن موضوعه مختلف والمكان الذي يكتب عنه وتتحرك فيه احداث روايته من عالم مغاير لعالم نجيب محفوظ وعالم الطيب صالح.
> لكن هذا يقود إلى سؤال: كثير من الأدباء والكتاب، أياً كان مجال إبداعهم، سواء كان شاعراً أم قاصاً أم روائياً، يبدع أعمالاً محدودة ثم يستجر ما يكتبه، يظل طول العمر يعيد تكرار ما أبدعه، يعني لا يوجد مبدعون من صنف رامبو، كيف تفسر ذلك؟
– أن يكرر المبدع نفسه هذه واردة، وقد قالوا عن نجيب محفوظ عندما كتب «المرايا»، إنه كرَّر نفسه وأن «المرايا» نسخة مختلفة من الثلاثية. لا، الشاعر والروائي والقاص يكتب عن موضوع محدد ويؤلف صوراً ويطرز عدة مفاهيم، ويكاد أن يكون في كل ناحية يخلق خلقاً جديداً، ثم يكتب بعد ذلك عملاً آخر يجيئ وله صور لم تكتمل في الأعمال الأولى، فيعيدها من وجهة أخرى من أجل أن يتناول ما فاته من الصور والأمشاج في الأعمال السابقة. ليس هناك تكرار. مثلاً نزار قباني يقولون عنه إنه كتب خمسة دواوين والآن يعيد الخمسة الدواوين في دواوين أخرى؛ لا. صحيح أن لغة نزار (مميزة)، لغة معجمية ولغة جمالية ولغة من رصيف الشيلان والفساتين ومن روائع الأنثى، هذه فعلاً لغة مميزة، لأنها لغة المرأة أنثى، أو المرأة قصيدة، أو المرأة رواية… هكذا، لكن نزار قباني عندما كتب الشعر السياسي تبدَّى شاعراً مجيداً، وأنه يكتب عن الشعر السياسي مثلما يكتب عن بائعة الحرير، أو مذعورة الفستان، أو مثلما يكتب: «أيظن أني لعبة بيديه؟!». لكن نزار قباني بدأ يأخذه الجنون من ناحية رمي قصائده للتغني، لأن «نجاة الصغيرة» غنت له قصيدتين نجحتا، لكن بمقدار ما نجحت نجاة الصغيرة غنائياً ما نجح نزار فنياً ولا شعرياً. الغناء والموسيقى لا يمكن أن تزيدا الشعر موسيقى من عندهما، لا، النص الضعيف يظل ضعيفاً ولو في ظل الموسيقى، والقصيدة التي انتقلت إلى الغناء لم تعد قصيدة في حدودها، أصبحت عملاً آخر، مثلما تتحول الرواية إلى فيلم، من عمل مقروء إلى عمل منظور. فأقول إن الذين يقولون: هناك تكرار نفس لا، وإنما هناك تكرار بعض الالوان، بعض الصفات، بعض إلالماحات، لأنها كانت في الأعمال الأولى ناقصة، وصارت في العمل الجديد أوفي أو أشمل غرضاً. فليس هناك ما نسميه تكراراً نفسياً، ولا هناك من يكرر نفسه، وإنما الشعراء الذين ينقطعون أو النقاد الذين يتابعون بعجز يقولون إن فلاناً بدأ يكرر نفسه ولم تعد مؤلفاته الروائية تستحق النقد لأنه يكرر نفسه، ادرس لماذا كرر نفسه، وبيِّن وجه التكرار، الناقد الحقيقي يفعله كذا.
> على ذكر الشعر الغنائي، قرأنا في إحدى الصحف (اليمنية) أن مطربة عربية من الجزائر ستغني لك قصيدتين؟
– لا أذكر أن واحدة طلبت مني، ولا أنا قدمت لأي مطرب. عندي فكرة أساسية أن القصائد التي تُغنىِ هي القصائد الوسط وليست القصائد القمة. مثلاً أم كلثوم تغني لأحمد شوقي «ولد الهدى»، «نهج البردة»، «أيها النيل»، لكنها ما غنت جياد شوقي مثل «مصائل الايام»، «أعلى الممالك» (حول شكسبير). القصائد الجياد تستعصي على الغناء وتظل متفوقة على نَفَس المغني وعلى رؤية الملحن. القصائد الجياد لا تُغنى؛ أولاً لأنها صعبة، وثانياً لأن الجمهور يحتاج اللغة العادية التي تمثل التجارب العادية، مثل «أيظن أني لعبة بيديه؟ أنا لا أفكر في الرجوع إليه»، يمكن أن تقولها 20٠ أو 1000 زوجة في كل يوم، فكرة عادية، صورة مستهلكة. «اليوم عاد كأن شيئاً لم يكن وبراءة الاطفال في عينيه»، تجربة عادية، تقولها امرأة غاضبة من زوجها أو زوج غاضب من زوجته، وفي كل بيت لهذه التجربة صدى أو صورة منها.
 الشاعر الغنائي يختلف اختلافاً موضوعياً. لعبدالرحمن الأبنودي ١٥ ديواناً ليس فيهما قصيدة غنِّيت، لأنه يرى أن قصيدة الغناء عادية، يكتب عنها وهو يمشي، أو يقولها قبل أن «يخلِّص» فنجان القهوة، لكن القصيدة التي للشعر ومن قواعده وملكوته تستعلي على التغني. حتى في الشعر القديم عندما يروي لنا صاحب كتاب «الأغاني»: غنى الموصلي صريع الغواني أو غنى ابراهيم المهدي لفلان، تجد أن الأبيات التي تغنى أقل تجربة من تجارب الشاعر نفسه، مثلاً تُغنى لعمر ابن أبي ربيعة قصيدة:
 ليت هندٍ أنجزتنا ما تعد
وشفت أنفسنا مما تجد
واستبدت مرة واحدة
إنما العاجز من لا يستبد (…)
فتضاحكن وقد قلن
«حسن» في كل عين من تود.
فهذه تجربة المرأة كل يوم، الذي يحبها يراها أجمل النساء، لأن الحب يخلق الجمال، وليس الجمال هو الذي يخلق الحب.
> مع هذا أنت تتوغل في الغموض كلما تقدمت في العمر أو مرت بك التجربة. هناك من يربطه بالقمع، والأستاذ البردوني معروف بشجاعته؟
– لا يفسر الغموض بذلك، كلما تقدم الشاعر في العمر تزايدت أفكاره وتزاحمت تجاربه، وصعُب عليه كتابتها بوضوح، فهو غموض الأصالة وغموض تعقد الأفكار وليس غموض المفردة، وأظن أن الشاعر يعرف مسؤوليته. القارئ يجب أن يحرِّك أكتافه ويهز عضلاته ويستعد لأن يتثقف، لأن الأدب السهل لا يعطي إلا تجربة سهلة، أعظم الوجبات صعبة الهضم، لكن الوجبات الخفيفة موجودة في كل مكان. أتصور أن القصائد المغناة أو القصائد (العادية) التي هي كالسندويتش، سهلة الهضم وسهلة التناول. لكني أريد من القارئ أن يتحرك وجدانياً وأن يعيد (القراءة) وأن يحاور ويعيد المحاورة والتكرار. ليس هناك صعب، كنت مطبوعاً على الشعر القديم، يعني نشأت عليه وقرأت يمكن عشرات الدواوين، وعندما بدأت في الخمسينات أقرأ الشعر الجديد كان صعباً عليَّ، ثم قلت: ليس هناك صعب. كررت ثم كررت حتى بدت لي فكرة أن الذي لا أفهمه هو جيد، والذي هو في مستوى فهمي هو رديء. يجب أن تقرأ ما لا تفهم حتى تفهم.
> لماذا لم تعد هناك قصائد توزع كالمنشورات السرية، وأين ذلك الشارع العربي الذي لم يكن يميِّز بين القصيدة والقنبلة؟
– لا. كان هناك مجتمع محدود، وكانت المشاكل المعيشية سهلة، وعندما تضخمت مشاكل الحياة أصبح الناس مفقودي الوعي، قارئاً ومؤلفاً. هذه بسياسة ذات بعد وذات دراية في النفس والمجتمع.
> هل للإعلام دور؟
– للإعلام دور، لكنه مضلِّل.
> لماذا أخذت علي بن زايد كقناع لشهاداتك في ديوانك الأخير؟
– لأن الثلاث السنوات الأخيرة ما احتكمت إلى الشعب في وحدة أو عدم وحدة، ما احتكمت للشعب في حرب أو عدم حرب، ولهذا حُكم على الشعب بما يريد الفرد، فأنا اخترت، علي بن زايد على أساس أنه رمز للشعب ويجب الرجوع إليه.
> ما موقفك من دعوة البعض إلى تجسير العلاقة بين المثقف والامير؟
– لا يمنع أن يكون الأمير مثقفاً، بل أكثر الأمراء أقدر على التثقف، لأنهم يملكون أغلى الكتب ويجدون أحسن الاوقات للقراءة، هذا إذا كانوا أمراء مثقفين، لكن الوزراء الذين صعدوا من الشعب كانوا خارج الوزارة مثقفين، وعندما أصبحوا وزراء أصبحوا مجرد موظفين ليس لهم علاقة بالثقافة ولا بالفهم.
> في أشعارك الكثير من المفردات المحلية والاشتقاقات اللغوية وأسماء مناطق يمنية، هل تضع القارئ العربي في الاعتبار لحظة إبداع القصيدة؟
– نعم. مثلما أنا أقرأ في الشعر العربي أماكن لا أعرفها، وبفضل قراءة الشعر أعرفها. عندما أقرأ «جيكور» في شعر السياب أعرف أنها قرية، وأنا أكتب عن أماكن يمنية (كي) يعرفها القارئ العربي لأنها تأتي متناسقة مع التجربة الشعرية وتأتي الأسامي المكانية في أمكنتها التي لا يمكن أن تكون إلا لها، فهناك تهيئة وإحكام لوضع اسم المكان، لأنه أكثر ايحاءً وأعلى إشارة وأبعد مرمى. فهم القصيدة لا يتوقف على المكان. يمكن أن يكون في قصيدتي عشرون اسماً، وذلك لا يعوق القارئ العربي عن فهمها، فالشعر يجب الاّ يعرَّف بنفسه فقط، وإنما يكون باباً إلى معارف من وراء معارف الشعر.
> العقاد قرأ شخصية ابن الرومي من شعره، هل تعتقد أن بالإمكان في المستقبل أن يُقرأ التاريخ اليمني من خلال قصائد البردوني؟
– لا. يمكن أن تقول حياتي من خلال شعري.
> لكن هناك رصد وتاريخ غير مفصل في شعرك؟
– قد يشكل الشعر تجربة تاريخية، قد يكون دليلاً للمؤرخ، قد يكون مسبراً يسبر به الأشياء، لكن أن يشكل تاريخاً لا، لأن الشعر تاريخ يؤرخ من الداخل، والتاريخ فن يؤرخ من الخارج، فالشعر في ذاته هو تاريخ من الداخل، لكنه تاريخ النفوس، تاريخ العواطف، تاريخ التجارب. فإذا قلنا إن العقاد كتب عن ابن الرومي «حياته من شعره»،: فالحقيقة أن هذه السيرة تظل ناقصة، لكنه بفضل كثرة شعر أبن الرومي، الذي قال عن كل شيء وبكل شيء، حتى أن ديوانه هو أطول ديوان في الشعر العربي، يمكن أنه كشعر المتنبي أربع أو خمس مرات، فلأن ابن الرومي كان يقول عن كل حالة وعن كل مشكلة، وعن كل أمنية، وعن كل موجعة، له سبع قصائد تتحدث عن الجراد التي أكلت حقله:
لي حقل صب عليه الجراد
وأتاه قبل الحصاد الحصادُ
وكذلك عندما مات أولاده، رثا الاول ورثا الثاني ورثا الثالث، وكان على رثاء الثلاثة مع كل واحد بعاطفة خاصة، وكأنهم لم يكونوا أولاده، وكأنهم لا تجمعهم أبوة وأمومة. ابن الرومي كان شاعراً عريض الرؤية، جيد الحصيلة اللغوية، ممتاز الكلمة والرؤية والمعنى، حتى أنه يفصِّل البيت الواحد إلى ثلاثة أبيات، لأنه كان سيئ الظن بالقارئ، ويحس أن عنده ما يفيد وأنه يجب أن يوصل ما عنده إلى القارئ (إلى حد أنه) كان يبطل المعنى من كثرة تفصيله بأبيات لاحقة.
العقاد عندما تناول ابن الرومي كان موفقاً، لأن في شعر ابن الرومي ما يشكل جملة حياته. الشعر الجيد الذي قاله ابن الرومي كان وليد لحظات، لكن الشعر الذي يشكل الحياة يكاد لا يتميز به أو يتفرد به أي شاعر غير ابن الرومي، ومش ممكن أن قصائدي أو قصائد الدكتور المقالح تشكل حياتنا، لأننا نشعَر عند لحظات استثنائية وعند غيبوبة ضبابية وعند احتمالات شعرية، يعني الشعر عندنا وليد لحظات حبلى وليس تكريس حياة أو تدوين حياة، بينما شعر ابن الرومي يمكن أن يشكل سيرة ولكن سيرة ناقصة، لأن السيرة تعتمد على وثائق، على مقومات تاريخية، على حركة الجيل من حول الشاعر، على الجو السياسي حول الشاعر، على (الوضع) الاقتصادي، والاضطهاد في حياة الشاعر، ابن الرومي شمل كل هذه الآفاق كما يشملها الكاتب، مع هذا يظل كتاب «ابن الرومي حياته من شعره» في حاجة إلى شيء من الوثائق، فالشعر صار في تكراره وثائقي عند العقاد، والعقاد كما تعرف يكتب من وجهة نفسية وليس من وجهة تأثرية.
> في توضيح للسؤال: التاريخ يكتبه الحكام أو المنتصرون كما يقال…؟
– (مقاطعاً) يكتبه المتطلعون والمتابعون والمهتمون بالناس، الحكام لا يكتبون تاريخاً وإنما يخلقون مراحل قهرية، والقهرية تزول بزوال القاهر.
> تساءلت في كتابك «الثقافة والثورة في اليمن»: لماذا يوثِّق مركز الدراسات والبحوث اليمني للثورة بشهادات معاصرين للأحداث ولا يستكتب مؤرخين لهم تجارب في كتابة التاريخ؟
– نعم. لأن الشاهد غير المؤرخ، كل جيوش بريطانيا وامريكا وروسيا ما عرفت كيف حاربت في الحرب العالمية الثانية، لكن المراسلين العسكريين والمدونين للتاريخ هم الذين كانوا يفسرون كل حركة، وكان هناك ضابط سياسي مع كل جيش ومع كل فرقة.المحارب يعرف أنه يحارب، لكن المؤرخ هو الذي يسجل حروبه، كيف تسلسلت، وكيف انتكس هنا، ولماذا انتصر هنا، ولماذا انهزم هناك، ولماذا غلب غيره في مكان آخر… المؤرخ هو هذا، مش الذي ساق الدبابة عليم بالتاريخ وله حس تاريخي.
> «جوَّاب العصور» ماذا يقول في عصر السلام والشرق أوسطية؟
– جواب العصور جاب التاريخ وليس عصر اليوم.
> ونحن في عصر اليوم، الشاعر بمقدوره أن يتنبأ بالمستقبل بما يمتلك من مخزون معرفي وبروحه الشفَّافة؟
– هو يمتلك من ناحية الرصد التاريخي للوقائع واستخلاصها واستنطاقها، ويمكن على ضوء ما حدث يرى ما سوف يحدث. بالنسبة لجواب العصور، هو بطل من أبطال القصائد، «زيد الوصابي»، هو الانسان العادي الذي جاب التاريخ من أوله إلى آخره إلى أن وصل إلى أسوأ مرحلة، هي مرحلة الاستخبارات ودول المخابرات وكثرة المتساقطين، ثم السقوط السياسي. والذي يصطنع مخابرات هو المجرم الذي يستحق مخابرات تكشف سيئاته.
الحقيقة أن «الوصابي» كان نقاداً، اكتشف المخبر واكتشف بائع القات واكتشف المتلصصين، واكتشف الخادعين والمخدوعين، هذه قيمة جواب العصور، لأنه فسر لماذا يكون الانسان خادعاً ولماذا يكون مخدوعاً، ولماذ لا يكون البشر إلا خادعاً ومخدوعاً، وظالماً ومظلوماً، وحاكماً ومحكوماً.
> تكلمنا عن التنبؤ والرؤية، أين ترى العرب في القرن ال21؟
– ما لي دراية بكل العرب حتى أستطيع أن أقول عن العرب. أقول إن الساسة لا يعلمون، لكن المثقفين متفاوتو المعرفة بالمستقبل، لا بد أن هناك من يرصدون الاحداث. كان قسطنطين زريق يكتب كتابة «نحن والمستقبل» بعد كتابة «نحن والتاريخ»، فعندما وصل إلى الصفحة 200 من الكتاب، اشتعلت حرب لبنان، فقال في آخر كتابه: «إني أكتب هذا الكتاب لمستقبل لبنان، وهذه الحرب العاصفة والمجنونة تدمر كل شيء، حتى لا نكاد نتصور للغد مدخلاً، لكن لا بد أن نتفاءل أن هناك وراء الحرب عالم سوف يجد، ويخرج من الحرب معافى لكي يصلح الغد الأجمل».
 الحقيقة أنني أتنبأ تنبؤات لا أقصد بها التنبؤات الزمنية أو المستقبلية، وإنما أقصد بها إشارة معينة مثلما في قصيدة «الحاكمون» في ديوان «في طريق الفجر»:
ايا من شبعتم على جوعنا
وجوع بنينا ألم تفهموا
ألم تفهموا غضبة الكادحين
على الجوع لا بد أن تفهموا
بعد أن قامت الثورة قالوا: البردوني قال كذا، وأنا قلتها ماناش متنبئ بثورة، إلا أنني متأكد أن لكل عقوبة مُعاقب ولكل مضحٍّ بالناس من يضحي به، لأنك تجد للقوي أقوى وللعنيف أعنف، وتجيء قوى من فوق حسبانه ومن خلف ظنونه.
> بالمناسبة أنت هاجمت حركة ١٣ يونيو عند قيامها، لكنك بعد استشهاد ابراهيم الحمدي أوفيتها حقها؟
– ما كان التغير من قبلي، كان التغير من قبل الحركة نفسها. هي عندما قامت قامت بالمشائخ، وقامت ضد عبدالرحمن الارياني بس، ولو أن عبدالرحمن الارياني كان أذكى من المشايخ وخلاهم كلهم يستقيلون، لأنهم كانوا ما يشتوه إلا وحده (يستقيل)، وكانت الحركة في أولها تآمرية، ثم تجاوزت التآمر وعرفت أن الشعب أبقى، فقيامها كان عن تآمر لكن نهجها كان شعبياً فيما بعد، فالذي تغير هو المرحلة.
> استاذ عبدالله، دافعت عن أدونيس في حادث فصله (بزعم التطبيع)؟
– لا دافعت ولا عاديت، إلا أنني قلت إن إخراجه من الاتحادات العربية (القومية والقطرية) عبث، لأنه لم يدخل أي اتحاد، ولا ينتمي إلى أي اتحاد، فما فائدة أن نخرج الذي لم يدخل؟!
> هناك دعوة للتطبيع، وأدونيس…؟
– (مقاطعاً) التطبيع الثقافي قائم بدون دعوة، مثلما نقرأ الأدب الفرنسي أو الأدب الألماني والأدب الروسي، نقرأ الأدب الاسرائيلي، أكثر الذين تقرأ لهم من الامريكيين هم صهاينة واسرائيليون، ما أدراني من هو همنجواي! يمكن هو صهيوني، لكن في امريكا لا أحد يتساءل من هو الاسرائيلي ومن هو الامريكي.
– قبل الوحدة كان هنا في اليمن سجال في الصحف حول الديمقراطية وارتباطها بالقبلية، وأن اليمن يمكن أن تتحول إلى سودان أو لبنان، وكان لك رأي بأن الحزبية مرحلة متقدمة ممكن أن تتجاوز القبيلة؟
– لا. كان رأيي أن الحزب جزء من القبيلة وشباب القبيلة.
> لا، كان رأيك أن العمل الحزبي لم يرتد إلى القبيلة؟
– عندما حدثت التعددية ارتكبت أمور بدون دراية الشعب وبدون دراية الأحزاب، هل تستطيع أن تقول إن التعددية (الحزبية) راضية بالحرب، هل أحد راض باقتلاع الجنوب؟ لا. لو كانت الأحزاب أحزاباً حقيقية لما فُرضت عليها الحرب، وها هم الآن يريدون إشغال الناس بالمؤتمر والإصلاح. أحزاب لا تشكل معارضة ولا تشكل حكماً، لا تظن أن المؤتمر أو الإصلاح هو الذي يحكم، الذي يحكم هو علي عبدالله صالح، لأن الحكم عندنا رئاسي وليس وزارياً، يريدون إشغال الناس بالمؤتمر والاصلاح، الحاكم واحد، ليس حزبين أو أربعة أحزاب، وليس هناك أية معارضة، المعارضة ما تحرِّك مظاهرة إلا بإيحاء من الرئاسة.
> أقصد هل بالإمكان أن تتجاوز الأحزاب القبيلة؟
– الاحزاب التي يمكن أن تنبثق من هذه الاحزاب، أما هذه الاحزاب فقد تكونت على هذا التكليس وتكونت على هذه السلبية، وطبعاً (استبدت بها) مسألة القات ومسألة المصاريف. هناك فلوس وراء الطاعة، وراء أن يحسنوا القبيح أو يقبحوا الحسن. قد يكون هناك أفراد جيدون لكن ليس هناك أحزاب جيدة.
> لماذا كان عبدالناصر القائد الوحيد الذي خلدته في شعرك؟
– كانت مواقفه شعبية، ومواقفه من مواقف الشعوب، ولأنه كان زعيماً بكل المقاييس، وكان شعبياً بكل المقاييس، وكان ثوريا بكل المقاييس، لأنه كان أكبر من مرحلته. ولو تطورت فترته في صورة تنظيم أو نظام لكان لليمن وللعرب جميعاً مستقبل غير (الذي حدث)، لو امتد عهد عبدالناصر في شكل تنظيمات وفي شكل أنظمة تخرج إلى المناطق الزمنية المختلفة وهي معبأة برأي مسبق وبرأي متصور لكان أفضل. وعندما حكم كان عنده خلفية ثقافية، الثقافة تخلق الساسة. مثلاً عبدالناصر قال إن «قصة مدينتين» هي التي خلقت في نفسه بذرة الثورة. وقال أيضاً إن قصة توفيق الحكيم «عودة الروح» حركت فيه الحس الثوري. كان عبدالناصر قوة ثقافية علاوة على كونه قوة سياسية. صحيح كان له هفوات صغيرة، كثقته بالضباط، وكان يقول إن الثوار هم المسؤولون عن الثورة يجب أن يتزعموها، فكان يبعث لكل مسألة خطيرة في سوريا أو في مصر ضابطاً عسكرياً، وهي مسألة تحتاج لأكبر سياسي، فهذه طريقته في الاعتماد على الثورة والثوار. لكن ليس عليه هنات كبيرة، فما عرف بصفة الجلاد ولا عرف بالعدوانية ولا عرف بإراقة الدماء. هناك واقعة كتبها انور السادات في كتابه «البحث عن الذات» أنه قيل لجمال عبدالناصر أن (الملك) فاروق أبى أن يغادر القصر فهل نقصف القصر، قال: لا، آخر من يخاف هو فاروق، وإنما في البيت ثلاثون نفساً وآخرون، فحاصروه حتى يستسلم للأوامر.
> بعد كارثة الحرب الأخيرة هل لديك فسحة أمل في أن يستعيد البلد عافيته؟
– لا. في الحقيقة الأمر يحتاج وقتاً ووقتاً جيداً، مش وقت من هذا «الزمن المخلبص»، الزمن السيئ، إذا جاءت ظروف أفضل فيمكن، لكنا فقدنا قوة كانت جاهزة وقادرة على أن تخلق سياسة وتقود، ولكن الآن يحتاج بذرة من جديد تنبت، أما الذين سبقوا سواء من المحاربين أو المحروبين، الغالبين أو المغلوبين، يكاد أن يكونوا قوة أكلت بعضها بعضاً.
> هل لما جرى صلة بالاتفاقية الاخيرة مع المملكة التي سميت بمذكرة التفاهم؟
– لا. هذه جديدة، لأن الوحدة كانت مؤامرة على الشعب اليمني كله، فنجح الشق الأول، وكان بضرب الجنوب. وهذه الاتفاقية هي وسيلة ثانية لضرب الشمال وضرب الجنوب، لأن المرحلة واحدة.
> الوحدة كانت مؤامرة على اليمن!
– نعم.
> ولكنها تخدم الشعب اليمني في المدى البعيد؟
– أيوة بتقتيل الناس!
> بالمدى البعيد تاريخياً؟
– ما في من الخراب إلا الخراب، وما في من الفساد إلا الفساد.
> هل تعتقد أن الوحدة مهددة بالانفصال؟
– الانفصال قائم، من ظن أن الوحدة قائمة فهو غير حساس وغير مبصر أيضاً، لأنه في غالب ومغلوب، في يمن محتل بفرد، وفي يمن محكوم بفرد، والحكم كله فردي. ربما أنها (الوحدة) قائمة نظامياً، لكن عندما تشوف النظام ما مقوماته كنظام ستقول مش قائمة نظامياً ولكنها قائمة بالعنف. مع أن الحكم لا يحكم أي جهة يحكمها، عنده أن الشعب موظف عند الحاكم والصحيح هو العكس أن الحاكم موظف عند الشعب.