مروان الغفوري: الزنداني يعالج مرض الايدز على طريقة أبي نواس

مروان الغفوري: الزنداني يعالج مرض الايدز على طريقة أبي نواس

يحدث أحياناً أن تمر في شارع جمال، بصنعاء. على الطرف المقابل لك يمر شاب وسيم، بسكسوكة أنيقة وبنطال جينز ضيّق. ينظر إليك بود غريب. وقبل أن تفهم ما الذي يحدث، يلوّح إليك بيده اليمنى، بينما تحتبس سيجارة غالية الثمن في يده اليسرى. آهٍ، لو كانت معلوماتي عن السجائر كافية!
 أنتَ تتذكره الآن، يا إلهي! إنه الشخص نفسه الذي رأيته صباح هذا اليوم في جامعة الإيمان يتلقّى جرعته المائة، الجرعة العلاجية التي من المفترض أن تحمله خطوة جديدة في اتجاه الشفاء.. قال يعني! لم تكن تعرف صباح هذا اليوم طبيعة مرض هذا الشخص حين رأيته لأول مرّة. بيد أن صديقك المصاب بفيروس الكبد الوبائي، الذي ترافقه أحياناً في رحلاته الصباحية إلى الجامعة، أكّدَ لك أنه قرأ اسم هذا الشخص وبجواره: الحالة إيدز.
ماذا تتذكر الآن؟ الشخص الآخر، الذي بادلك التحية نفسه منذ يومين في حديقة السبعين، وهو يتأبّط فتاة تبدو عيناها البنيّتان وحسب، وحيّاك بالدرجة نفسها من الود على طريقة: إن المصائب يجمعن المصابينَ. أنت لستَ مصاباً بالإيدز، إذ كل ما في الأمر أنك مجرد فضولي، تذهب أحياناً إلى جامعة الإيمان لمشاهدة هؤلاء الناس المصابين الذين حسبوك بحسن نية واحداً منهم. صديقك الذي رافقته لمرات عديدة في هذه الرحلات الفضولية يحكي مواقف مشابهة. عن الفلسطيني الذي يسكن في الدور الرابع في مبنى مجاور له، السعودي الذي يقضي يومين من كل أسبوع في إب، والعماني الذي يعرف كل سنتيمتر بين عدن وصنعاء. كل هذه النماذج تزور جامعة الإيمان بشكل دوري لجرعاتها المقررة من علاج الإيدز. وغالباً ما يتحدّث جيرانهم عن أن الأشرطة “المخلّة” التي عرضها مؤسسو ملتقى الفضيلة على رئيس الجمهورية هي من بطولة هذه النماذج التي تزور جامعة الإيمان للخلاص من الإيدز. لقد سبق أن زارت هذه النماذج البشرية كل العالم والتقطت فيروس الإيدز –نقص المناعة المكتسبة– بالبطّال وغير البطّال، وها هي تفد على صنعاء للخلاص. وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا. صنعاء التي لا يهمها ما إذا كان فيروس الإيدز يخرج حتى مع زفير الوافدين على مطارها الدولي. صنعاء تعنى بشيء واحد فقط، ألاّ يكون بحوزتك وأنت تجتاز حواجز المطار منشور ورقي فيه صورة فوتوغرافيّة على الغلاف ليست شديدة الأناقة للسيد الرئيس، أو مقالة حادة عن اليمن الجديد كتبها شخص مصاب بعاهات اليمن القديم إلى الآن.
يقول مريض الإيدز في لاوعيه: بالمرّة، لا بأس من تأديز خلق الله عملاً بمبدأ الحقد البشري الفطري (ايش معنى إحنا؟). فالمصاب والمكلوم مسكون عادةً بموقف احتجاجي ضد الكون والأقدار وغير المصابين. ويردد في خلوته: الموت مع الجماعة رحمة. في الوقت نفسه، يرشّح المجتمع موقفاً احتجاجيّاً شرساً ضد المصاب بالإيدز، ويتم التعامل معه كمثل بعير طرفة ابن العبد، الأجرب (وأفردت إفراد البعير المعبّد). بمعنى أن المصاب بالإيدز تجري عملية تغيير سريعة لهيئته الاجتماعية من قبل الآخرين بحيث يبدو في النهاية كما لو كان لعنةً سقطت سهواً من مكانٍ بعيد. هذا النفي الاجتماعي العنيف للمصاب بالإيدز يحصد موقفاً ضد اجتماعي، بحسب قانون نيوتن الأول، من قبل المصاب تجاه الجماعة البشرية التي تحيط به. عند هذه المعركة التحتية المعقّدة يمكن أن نفهم إصرار الكثيرين من مرضى الإيدز على أن يصيبوا في طريقهم أكبر قدر من البشر، بتوافرهم على قصد جنائي من الصعب تجاهله. تحوّل عدواني على مستوى السمة الشخصيّة.
أنت تتذكر الآن زواج المصياف، وتستمع بقرف إلى قصص مليئة بالدراما والجنس بعض أبطالها من مريدي الشيخ الزنداني، من قاصدي الشفاء على يديه. لستُ متأكّداً من هذا الحكم، لكن دعونا نتساءل: ماذا لو أنّ حالةً واحدةً فقط من حالات الزواج المختلط كانت مصابة بالإيدز؟ تشترط وزارة الداخلية فحصاً طبيّاً من طالب الزواج غير اليمني، لكن ما يحدث هو أن طالب الزواج لا يذهب إلى وزارة الداخلية طلباً لموافقتها إلا بعد أن يضع العرُس أوزاره، بأثر رجعي. واسألوا أمناء وزارة العدل!
ثمّ مشهد مليء بالسخرية والإحباط: شيخ الفضيلة الجليل يهمّه في الوقت الراهِن البرهنة على نجاعة علاجه، لكي يلتفت الناس إلى كتاب الله، بحسب تبريره الشخصي لعشقه لاختراعه الخاص. وهو للمسؤولية العلمية اختراع ناجع إلى حدٍّ بعيد بحسب معلوماتي ومتابعاتي لجملة الفعاليات العلمية التي أقيمت حول هذا العلاج، بالتحديد من خلال استماعي لمناقشات د. حسني الجوشعي، دكتوراه في طب الأعصاب من جامعة دندي باسكتلندا، ود. صدقي حسن.
ولا يهم بعد ذلك –طبقاً لما يحدث على الأرض- ما الذي سيحدث لخلق الله في صنعاء وغيرها بسبب وجود بؤر للإيدز معدية وعدوانية تتزايد يوميّاً. فالشيخ يطلب من المرضى فقط الالتزام بالجرعة العلاجية، مصحوبة بموعظة خفيفة عن العفاف لا تهزّ قلباً ولا تزعج فيروساً. أما موضوع الحجر الطبي الإجباري للمريض طيلة فترة العلاج في كانتونات مغلقة لحين الخلاص من الفيروس ثم إعادة دمجهم في المجتمع الرافض لوجودهم، هذا الموضوع ليس ملحّاً بالنسبة للشيخ الزنداني. سيعثر أفراد حراسة الفضيلة في الغد على امرأة تمارس الرذيلة خارج إطار الزوجية، وبدلاً من إرسالها للنيابة أو جرجرتها لغرف الحسبة الخاصة، فإنه من الملائم والإنساني والأخلاقي أن يتم اصطحاب هذه المرأة إلى الشيخ الزنداني لتلقي العلاج اللازم للقضاء على فيروس الإيدز. وبالمرّة، عليها أن تأخذ الجرعة الدوائية نفسها التي يأخذها عشيقها في عيادات الشيخ الزنداني منذ وصوله إلى اليمن، قبل ثلاثة أشهر.
ماذا لو تخيّلتَ معي هذه الصورة السينمائيّة: بقعة حمراء غاية في الصغر في خريطة كبيرة. البقعة الحمراء هي مصاب بالإيدز، والخريطة الكبيرة هي اليمن الكبير. بعمل “ريفرش” على الصفحة، تكتشف أن البقعة الحمراء أصبحت الآن عديداً من البقع الحمراء في أكثر من مكان على الخريطة الكبيرة. بعد قليل تكبُر البقعة الحمراء في الحجم، وتزيد في العدد، وتخترق مناطق جديدة بسبب التجوال الحر والمستمر لحاملي الإيدز الأثرياء في المناطق اليمنية. اليمن تحت رحمة فيروس الإيدز، هذه هي صورة الخريطة النهائية في وقت قياسي.
يعتقد الشيخ الزنداني أن فترة العلاج لا بد أن تتجاوز الثلاثة أشهر، كحد أدنى. وهو ما يعني إعطاء كل مريض إيدز فرصة وافية للعمل كبؤرة نشطة في المجتمع اليمني لا ترحم، والحسابة بتِحْسِب. يأخذ المريض الجرعة ثم ينطلق في تفاصيل المجتمع اليمني: الفنادق المشفّرة، المطاعم، المتنزهات، المراقص، الشواطئ، صالونات الحلاقة، الباصات، المشافي، المقاهي، المباغي السريّة، حفلات الأعراس… وصولاً إلى الزواج من يمنيّات تحت إغراءات المال والسماسرة. هل يمكن أن يكون مريض الإيدز خطراً على الوجود البشري “أكتر من هيكـ”! الإجابة باختصار: شو بدّك أكتر من هيك! وبمناسبة الحكي أعلاه وأدناه وعلى “جنابة”، يبدو موضوع الزواج المختلط والإيدز غير ذي بال حقيقي. البال يقع هناك، في التواصل غير الشرعي، التواصل الذي دفع بمجموعة من الشيوخ إلى ديوان رئيس الجمهورية للبحث عن وسيلة، اقترحوا أن تكون هيئة ما، تمنع هكذا تواصل جنسي غير شرعي وغير أخلاقي. يخافون من غضب الله على مجتمع سيكثر فيه الخبث والخطيئة، ولم يسبق أن سأل أحدُهم نفسه: إذا لم يكن هذا الفيروس غضباً، فما هو الغضب؟ وكنتيجة للسؤال: من أولئك الأحصنة البلقاء التي سيعبر من خلالها هذا الغضب الكوني إلى المجتمع اليمني؟ لن يكفي أن نقول: إن هيئات وظيفيّة، الدولة، تتساهل مع موضوع بهذه الدرجة من القسوة والأهمية هي هيئات وظيفية عابثة وغير جديرة بحراسة شأن عام، وما يوم حليمةٍ بسر. وأبعد من ذلك، إنها تتعامل معه بطريقة ديماغوجية، شعاراتيّة، هدفها خداع الجهات الداعمة لمشروع مكافحة مرض الإيدز عن طريق إجراءات شكلية غير عميقة مثل شعار ملصق على عمود إنارة، أو نافذة أتوبيس نقل جماعي. لا والله! وحتى حين اختلفت هذه الجهات مع الشيخ الزنداني، في بداية مشروعه، فإن اختلافها كان كاريكاتوريّاً عبر وزير الصحّة الذي هدّد وتوعّد بالثبور وعظائم الأمور. ومبرّراً لثورته على مشروع الزنداني قال الوزير إنه لم يسمح بتجريب علاج غير مختبر علميّاً على البشر. شايفين الروح الوطنية للوزير! كان رد الزنداني أغرب من ثورة الوزير الذي لم يلتفت لجانب هام من القضية يتعلّق بإمكانية انتقال الفيروس بصورة عامّة عبر القادمين للعلاج. رد الزنداني على الوزير بقوله: امنعني وسأقول للناس إنك تمنع كلام رسول الله! لأن الرسول يقول “تداووا عباد الله”. شو هالحكي يا عمي الشيخ؟ بعد ذلك بأيام صمت الوزير إلى الأبد، فقد استطاع الشيخ الزنداني أن يتحصل على أمر واضح من رئيس الجمهورية يطالب فيه وزارة الصحّة بالوقوف وراء مشروع الزنداني حتى النهاية. وأبعد من ذلك، كما يحكي الشيخ نفسه، أن عبدالقادر باجمال تحدّث إليه بخصوص الأرباح!
أين تقع الجهات المختصة من هذا الموضوع؟ بغبائها الخلقي الذي تمتاز به معظم السلوكيّات الرسمية تجاه أي خطر يهدد الوجود اليمني، تقرأ إعلانات تحذيرية ملصقة على أعمدة الإنارة ونوافذ الباصات: احذروا الإيدز. يتساءل المواطن العادي والمشغول بلقمة عيشه: كيف يمكن أن أحذر الإيدز؟ وربما قبل أن ينتهي من سؤاله يكتشف أن الإيدز أقرب إليه من صحن العصيد! وليس مهمّاً كيف انتقل إليه هذا المرض العنيف، لأنه أصبح الآن مصاباً بالفعل، والموتُ واحدُ.
افتراضات علمية كثيرة تقول أن الإيدز غزا الكوكب عن طريق رذاذ كوني، معتمدةً على ما تعرفه هذه الفرضيات عن الشروط البيئية الصعبة التي وقفت وراء خروج الإيدز لأول مرّة للوجود. تنطلق الافتراضات لتزعم أكثر من أي وقت سابق أن هذا الرذاذ ربما أصاب قرداً، أو مجموعة قرود، وانتقل عن طريقها إلى الإنسان. لا أدري لماذا تحرص الفرضيات العلمية دائماً على اتّهام القردة بأنها أساس المعضل المرضي، ربما كمحاولة لتشويه صورة الجد البشري وتحميله عبء نسله الإنسان – بحسب دارونية النشوء والارتقاء.
إذن، قرد واحدٌ تسبب في خراب ديار أكثر من مائة مليون نسمة في العالم. بالعودة الآن إلى الخريطة الكبيرة، التي تحوي نقطة حمراء صغيرة. كيف يمكن أن تكتسح هذه النقطة الحمراء الصغيرة خريطة اليمن الكبيرة؟ على سبيل البداية، ستمثل جامعة الإيمان القردَ التاريخي الحامل للإيدز، بينما ستكون اليمن هي الكوكب الكبير. في القديم، دمر فأر سمينٌ حضارة اليمانيين، وفي الحديث سيقضي القرد على ما بقيَ من هذه السلالة البشرية.
 
مروان الغفوري
[email protected]