دفع ثمن الصداقة فقدم خدمة للعنصريين.. محسن العيني بين زمنين: الطالب الغاضب ورجل الدولة الحصيف – قاسم بن علي الوزير

دفع ثمن الصداقة فقدم خدمة للعنصريين.. محسن العيني بين زمنين: الطالب الغاضب ورجل الدولة الحصيف – قاسم بن علي الوزير

ليس من شك عندي في أن الذين أشاروا على الاخ الصديق الاستاذ محسن العيني إعادة طبع كتاب (معارك ومؤامرات ضد قضية اليمن) قد أساؤا إلى الصديق العزيز- عن قصد أو غير قصد- إساءة غير قليلة الأثر.
فالأستاذ محسن- بما شغل من مناصب وأدى من أدوار- قد أصبح «شخصية» عامة معرضة -بحكم ذلك- للمساءلة والمحاسبة والإشادة والانتقاد في معرض التقويم للمواقف والأقوال والأدوار شأن كل شخصية عامة!
والكتاب المذكور صدر في مرحلة الحكم الملكي -الامام أحمد- ومحسن يومئذ طالب، والطلبة كانوا -يومئذ- يشكلون القوام الرئيسي للإتحاد اليمني الذي كان يتعرض -إذ ذاك- لهزات عنيفة من داخله وهزات عنيفة من خارجه كذلك.
وهو في كل الأحوال -كتاب تحريضي- في عداد «المنشورات التحريضية السياسية»، وطبيعة هذه الكتابات تقوم على الإثارة بما تتضمنه من أساليب لا تعتمد الموضوعية، لا تتوخى الحقائق ولا تلتزم التوثيق العلمي إن الهدف منها هو التحريض؛ ومن ثم فإن الإثارة وما يؤدي إليها من تشويه ومبالغات تستثير الحماس وتذكي الغضب هي الأسلوب المؤدي إلى الهدف؛ وبهذا تخلو من أي قيمة موضوعية حقيقية، إلا أن تكون دراسة -من الناحية التاريخية- لوعي فئة من الناس -في حيلة- بافتعالها قضايا غير واقعية، وإثارتها نعرات غير موضوعية، وانتهاجها أساليب هي ألصق بالهجاء منها بالبحث والتحليل، والتخطيط والتفسير، اتخذت فيما بعد أساساً لخط سياسي منحرف قاده وعبر عنه عبدالرحمن البيضاني، وشجبته كل القوى الوطنية وقادتها على اختلافهم، وفي طليعتهم المؤلف نفسه!
ولقد يكون مقبولاً أن يصدر مثل ذلك الكتاب من طالب معارض، في ظرف سياسي معين، يسوغ التحريض والإثارة يكون لمن يرجع إليه دليلاً على أسلوب بعض فصائل المعارضة في تلك الفترة، ومستوى التفكير والفكر عند أصحابه آنذاك ومستوى الضيق بالوضع والتطلع المشروع، بل والواجب، إلى الخلاص منه.
أما أن تعاد طباعته، في ظرف مختلف تجاوز ظروف كتابته تجاوزاً تاماً؛ وبمقدمة من مؤلفه الذي أصبح رجل دولة مسؤولاً عن كل قول يقوله أو فعل يفعله يتعلق بالقضايا العامة، فذلك قد يوحي- بشكل أو بآخر- تبني الافكار والنعرات الواردة فيه.. مع العلم يقيناً أن المؤلف الفاضل لم يمارسها فعلاً -وهو في السلطة- ويتنصل منها قولاً وعملا وهو خارجها.
وهذا بذاته هو ما أشار إليه المؤلف الحصيف في سياق اعتذاره عن إعادة الطبع لمن ألحوا عليه كما جاء في مقدمته للطبعة الجديدة، قال: «وكنت أعارض طبعه؛ لأني اعتبرته مجرد منشور سياسي» ص5، وهو اعتبار حصيف من رجل واع.
وقد تنصل المؤلف بوضوح من «التجاوزات أو الهنات» في ختام مقدمته تلك فقال: «وإذا كنت قد قبلت أخيراً إعادة طبع هذا الكتيب فقد يكون ذلك مقدمة لكتابي عن مسيرة الخمسين عاماً الأخيرة. وفي هذا الكتيب.. إذا كانت هناك بعض تجاوزات أو هنات في الألفاظ أو العبارات أو الأفكار فللشباب عذره، وللظروف حكمها» ص18.
وللشباب عذره ولاشك، وللظروف حكمها ولا جدال، ولكن ما هو العذر؟ وماهي الجدوى من إعادة طبع كتاب تجاوزته الظروف بحكمها على كل حال؟ لقد انتهى الكتاب بانتهاء مناسبته.. وقد اختلف المؤلف نفسه؛ فيما بعد مع الاستاذ نعمان، وابتعد عن الاتحاد اليمني وأصبح ممثلاً للاتحاد العمالي وعضواً في حزب الشعب المنبثق عنه، وجرت تحت الجسر مياه كثيرة أصبح معها الكتاب «مجرد منشور سياسي» كما قال المؤلف بحق، في زمن مضى وانقضى!.
وذلك ما حمل كاتباً صحفياً شهيراً، وصديقاً للمؤلف على توجيه عتاب رقيق أقرب إلى اللوم، إلى المؤلف الفاضل على إعادة طبع كتاب كهذا (سمير عطا الله- جريدة الشرق الأوسط).
إن كثيراً من الناس يسيئون من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا؛ والذين ألحوا على المؤلف قد أساؤوا إليه من حيث ظنوا أنهم يخدمونه أو يتملقونه، وهو قد أساء إلى نفسه بإعادة طبع كتاب «استجابة لإلحاح أصدقائه» يضع صاحبه في قائمة كتاب المنشورات.. ولئن جاز ذلك وهو طالب يتطلع إلى دور منتظر؛ فمن غير الجائز أن يحسب عليه وهو اليوم رجل دولة يسجل تجربة «خمسين عاماً على الرمال المتحركة».
إلا إذا كان هدف الأصدقاء الملحين هو إعادته إلى نفس المستوى، وتحجيمه في ذلك الدور، الذي يقول خصومه إنه دور الطالب الغاضب لإبعاده من سكرتارية ولي العهد ورفقته، وحرمانه من منحته الدراسية في باريس كما تردد بعض الجرائد المناوئة لأسباب حزبية ضيقة تجاوزت الحدود خلال تعرضها لكتاب الرمال المتحركة.
هل كان ذلك هو هدف المشيرين بإعادة طبع الكتاب كيداً للرجل متسترين بدعوى الصداقة له؟
فما من نتيجة لإعادة الطبع هذه إلا أن يستغله المستغلون من العنصريين ليدفعوا عن أنفسهم التهمة والإدانة بأنهم البادكون.. مستشهدين بمثل هذه الكتابات التي يخرجونها عن سياقها وظروفها كمنشورات ليتخذوا منها «سوابق» تسوغ لهم الإثم، لولاها لما حملوا وزرها وعارها وشنارها.
وقد أشار البيضاني إلى ذلك في دفاعه عن نفسه في أكثر من مناسبة.. وبالتأكيد فإن هذا يقف على النقيض من «اعتبار الماضي أساس المستقبل» -حسب قول أولئك الأصدقاء- لأن هذه النعرات ليست من الأسس في أي أعتبار من اعتبارات الماضي والحاضر، وإنما هي من العوامل المضادة لحركة التاريخ التي لا تأبه للغثاء الذي يحمله سيل الزمن.
وليس المؤلف -كما قلنا- من هؤلاء على كل حال، فليس من الحق ولا من الإنصاف أن يحمل ما لم يحمل وهو الذي لم يتورط في أي عمل أحمق من هذه الحماقات، وكان بثقافته ومسئوليته بعيداً عنها، في السلطة وخارجها!.
ومن هنا يلتقي العجب منا مع العتب من سمير عطا الله، تحية للمؤلف والذي أراد شيئاً ببراءة وأراد «المشيرون» شيئاً آخر.