مختفين قسرياً: المهدي معتقلاً في الأمن السياسي.. هي: الجزمة والشرابات والشال.. المحطوري: الأجهزة الأمنية هي السبب في حرب بني حشيش.. عضو لجنة الوساطة الرئاسية في الحرب الثالثة وأحد علماء الزيدية مخفي قسرياً منذ يوليو الفائت.. عيون لا تعرف النوم وضمائر نائم

مختفين قسرياً: المهدي معتقلاً في الأمن السياسي.. هي: الجزمة والشرابات والشال.. المحطوري: الأجهزة الأمنية هي السبب في حرب بني حشيش.. عضو لجنة الوساطة الرئاسية في الحرب الثالثة وأحد علماء الزيدية مخفي قسرياً منذ يوليو الفائت.. عيون لا تعرف النوم وضمائر نائم

طفله محمد ما يزال بانتظار الحليب منذ سنة ونصف، وزوجته لم تترك جهة حكومية مرموقة إلا وطرقت بابها للسؤال عن زوجها
 المهدي معتقلاً في الأمن السياسي

هلال الجمرة
[email protected]

اراد عبدالقادر المهدي (38 عاماً) أن يلبي صراخ طفله محمد (6 أشهر). خرج إلى البقالة المجاورة لشراء حليب يسدُّ به رمق طفله الجائع.
لكن الحظ لم يحالفه في تحقيق رغبة طفله. في منتصف الطريق باغته 5 مدنيين، قذفوا به إلى سيارتهم «حبَّة» وطاروا به صوب المجهول.
كابَدَ «محمد» الجوع والعطش لساعات، منتظراً أباه، دون جدوى. بعد ساعات طرق باب منزله (شقة في عمارة يملكها المرتضى المحطوري) أحد جيرانه حاملاً نبأ غياب المهدي  إلى زوجته هنا العلوي وطفلتيه (البتول 11 سنة، مريم 8 سنوات) اللتان ضجَّتا بالبكاء عند تلقيهما الخبر. لم تعتد الأسرة غياب عائلها الذي يعمل مدرس رياضيات في مدرسة حكومية بأمانة العاصمة، وكذا مدرساً للمذهب الزيدي في مركز بدر (الذي يدرس المذهب الزيدي والعلوم الشرعية)، وظلت عاجزة عن القيام بأي تصرف.
وحسب مقربين لعبدالقادر فقد كان معتدلاً وهادئاً وعقلانياً، ملتزماً في عمله كما تضيف زوجته: «كان يقوم من نومه فجراً لأداء الصلاة ثم يدرِّس طلابه في مركز بدر وبعد ذلك يداوم في وظيفته الحكومية».
لم تستطع الزوجة استيعاب ما حدث. حينها استعانت الحائرة في أمرها، بالمرتضي المحطوري (أستاذ المهدي ومربيه)، باعتباره؟ صاحب فضل على الأسرة. فهدأها قائلاً: «لا تقلقي يا بنتي».
لكن قلقها النفسي لم يتوقف. تقول: «نفسيتي كانت تزداد سوءاً.. محبطة خائبة الأمل، أتساءل في نفسي: ماذا يحل به في تلك الزنازين؟ ماذا يأكل؟ ماذا يشرب هل يعذب؟».
طرق عباس المهدي (والد عبدالقادر) أكثر من جهة أمنية مدة 3 أشهر. دون طائل. إلى جانبه كان المحطوري، السند الأقوى الذي اعتمدت عليه أسرة عبدالقادر، يبذل قصارى جهده لكشف مصير عبدالقادر. بعد 3 أشهر من اختطاف مدرس الرياضيات تمكن المحطوري من معرفة مكان تلميذه البارع. حدَّد له الأمن السياسي موعداً لزيارته.
والتزاماً بموعد ما بعد ال3 الأشهر أخذت «هناء» أطفالها الثلاثة لزيارة والدهم المختفي قسراً، آملة أن ترضي بذلك أطفالها وزوجها.
في ممرات الأمن دب الخوف في عروق «هناء» المتلهفة لرؤية زوجها حياً، لكنها واصلت السير نحو الغرفة التي دُلت عليها. كان عليها أن تشق لها طريقاً للوصول إلى شباك الزيارة، الذي يبتعد 3 أمتار ويضجَّ بالزوار. شاهدت الزوجة عبدالقادر وإلى جواره عسكري يوزع نظراته بين المعتقل وزائريه، حتى أنه لا يعطيهم فرصة للبوح أبعد من «كيف أنت؟ كيف حالك؟»، قالت هنا.
10 دقائق في الأسبوع، تجد فيها «هناء» نفسها وكربتها في الوقت ذاته، وهي الفترة التي يتاح لها فيها زيارة زوجها والاطمئنان عليه، إن لم يكن البكاء عليه، كما تقول.
تواجه الأم استفسارات محيِّرة من أطفالها الذين ألفوا الاسترخاء على حضن والدهم الذي يفتقدونه.
منذ بداية حرب صعدة في 2004 والأجهزة الأمنية تنفذ حملة اعتقالات طالت الهاشميين والزيديين، استمرت حتى بعد إعلان رئيس الجمهورية انتهاء الحرب. وما يزال بعض هؤلاء مختفين قسرياً ولا تعلم أسرهم شيئاً عن مصيرهم.
يعاني أطفال «المهدي» المنتظر عذاب ومرارة البعد. تقول الأم: «أطفالي يصرخون بأعلى صوت: يكفي إلى هنا، أفرجو عن أبينا».
وتشكو من تدهور حالته الصحية وامتناع جهاز الأمن السياسي من إدخال «الفواكه والحلويات والعصائر»، إلى زوجها.
على الرغم من تلقي أسرة عبدالقادر وعود عدة بالإفراج عنه إلا أنه ما يزال في زنازين الأمن السياسي في العاصمة.
 

***
 
اعتقل بعد زواجه ب50 يوماً وسلَّمَ أفراد الأمن ممنوعات كانت
 بحوزته إلى زوجته في أول زيارة له بعد 3 أشهر
هي: الجزمة والشرابات والشال
 
 ودَّع عبدالله اسماعيل الشريف المولود (1979) قريته شبام كوكبان وأسرته قاصداً مركز بدر لتلقي العلم الديني. أكمل تعليمه الدراسي (إعدادي وثانوي) في المركز وتخرج من كلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء وحصل على درجة ليسانس بجدارة.
لقد استقر عبدالله في المركز وكان يزور أسرته بين الحين والآخر.
منتصف ديسمبر 2006 تزوَّج عبدالله الشريف من ابنة العلامة علي العماد. عاش الزوجان أياماً سعيدة مالبثت أن بددها الأمن. فبعد 50 يوماً على زواجهما خرج الزوج لاداء صلاة الجمعة ولم يعد حتى الآن.
في 10 فبراير 2007 حملت الزوجة لعبدالله نبأً ساراً: قالت له إنها حامل. لقد أسعده ذلك جداً. لكن سعادته لم تطل، فبعد 6 أيام حدثت الكارثة: أختطف الزوج من أمام مركز بدر بعد أداء صلاة الجمعة.
كانت الزوجة مضطربة جداً فهي لم تعهد تأخره مثل هذا اليوم منذ زواجهما. في ال2 عصراً زادت مخاوفها، تقول: «اتصلت بكل أصحابه من تلفونه، لأنه ما أخذش معه إلى الجامع، وقالوا مش موجود».
لقد سلَّم عبدالله على بعضهم لكنه أخبرهم بأنه سيتغدى في البيت. وفي لحظة صاعقة، تلَّقت الزوجة خبر اختطافه من المرتضى المحطوري الذي أبلغه شخص بأنه رأى «سيارة تأخذه من الشارع».
قالت إن هذا الشخص وصف للمحطوري هيئة عبدالله وكانت مطابقة تماماً. أيقنت الزوجة أنه في الامن السياسي، فتحركت صحبة وأمها وأختها عصراً إلى مبنى الجهاز وسألت عن زوجها المختطف منذ ساعات، وهناك دلوها على غرفة الاستعلامات في الجهاز لكنه نفى وجوده. بحثن عنه في الأمن القومي، ثم في البحث الجنائي إلا أنهن لم يظفرن بمكانه. عُدنَ إلى الأمن السياسي ثانية، فردَّ موظف الاستعلامات بأن الدوام انتهى وعليهن أن يضعن اسمه ومعلومات عنه ويرجعن في صباح اليوم الثاني. فشلت الزوجة في محاولاتها لكنها لم تستسلم بل عاودت الطوف على باب الأمن السياسي الذي نفى وجوده في كل مرة سألت عنه.
تقول: «جيت بعد 3 أشهر وقالوا خلاص ندخل له الأكل فقط وبعد أسبوعين زرته». كان مرهقاً ومنهكاً مما جعل زوجته تزداد خوفاً وقلقاً على صحته التي تلاحظ بأنها تتدهور في كل زيارة. كانت الزوجة تتوق إلى الافراج عنه قبل أن تضع مولودهما البكر استفسرت الأمن السياسي عن سبب اعتقاله أو التهمة الموجهة إليه، فأجابوا أنه «بريء ولا يوجد عليه شيء»، مبررين استمرارهم في اعتقاله: «بس تحفظ لفترة ونفرج عنه».
في أول زيارة سلَّمها العسكر الممنوعات التي كان يرتديها الشريف؛ تقول: «سلَّموا لي الجزمة والشرابات والشَّال وقالوا أنها ممنوعات»، ومنعوا إدخال ملابسه حتى بداية 2008 سمحوا بتبديل الملابس «عندما ندي له بدلة ونأخذ الذي فوقه ونرجعها».
مرَّت فترة الحمل شديدة الوطأة على الزوجة التي تترقب عودة زوجها من «الجامع الأمني» الذي تلقت منه وعوداً بإخراجه من المعتقل. طلب الأمنيون من عبدالله الإمضاء على تعهد ليتم الإفراج عنه، فلبى طلبهم. لكنهم نكثوا بالوعد. تقول الزوجة: «ساءت حالته الصحية والنفسية. ويتساءل عن سبب امتناع الأمن عن إخراجه كما وعدوه وأخرجوا أربعة من ضمن المحتجزين تحفظاً».
قبل عام تلقى عبدالله نبأ ارتزاقه بمولوده البكر وهو في سجنه. لقد حلم بأن يسمي الولد«مجد الدين»؛ فأسمته زوجته كما أراد.
اعتقل والد مجد الدين بعد زواجه ب50 يوماً وبعد أن بُشر بحمل زوجته ب6 أيام فقط، والآن أصبح عمر «مجد الدين» سنة كاملة ووالده ما يزال معتقلاً خارج القانون. تتساءل الزوجة: «متى سينتهي تحفظ الجهاز الأمني على زوجي بعد أن وعدوني بالإفراج عنه عندما كنت حامل».
 

***
 
المحطوري: الأجهزة الأمنية هي السبب في حرب بني حشيش

لقد صنفت الأجهزة الأمنية مركز بدر بأنه أصبح موطناً معزولاً لأولئك الذين «يتشيعون للمذهب الزيدي والمتشددين من الهاشميين»، قال المرتضى المحطوري عندما التقته «النداء» قبل أسابيع. فخلال الحرب شنَّت الأجهزة الأمنية حملات اعتقالات واسعة شملت عدداً من الأطفال والشباب والشيوخ في معظم محافظات الجمهورية وكذلك مدرسي ومحققي وطلاب مركز بدر لتعليم القرآن.
وحسب المحطوري (العالم الزيدي المعروف وصاحب مركز بدر) فقد كان مخططاً لاستيعاب شباب عاطلين عن العمل لتأهيلهم «للخطابة وتأهليهم يكونوا علماء يفتوا، يقسموا، يعقدوا. لكن يعلم الله أن اللي يعمل الخير ومعتمد على الله وعلى سواعده مثلي يعرقلوه ويفتكروها أشياء في عقولهم». كانت المرارة واضحة على وجه المحطوري وهو يعدِّد طلابه الضحايا الذين عملوا معلمين ومحققين مخطوطات لديه قائلاً: «مثلاً عبدالقادر المهدي هو عال وهو ضد الحوثي وانا ربيَّته وعلمته من صغره» قبل الانتخابات الماضية استأذن عبدالقادر أستاذه ومربيه لقيادة حملة انتخابية لصالح مرشح المؤتمر حافظ معياد، فأعطاه الإذن وقبلها عبدالرحمن الأكوع والآن مسجون سنة ونصف بدون تهمة لكنهم (المرشحين) لا يحملوا أي معروف أو وفاء».
عندما بدأت الحرب في صعدة مطلع 2004، بدأ المركز في التدهور والإنهيار: قُتِلَ بعض كوادر وطلاب المركز في الحرب، وسجن آخرين، فيما انجر البقية من طلاب المحطوري إلى العمل «مخبرين»، وفقاً لتصنيف المحطوري الذي تمنى في الآخير أن تكون في تقارير طلابه المخبرين 1٪ فقط صواب لأن الكذب أصبح مائة مليون٪». قال.
إلى عبدالقادر المهدي يذكر المحطوري تلميذه «عبدالله الشريف» الذي اعتقل قبل عبدالقادر بثلاثة أيام في 16 فبراير 2007 عندما كان بجوار المركز قائلاً: «عبدالله الشريف كنت أدي له مكافأة من عندي وزوجناه كان قد تخرج من الجامعة وما لقي له عمل وخليناه عندي يحقق في المخطوطات». واستغرب من تصنيفه كرجل خطير قائلاً: «هه.. ما قد لبس جنبيه أو يعرف يفجع دم وقد كلَّمت عليه الرئيس وقال لي أنه بايفرج عنه والآن قد عمر ابنه سنة وهو احتبس بعد زواجته ب50يوم».
وحمل المحطوري علي الرئيس في اعتماده على الأجهزة الأمنية ممثلاً على ذلك بحرب بني حشيش التي نشبت قبل أشهر يقول: «هم السبب في حرب بني حشيش لأنهم كانوا عندي طلاب بيدرسوا وجلسوا بعدهم.. بعدهم.. وأنا أحذرهم (الطلاب) انتم أهل حكمة ادرسو ولاتصدقوا لهذي كلها (الحرب) لكن الأمن.. خبرة الرئيس أرغموهم ونشَّروهم من صنعاء إلى بلادهم بسبب المضايقات وساروا قرَّحوها». وزاد: «وانهم (الأمن) بيتنبعوا: هو الدكتور المرتضى المحطوري هم طلابه».
وبَّرأ نفسه من ذلك الاتهام قائلاً: «وأنا أيش أسوى قلنا لهم (للأجهزة الأمنية) خلَّوهم يدرسوا. وأنها ما بش فايدة وفلَّتوا الدراسة».
وأوضح أن الأمن السياسي اتجه بعد ذلك نحو المدرسين والعاملين في مركز بدر وقام باعتقالهم.

***
 
عضو لجنة الوساطة الرئاسية في الحرب الثالثة وأحد علماء الزيدية مخفي قسرياً منذ يوليو الفائت
 
 احتاط عبدالله حسين المؤيد (55عاماً) أحد علماء الزيدية البارزين في مديرية ضحيان بصعدة، من الانخراط في الحرب، بل هو من أشد المعارضين لها. عند اندلاع الحرب انتقل المؤيد المولود في ضحيان بكامل أفراد أسرته وقرَّر الاستقرار في صنعاء منطقة الجراف متفادياً بذلك تصنيفه على أي من طرفي الحرب.
وحسب زوجته فقد عمل المؤيد لسنوات مدرساً في وزارة التربية والتعليم ثم انتقل إلى التدريس في المعهد العالي للقضاء إلى ما قبل الحرب الثالثة.
حينذاك كان المؤيد قد انتدب من قبل الدولة ليكون عضواً أساسياً من أعضاء لجنة الوساطة الرئاسية في الحرب الثالثة. ولا بد أن المؤيد كان محل ثقة الدولة التي اختارته، لكن تلك الثق العالية تحوَّلت بعد أشهر إلى نقطة سوداء.
مساء ال2 من يوليو الفائت، قال عبدالله المؤيد لزوجته إنه خارج لأداء صلاة المغرب في الجامع لكن الوجهة تغيرت بشكل قسري: أوقفت إرادة وتفعلت إرادة الجهاز الأمني الذي أخفاه عن أسرته حتي يومنا، وفقاً للزوجة.
باتت الزوجة تقاسي وحشة الليل الطويل، منتظرة عودة زوجها:
طلبته على الهاتف أكثر من مرة في الليل دون جدوى. سألت اقرباءه وأصدقاءه فردَّوا بأنهم يجهلون مكانه. أنقشع الليل لكن صباحها لم يشرق بعد.
تحسرت زوجته عندما زارت مكتب الصحيفة ظهر الاثنين الفائت قائلاً: «المؤلم أنهم اختاروه في الوساطة واليوم أصبح مخفي مع أن الدولة عارفة لموقفه ضد الحرب والدليل اختياره في الوساطة».
تتأرجح في خيال الزوجة احتمالات الحياة والموت، وتترقب اللحظة الجميلة التي سيعود فيها عائلها.
هدأت الحرب فعادت أسرة عبدالله المؤيد إلى بيته في ضحيان لأنها لم تشعر بالاستقرار النفسي في صنعاء. قبل اعتقاله لم ينزل عبدالله المؤيد عند رغبة أسرته وفضل الاستقرار في صنعاء لأنه لم يعد يطيق العيش في مسقط رأسه. خاصة وأنه يعاني وجعاً في القلب وقد قرر له الأطباء الاستمرار في استخدام الدواء، بحسب المواعيد.
سألت الزوجة في جهاز الأمن السياسي لأكثر من 25 مرة ما إذا كان زوجها معتقلاً لديهم. فكان الردَّ واحداً: لا يوجد لدينا.
مع هذا تناشد الزوجة رئيس الجمهورية ووزير الداخلية رؤوساء الأجهزة الأمنية الافراج عن زوجها أو التصريح عن مكان اعتقاله والسماح لها وبقية أسرته بزيارته.
 
 
***
 
عن المخفتين قسراً على خلفية حرب صعدة
عيون لا تعرف النوم وضمائر نائمة متى تصحو؟
 
سكينة حسن زيد

تخيل أن أباك أو ابنك، أخاك أو شريك حياتك، خرج ولم يعد، لم يودعك ولم تودعه، لم يحمل معه أغراضه التي يحتاجها، لم تتصالحا إن كنتما على خصام! هذه ليست قصة حزينة تقرأها قبل أن تنام، ولكنها قصص مؤلمة ومرعبة، أبطالها ناشطون حقوقيون كان جُلُّ همهم تحسين أوضاعنا والدفاع عن حقوقنا التي تنتهك، أو دعاة إلى الله. وضحاياها أسرهم وأحباؤهم، الذين ما عادوا يستطيعون النوم حتى لا تهاجمهم الكوابيس فيدخلوا في دوامة من المجهول.
أبطالها تغيبوا عن منازلهم طويلاً. لم يكن تغيبهم بإرادتهم، كما لم يعد قرار العودة بأيديهم. عموماً ليس هذا موضوعي، ولكني أتحدث عن أسر وأحبة هؤلاء المختفين قسرا، ما ذنبهم؟! كم أمًّا لم تعد عيناها تعرف النوم؟ كم زوجة كذلك؟ من المحتمل أن بعض الأسر والأهالي لم تكن متوافقة مع اتجاهات ذويها أو نشاطهم، إن كان لهم نشاط. ولكن المؤكد الآن أن هذه الأسر جميعاً ما عادت من أنصار نظام، أسلوبه حرم عيونها من النوم وحوّل حياتها إلى جحيم من نوع خاص.
ما زلنا نؤمن بإمكانية التنمية والنهوض بمجتمعاتنا. ومن أهم الشروط احترام أدنى حقوق الإنسان وحفظ كرامته وصون أمنه. ولا يزال الأمل باقياً بأن تنقذ الوطن ثقافة مستنيرة وعقول متعلمة تحترم إنسانية المعارض لها، وأكثر انفتاحاً على الآخر، وأكثر تقبلاً له، تعمل بأسلوب أكثر ذكاء ومرونة، وتعمل بقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: “ما داخل الرفق شيئاً إلا زانه”. حتى لو أخطأ هؤلاء الشباب فهناك أساليب أكثر إنسانية للتحقيق معهم أو عقابهم، لا أن تعاقب الأسرة بكاملها بالقلق والخوف لشهور لا تعلم مصير ذويها ولا تستطيع الاطمئنان على حياتهم وصحتهم.
ومن الخير أن نعلم أن من مكفرات الكبائر “إغاثة الملهوف”؛ ومن أكثر لهفة من أمٍّ مفجوعة بولدها، وبنت لا تعلم إن كانت سترى والدها من جديد أم لا، وزوجة وأخت أعياها التنقل والتوسل بين أبواب المؤسسات والشخصيات، وأكثر ما تتمناه من الدنيا هو الاطمئنان على فقيدها.
إننا نناشد فخامة الأخ الرئيس، باسم جميع ناشطي حقوق الإنسان، أن يوجه بتغيير أساليب التعامل مع الناشطين في مجالات السياسة وحقوق الإنسان، لتشجيع النضال السلمي وتعزيز ثقافة الديمقراطية التي يتبناها فخامته.
متى تنام أم ياسر الوزير؟
لم ترَ أسرة ياسر الوزير ولدها منذ شهور، ولم تُبلَّغ بمكانه. وغاية ما يطلبونه الآن هو رؤيته والاطمئنان عليه وتزويده بما يحتاجه من غذاء ودواء وملابس.
كذلك أسرة لؤي المؤيد، الذي يعاني من فيروس في الكبد، ولم يصل إليه الدواء حتى الآن. والحالة الصحية الحرجة للعلامة محمد مفتاح. وخالد الشريف الذي لم تجف عينا والدته منذ غاب إلى المجهول وغاب معه شعورها بالأمان والحياة. ومعين المتوكل، و… و… اللهم فرِّجْ همَّ جميع الأسر، ولا تدخل علينا شهر رمضان إلا وقد نامت جميع العيون، إنك سميع مجيب.

***
 

كُلّما سألتهم: وين لؤي؟ قالوا: في وجوهنا، هو في مكان كذا!
 
ندى المؤيد

توجه لؤي المؤيد، ذو الثلاثة والعشرين ربيعا، إلى كلية الشريعة، التاسعة صباحا تقريبا، حيث كان ينتظر خروجه نخبة من رجال الأمن “الأشاوس”، بعضهم باللباس المدني، والبعض باللباس الرسمي؛ لا أدري لما التنويع! هذه التفاصيل علمتها فيما بعد، المهم، لؤي لم يمسه أحد، إذ كان المسؤولون عن الاعتقال لا يميزون بين لؤي وأخيه الأكبر نزار، 29 ربيعا، عندما عرف المعتقلون (بكسر القاف) أنهم إنما اعتقلوا الأخ وليس لؤي نفسه، فأزالوا الحجاب عن عيني نزار ليلتفتوا صوب لؤي المصاب بفيروس الكبد “بي”! وقد كان ما كان. إن كان لؤي متهما فكان الأجدى بالسلطة أن يعرفوا على الأقل شكل أو حتى أوصاف المجرم!
وهذا استدل على أن الاعتقال وقع على شخص بريء في الأساس. ليست لديهم أي معلومات عنه عدا الاسم والعنوان!
هذه البداية.
النهاية: أين لؤي؟
لم يعد لؤي،
منذ 30/ 6/ 2008، بيننا!
في الأيام الأولى كنا نعيش على وعد “الفندم” الذي وعدنا أنه سيطلق بعد يومين. مقابل هذا الوعد سلمنا لؤي لهم. وفي اليوم نفسه سلمناهم علاجه وجهازه المحمول.
وشرعت استعد لاستقبال أخي بكل ما قد يتخيله خيالكم.
اليومين أصبحت أسبوعين!
أين لؤي؟
قالوا بعد وساطات و ملاحقات و”جنان”: عند جهة كذا.
فانهارت الدموع؛ لماذا؟
قالوا: لا نعلم.
– طيب كيف صحته؟
قالوا: لا، بخييييييييييير!
ولا نعلم متى سيخرج، لكن “في وجهي!
ثم أن المكان “كذا” أفضل بكثير من “كذا -2″ أو”كذا – 3” أو “كذا – 4”!
تمضي الأيام ولا يخرج لؤي، ولا نعلم كيف حاله. فنتوسط بفلان آخر. بعد الجهد يرد:
لا تقلقوا! لؤي عند “كذا – 2” وليس “كذا”.
فانهرنا: لماذا؟
قالوا: لا نعلم.
– طيب كيف صحته؟
قالوا: بخيييييييييييييييييييير!
لا نعلم متى سيخرج لكن “في وجهي!”.
ثم إن المكان “كذا -2” أفضل بكثيييير من المكان “كذا” أو “كذا- 3” أو “كذا 4”!!!
فنتساءل: هل هو متفق مع الوساطة الأولى؟ لا يمكن.
تمضي الأيام ولا يخرج لؤي، ولا نعلم كيف حاله. فنتوسط ب… القصة يستطيع القارئ معرفتها منعا للإملال.
وتمضي الأيام ونحن نصدق الوعود الزائفة والآمال الكاذبة.
وكل يوم نستعد لخروج لم يقرر بعد!
صارت أحلامنا، أو بالأصح كوابيسنا لا تحمل إلا موضوعا واحدا: لؤي. فتارة هو بيننا، وأخرى تصنف ضمن الكوابيس.
إلى اليوم غياب لؤي قارب الشهرين، ونحن بكيس علاجه ندق كل باب ونعيش على أي أمل.
أهذا أمن؟!!