يمانيو المهجر.. صراع الهوية وقسوة اللا إياب – أنور العنسي*

يمانيو المهجر.. صراع الهوية وقسوة اللا إياب – أنور العنسي*

مهاجرون في جميع جهات الأرض وفي مجاهل كل القارات، مغتربون في أقاصي الدنيا، وغرباء في شوارع العالم، يكدون تحت شموسه اللاهبة، ويكدحون في صقيع أمطاره السوداء… يمانيون عند كل منعطف وتحت كل سماء، عابرون هنا مقيمون هناك، قدماء وجدد، عمالٌ، بحّارةُ، ومهنيون بارعون، عزّت عليهم لقمة العيش في الوطن، شأنهم شأن أطباء، مهندسين، ذوي خبرات وكفاءات علمية أخرى استضعفها التسلط ودفع بها الاستبداد قسراً بعيداً عن الدار والأهل والوطن.
ينتشرون في كل زمان لا زمن فيه

مهاجرون في جميع جهات الأرض وفي مجاهل كل القارات، مغتربون في أقاصي الدنيا، وغرباء في شوارع العالم، يكدون تحت شموسه اللاهبة، ويكدحون في صقيع أمطاره السوداء… يمانيون عند كل منعطف وتحت كل سماء، عابرون هنا مقيمون هناك، قدماء وجدد، عمالٌ، بحّارةُ، ومهنيون بارعون، عزّت عليهم لقمة العيش في الوطن، شأنهم شأن أطباء، مهندسين، ذوي خبرات وكفاءات علمية أخرى استضعفها التسلط ودفع بها الاستبداد قسراً بعيداً عن الدار والأهل والوطن.
ينتشرون في كل زمان لا زمن فيه لهم، تتوزعهم مدن ومجتمعات لم تكن يوما لهم، ولن يكونوا في الغالب أبداً لها أو جزءا من نسيجها. بعض هؤلاء يصيب حظاً في الغربة، بينما تذوي في الصمت حيوات غالبيتهم، ويطوي القهر أعمارها في لفائف التيه والنسيان. في مغترباتهم، الممتدة من أقصى الغرب الأمريكي إلى أرخبيلات اندونيسيا والصين، تحزنك حكاياتهم، ويحز في نفسك راهن أحوالهم؛ فأخبار الوطن الطافحة بحوادث القتل والعنف والاختطاف وفضائح الفساد والتسيب والفوضى، لا تبدو مشجعة لبعضهم على العودة مجازفا بما بات يلوي عليه من تعب العمر وكد السنين. بينما تزداد معاناتهم أكثر في جحيم عالمٍ متغير تشتد فيه ضغوط العيش في كثير من بلدانه، وتتبدل فيها النظرة إلى الأجنبي حتى وإن كان يحمل العقيدة والمثل والأفكار ذاتها. في أحد أكثر الأحياء عنصرية، في ليفربول شمال غرب بريطانيا، اخترقت رصاصات الكراهية قبل أسابيع جسد عبده سعيد الصلوي، اليمني الوديع، صاحب دكان بيع الصحف. انشغلت الصحف البريطانية بالأمر حتى تم اعتقال الجاني. لكن الحادث مرّ على الصحافة اليمنية كما لو أنه لا يعني أحدا. لعل مقتل عبده سعيد ذكّر بموت يمنيين عديدين اغتالهم عنصريون ولصوص مجرمون في هارلم وبروكلين وشوارع خلفية أخرى في نيويورك وبافلو وشيكاغو وسان فرانسيسكو، ولم يسمع أحد ماذا جرى بعد. أما المهدرة آدميتهم وحقوقهم من يمنيي المهجر فلا تكاد تخلو منهم سجون الدنيا ومعتقلاتها بدءاً من غوانتانامو، حيث يقال إن السلطات اليمنية ترفض استلام العشرات منهم لتبقيهم ورقة في مناوراتها السياسية مع واشنطن، إلى سجون أكثر بلدان الجوار العربي، وحتى اريتريا ودويلات أمراء الحرب في الصومال..!! آلافُ الشابات والشبان اليمنيين يكابدون في مغترباتهم -بقسوة بالغة- أزمة هوية، وصراعاً مزدوجاً، بين الانتماء إلى ثقافة وقيم بلدان المهجر، أو التشبث بتقاليدهم وبهويتهم الأصلية. ليس ثمة مساعدة من سفارات أو مراكز ثقافية لبلادهم في المهجر تعينهم على مواجهة ذلك. الشعور بالانتماء إلى الوطن يبدو آخذاً في التلاشي لدى أبناء صديقي الأكاديمي في إحدى جامعات ويلز. “لا جدوى من أخذهم كل سبت إلى مدرسة عربية في لندن، فلا أمل أن يعودوا في يوم ما للاستقرار في اليمن”. هكذا بمرارة يقول هذا الصديق. أما زميلة مثقفة تقيم في أمستردام فتقول ابنتها ذات العشرين عاماً بعد أن عادت من اليمن برفقة والدها وأخيها: “ثمة واقع غامض ومستقبل مجهول. لا ندري إلى أين سنعود!”.
هنا وهناك ترى شيوخاً طال بهم الغياب عن اليمن، وتقطعت بهم سبل الإياب إليه. ما إن تجلس إلى جوار أحدهم حتى يلفك شريط ذكرياته في دوامة من الأحزان والشجون. أخاديد وجه الحاج (ق. ع) تحكي قصص 45 عاماً من عذابات الغربة في شرقي كينيا. لكن الأسوأ من الآم الغياب عن الوطن، كما يقول، صعوبة العودة إلى وطنٍ “يتربص بك فيه المتسلطون والغرماء ولصوص الأراضي وأدعياء الثأر منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها أقدامك أرضه”. مغترب يمني آخر لا ينسى في ختام تذمره من أحوال البلد أن يردد “لكنه وطن”. أما أستاذ جامعي حاصل على الجنسية الأسترالية فلا يزال شعاره منذ زمن “لا مكانة ليمني في وطنه!”. يؤكد هذا عالمٌ صديق آخر هاجر إلى أمريكا ونال شهادتي دكتوراه من أفضل جامعتين فيها، لكنه عاد من اليمن إلى مغتربه خائبا، إذ لم ترق شهاداته لبعض المتنفذين في دوائر المحسوبية والمحاباة. يتمتم بقوله: “لا يهم هناك (في اليمن) ماذا تعلمت وماذا تعرف، المهم هو: من تعرف؟”! قبل سنوات في مارسيليا جنوبي فرنسا ترك عجوز يمني رائع التحق بالجيش الفرنسي في جيبوتي في ثلاثينيات القرن الماضي وتعرف أثناء خدمته العسكرية في فيتنام بحاكمها الفرنسي المتمرد الرائع الروائي الشاعر وعالم الآثار أندريه مالرو، ترك هذا العجوز في ذاكرتي كلمات عصيةً على النسيان: “نهاجر كي لا نقتتل على كسرة خبز. نحن قومٌ لا نحتاج إلى حربٍ كي ننزح”!!
* كاتب وصحافي مقيم في بريطانيا