محمود درويش.. الشاعر الذي لن يموت – عبدالباري طاهر

محمود درويش.. الشاعر الذي لن يموت – عبدالباري طاهر

تغيب الشمس ويبقى أثرها عميقاً في الكون، ويتوارى القمر ولكن ضوءه يبقى.
تنفي الشجرة البذرة وتنفي البذرة الشجرة، ولكن الشجرة تبقى والبذرة لا تفنى.
كثيرون يموتون أحياء «وكثير ما هم» ولكن المبدعين «الشعراء» ينسربون في وجدان الناس وينصهرون في أفئدتهم وضمائرهم، وخلايا الأدمغة وكريات الدم ليخلدوا.
يعيشون بالناس وللناس، يتنفس البشر إبداعهم هواء نقيا، وحباً أزلياً، وقضايا لا تفنى ولا تبلى، وأمل لا يموت. هل مات المتنبي، هل انتسى طرفة بن العبد أو عروة بن الورد. أو الخيام أو الشيرازي أو طاغور أو حكمت أو يزودا أو لوركا أو إقبال أو رسول حمزاتوف أو الزبيري أو البردوني. لكن الطغاة يموتون، والاحتلال إلى زوال.
أما الشاعر محمود فإنه حي كالإبداع وخالد كألف صباح. ودائم الحضور كالطيف.
محمود ابن النكبة التي تناسل بها ومنها الاحتلال الصهيوني، والهزائم العربية الماحقة، ومن رحمها الولود والمشئوم توالد كالظلام الاستبداد العربي الحاكم.
أمتزج محمود بنكبة فلسطين حد الحضور والوعي بالذات. قرأ تفاصيل كتاب النكبة، وفصول تاريخ الأرض التي ملأت ذاكرته وضميره ووجدانه. إدراكه العميق يعني أن تكون أرض الرسالات السماوية: اليهودية والمسيحية والإسلام، محور صراع قوى الاحتلال والاستعمار. ربط عميقاً بين الديمقراطية والقومية والعدل، وسخر من خلق عداوات ساذجة ولا عقلانية بين هذه الرسالات العظيمة. فهو يدرك الفرق بين الصهيونية واليهودية، وبين ريتا وشارون.
انتماؤه اليساري الباكر حماه من الدجما ومن التعارض بين ما هو خاص وما هو عام بين الوطني والقومي؟ الحرية والعدل.
حمل في ضميره وتلافيف دماغه تاريخ فلسطين: أنبياءها، قتلتها، فتوحاتها، انكساراتها.
جبالها ووديانها وبناتها. غنى أوراق الزيتون ومنذ البداية أعلن: «لم أمت»
آمنت بالحرف إما ميتا عدما
أو ناصباً لعدوي حبل مشنقة
آمنت بالحرف ناراً لا يضير إذا
كنت الرماد أنا أو كان طاغيتي
فإن سقطت وكفي رافع علمي
سيكتب الناس فوق القبر: لم يمتِ.
رحل محمود رافعاً علم فلسطين، وتخلى كما فعل رفيقه «إدوارد سعيد» عن عضوية المجلس التنفيذي كرد على اتفاقيات مدريد وأوسلو.
النفس الغنائي حتى الإبكاء في قصائده مرده إلى امتلاء وجدانه بالمأساة
يا دامي العينين والكفّيْن
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقية
ولا زرد السلاسل
نيرون مات ولم تمت روما
بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلة تموت
ستملأ الوادي سنابل.
غناؤه الدامي تعبير عن عميق كارثة شعبه وأمته. فهو جرح بمدى هذا الوطن الممتد من الماء إلى الماء. أدرك محمود أن هذا الوطن الممتد باتجاهاته كلها ليس أكثر من مشنقة:
ومن اليمين إلى اليمين إلى الوسط
شاهدت مشنقة فقط
شاهدت مشنقة لمليوني عنقْ.
ومحمود يرمز بالمليون للمائتين والخمسين مليوناً عربياً. هذا العاشق من فلسطين يغني عيونها شوكة في القلب. توجعه ويعبدها، ورؤية هذا المبدع ما تزال نبوءةً في ضمير الآتي:
هكذا يصبح الصليب
منبراً أو عصا نغمْ
ومساميره وترْ
هكذا ينزل المطرْ
هكذا يكبر الشجرْ.
رحل درويش وهو يحن إلى خبز أمه وقهوتها ولمسة يدها الحانية، وهو يرفض الموت خجلاً من إسالة دمعتها.
نكبة شعبه ومعاناة بلده وتشريده في كل المنافي قد علمته الصمود فعزف:
«مليون عصفورٍ على أغصان قلبي تخلق اللحن المقاتل».
في معزوفاته نبوءات كاثرة وفاجعة، هذا العاشق لفلسطين حتى الفداء يتخوف من أن يقوم العدو الاسرائيلي بتسليمه إلى أهله. ومن يكون أهله غير الأردني والسوري أو المصري أو حتى الفلسطيني: فتح أو حماس حالياً؟. معاناة الفلسطيني مزدوجة ومركبة، فهو يعاني من الاحتلال ومن تهويد الارض وطمس الهوية، ومن التشريد والنفي وتقطيع أوصال الارض، ونسيجها بالجدران، ويعاني في نفس الوقت من حصار إخوانه العرب المحيطين والبعيدين، وامتدت معاناته إلى وجود كيانين قامعين لإرادته وحريته وأمانيه الانسانية (وأسلمنا العدو إلى أهالينا).
استطاع قلب الشاعر أن يحمل أرضه بجبالها ووديانها:
وأنا أعجب للقلب الذي يحمل حارة
وجبالاً كيف لا يسأم حاله. يرفض الشاعر الموت، ويغني للفرح:
 وليكن
 لا بد لي أن أرفض الموت
 وأن أحرق دمع الاغنيات الراغبة
 وأعري شجر الزيتون من كل الغصون الزائفة
 خلف أجفان العيون الخائفة
فلأن العاصفة
وعدتني بنبيذ.. وبأنخابٍ جديدة
وبأقواس قزحْ.
تختزن قصيدة درويش أحزان شعب بكامله. فقصيدته الأسى والجرح النازف على مدى أكثر من نصف قرن. وميزة محمود وهو في ذروة المأساة أنه لا يفقد الأمل، وقد أشار إلى ذلك في نثره الرائع والذي هو بحاجة إلى الدراسة والبحث، وافتتاحاته لمجلة «الكرمل» وكتابه عن الوطن ويوميات الحزن العاري تدلل على مقدرة كبيرة وملكة إبداعية مدهشة.
وقصيدة «لا تنامي حبيبتي» التي غناها الفنان «مرسيل خليفة» تعكس هذه الروح:
عندما يسقط القمرْ
كالمرايا المحطمة
يكبر الظل بيننا
والأساطير تحتضرْ
لا تنامي حبيبتي
جرحنا صار أوسمةْ
غنى درويش أزهار الزيتون وأزهار الدم، وغنى «كفر قاسم» وعلى المواويل الشعبية، وأهازيج الفلاحين. وتظل الميزة الأهم في ملاحم درويش مقدرته الابداعية على التجديد إلى أرقى مستويات إبداع القصيدة الحديثة، والمحافظة على التوصيل للذائقة الشعرية العربية والانسانية. فمحمود من قلائل من الشعراء استطاعوا تحقيق إبداع في القصيدة يرتفع به إلى مستوى كبار مبدعي القصيدة الحديثة، وهي نخبوية في عالم الأمية الأبجدية والمعرفية، وأن يصل بهذه القصيدة إلى الملايين. فقد حقق، أو جمع طرفي معادلة لا يستطيع الجمع بينهما إلا عبقري مبدع كمحمود.
محمود الذي قبل الصبية ريتا. وغنى «والذي يعرف وتاريخي رئاينحي» لإله في العيون العسلية.