«حزب» حرب صعدة الكبير

«حزب» حرب صعدة الكبير


نبيل سبيع
[email protected]
 
نُذُر حرب صعدة تعود مجدداً. رياح الخميس والسبت الماضيين حملت أخباراً من طرف الحوثي تحدثت عن خروقات قامت بها مواقع عسكرية ضد اتفاق إنهاء الحرب الذي أعلنه الرئيس علي عبدالله صالح الخميس قبل الماضي. ورغم أن الإعلان الرئاسي، الذي طوى به صالح الذكرى ال30 لتوليه سدة الحكم، حمل تأكيداً صريحاً على أن المواجهات لن تعود، إلا أن احتمال عودة الحرب يبقى قائماً وطرياً في مقابل أتفاق إنهائها الذي ما يزال، هو الآخر، قائماً وطرياً ومهدداً أيضاً.
والواقع أن خبر الخروقات ليس مفاجئاً في ظل غيوم الحرب التي غطت سماء الأيام الماضية، وماتزال، منطلقة من المواقف الرافضة لاتفاق إنهاء الحرب والتي تبناها تحالف عريض من مراكز القوى العسكرية والقبلية والسياسية الدينية.
فلم يكد الرئيس صالح يعلن توصله إلى اتفاق إنهاء الحرب مع الجبهة الحوثية، حتى اندلعت حرب أخرى ضد قراره وسياساته شنها اصطفاف واسع يضم الشيخ الشاب حسين الأحمر والتجمع اليمني للاصلاح و«أطراف قوية في السلطة والجيش»، طبقاً للتوصيف الذي أطلقته «الصحوة» الأربعاء الماضي، على صحف محسوبة عليه هاجمت قرار الرئيس، وبدا واضحاً أنها تشير إلى اللواء الركن علي محسن الأحمر.
وقد تبنت أطراف الرفض الرئيسية، مباشرة وعبر أطراف ثانوية محسوبة عليها، احتفاظها بحق العودة للحرب.
 وإذْ شنت أطراف الرفض الرئيسية هذه، مباشرة وعبر أطراف ثانوية محسوبة عليها، هجوماً ضارياً على الرئيس وقراره باعتباره قراراً ضد الدستور والقانون ومصالح البلد العليا، فإنها التزمت التأكيد على أن الحرب عائدة لا محالة طالما أن «المتمرد الحوثي» لم يسلم نفسه، حدَّ ما ذهبت إليه أغلب تصريحات الأسبوعين الماضي والجاري.
ولا يبدو أن جبهة رفض إنهاء حرب صعدة تتحدث من فراغ حول عودة المحرقة المشتعلة في صعدة منذ 4 سنوات والتي اتسعت في الحرب الأخيرة إلى مناطق عديدة خارج صعدة؛ فلم يمر الأسبوع الأول من عمر إعلان السلام الرئاسي، حتى أصدر المكتب الاعلامي لعبدالملك الحوثي، الخميس الماضي، بلاغاً صحفياً تحدث عن «مقتل مواطن وجرح آخر» في حادثة إطلاق «أعيرة المضاد (37)» قام بها، صباح الخميس نفسه، «موقع قهرة الحاربة العسكري» ضد مجموعة من المواطنين النازحين العائدين إلى قراهم وبيوتهم».وأضاف حادثة أخرى قال إن «موقع غلفقان العسكري» هو المسئول عنها، وإنها أودت بحياة «طفل يبلغ السابعة من عمره كان يرعى ناقة» حدّ نص البلاغ الذي خلص إلى أن «هذه الخروقات تتنافى مع جدية السلطة في الحل السلمي».
وتكرر الأمر السبت الماضي، حيث حمل بلاغ آخر، من المكتب الإعلامي نفسه، خبر سقوط راعية أغنام بنيران مصدرها «موقع المظاليل» العسكري. وكانت بلاغات المكتب الاعلامي للقائد الحوثي، التي تولت نقل أحداث الحرب الأخيرة أولاً بأول إلى «إيميلات» الصحفيين والناشطين الحقوقيين داخل اليمن وخارجه في ظل التعتيم الرسمي الشديد على مجريات المعارك، قد توقفت عن نقل أخبار مثل هذه الحوادث منذ إعلان الرئيس حلول السلام. فهل تحمل عودتها نُذُر عودة الحرب وانتصار جبهة رفض السلام على قرار الرئيس والترحيب الدولي الذي لاقاه؟
لقد فاجأ الرئيس صالح الجميع، فعلاً، بإعلانه انتهاء الحرب. لكن المفاجأة الكبرى تمثلت في الفضيحة السياسية والوطنية التي «نعثها» هذا الإعلان الرئاسي، كاشفاً عن وجود «حزب» كبير وقوي من دعاة الحرب المستميتين من أجل استمرارها. وقد أضاء هذا الانكشاف الواسع لـ«حزب» حرب صعدة الكبير حجم شبكة المصالح التي تشكلت حول سلسلة الحرب الدامية وأمدتها بالاستمرارية منذ العام 2004. ولم يبخل هذا الانكشاف العظيم عن إظهار الأزمة الأخلاقية المريعة التي وصل إليها المجتمع اليمني، بحيث لم تعد أحزابه «الديمقراطية» ومراكز القوى القبلية والعسكرية تتحرج من الدعوة للحرب الأهلية والنضال من أجل استمرارها!
إثر إعلان الرئيس إنهاء الحرب، وصف حسين الأحمر القرار بأنه «خيانة وطنية»! وهاجمته صحيفتا «الشموع» و«أخبار اليوم»، المحسوبتان على اللواء علي محسن الأحمر، باعتباره قراراً مضاداً للدستور وقوانين البلد ودولة المؤسسات وحق الشعب اليمني في معرفة «الحيثيات الدستورية والقانونية» التي انبنى عليها القرار! وقد تبنى حزب الاصلاح، عبر صحفه بشكل أكثر وضوحاً، هذا الموقف الرافض لانهاء الحرب انطلاقاً من الاعتبارات نفسها. وجاء موقف الاصلاح مفاجئاً جداً -بالنسبة لي على الأقل- إذ كان مستبعد أن يتبنى حزب يزعم الالتزام بأطر الديمقراطية والنضال السلمي موقفاً رافضاً للسلام الأهلي أياً كانت صورته وأهدافه وأجندته.
إنها مسألة أخلاقية لا تقبل المساومة أبداً. وستظل كذلك حتى بعد أن دهسها الاصلاح، دونما اكتراث، سيراً على نهج شيوخه المنادين بـ«الفضيلة» وحرب صعدة (إلى حروب أخرى ضد المرأة والمحتجين الجنوبيين خرج بها اجتماع رجال الهيئة في 15 يوليو).
لا أدري أي «فضيلة» في الدعوة للحرب كما لم أسمع بـ«وطنية» تضاهي «الوطنية» التي يتمتع بها الشيخ الأحمر الشاب! لكن «وطنية الحرب» لن تبني وطناً سوى للشيخ حسين ورفاقه الرافضين للسلام الأهلي.
لقد ركزت المواقف الرافضة لقرار إيقاف الحرب على أمرين: انفراد الرئيس صالح باتخاذ القرار، وعدم وجود سبب أو مقدمات لذلك! وذهبت صحيفتا «أخبار اليوم» و«الشموع» في العزف على وتر «الحيثيات الدستورية والقانونية» التي انبنى عليها قرار الرئيس، وكأن قرار حرب صعدة قام على حيثيات دستورية وقانونية! كما طالبتا بحق الشعب اليمني في معرفة أسباب إيقاف الحرب، وكأن هذا الشعب اطلع على أسباب اتخاذ قرار الحرب قبل اندلاعها!
والأكيد أن الشعب اليمني لم يكن موجوداً في قرار حرب صعدة ولا في قرار إيقافها. لقد استخدمته الأطراف الشريكة في الحرب والحكم كشاهد زور لا أكثر وهو الدور الذي تلعبه أيضاً «الحيثيات الدستورية والقانونية».
ولم يختلف الرئيس صالح عن رافضي قراره إلا في تقدمه عليهم بمضمون قراره المتمثل في إنهاء الحرب وهو المضمون الذي لا يستطيع أحد الوقوف ضده مرتكزاً على موقف أخلاقي سليم. فهو (الرئيس) لم يقرر إنهاء الحرب «حقناً لدماء الشعب اليمني» كما قال. إذ أنه لم يلتفت إلى الشعب اليمني لا اليوم ولا قبله، سواء في شمال الشمال أو على الساحل الجنوبي.
وقد تعرض المحتجون الجنوبيون وقادتهم المعتقلون حتى اللحظة، للتنكيل البشع دون أن يلتفت أحد إلى دمائهم أو مطالبهم.
لقد كان قرار إيقاف الحرب جيداً وكفى. وقرار إيقاف الحرب، أي حرب، لا يحتاج إلى «حيثيات دستورية» ولا لأي أسباب أخرى، فسببه قائم في ذاته وترحب به كافة القوانين والتشريعات والأخلاق الدينية والمدنية في مختلف مجتمعات العالم والأزمنة. قرار إيقاف أي حرب لا يحتاج إلى أسباب، لأنه قرار قيمة بحد ذاته، وكان يفترض بالرئيس الاكتفاء بإعلانه دون تذكير اليمنيين بدمائهم التي «حقنها» قراره فجأة، في حين تتعلق المسألة بمعالم مرحلة جديدة من الصراع على مستقبل السلطة والثورة بين مراكز القوى التي تستمد مرجعياتها وشرعيتها من نشاط واحد وكفاءة وحيدة: الحرب.