عن الجمعة الدامية بوادي حضرموت – فؤاد راشد

عن الجمعة الدامية بوادي حضرموت – فؤاد راشد

 -1-
في الساعة الثامنة والنصف من صباح يوم الجمعة الفائت ظل صوت تلفوني السيار يرن حتى كاد يتفجر، وكنت أغط في النوم الذي ما برحت إليه إلا لساعات سابقات معدودات.
يوم الجمعة الماضي لم يكن يوماً كسائر الأيام.
رنين التلفون انتقل من جهاز السيار الذي يصدر عنه صوت خافت ورومانسي لا يوقظ دجاجة، إلى الهاتف الأرضي الذي يهز الدار هزاً!!
يا للمصيبة! ماذا وراء هذا الهاتف؟!
– آلو! (بصوت يملؤه النوم).
– يا فؤاد! الدنيا تحترق! صح النوم!
– ماذا؟! (وطار النوم).
أحمد سعيد عمر المشجري، الحضرمي الأصل، السعودي المنشأ، فعلها!
في الساعة السادسة إلا دقائق حاول بكل رباطة جأش أن يقتحم معسكر الأمن العام الواقع بمنطقة القرن بمدينة سيئون وادي حضرموت، بسيارة من طراز كيا 2003، محملة بطن من الديناميت، وينقر –حين يكون في وسط المعسكر وبين جموع البشر- بلمسة حانية على صاعق “المفعولـ” ويطير إلى “الجنة” بجناحي أسامة بن لادن وبساط أيمن الظواهري، غير آبه لمن يترك خلفه من ضحايا!!
الأخبار الواردة المؤكدة أنه لم يستطع اقتحام المعسكر، وتفجرت السيارة الصغيرة أمام البوابة. ليس من المؤكد بالنسبة لي وحسب مصادري أن رجل الأمن نبيل جعيم، الذي قُتل في الحادث في التو، وجّه، كما جاء في الأخبار، سلاحه تجاهه، ما أعاق نجاح تنفيذ المهمة بتمامها. كما أنه ليس من المؤكد لي أن الانتحاري المشجري ارتبك لهذا السبب أو غيره ولم يستطع إكمال المهمة كما خطط لها.
المؤكد أن السيارة انفجرت أمام البوابة، فصرع حارس البوابة، الذي نقل إلى مستشفى سيئون جثة هامدة مع 28 آخرين بين جنود ونساء مصابين بجروح مختلفة (ثلاثة من رجال الأمن في حالات خطيرة نقلوا إلى صنعاء في اليوم التالي). كما صرع منفذ العملية، غير أن روحه طارت إلى “الجنة”، كما قال ذلك “إخوانه في الله” على موقع شبكة الإخلاص الإسلامية، وتطاير جسمه أشلاء على الأرض.
-2-
– يجزيك الله خيراً يا خالد!هكذا! فجائع من الصبح!
قلت له ذلك عبر الهاتف.
– انهض يا بياع الكلام! ومصائب قوم عند قوم فوائد… اشتغل!
كان رده صاعقاً.
– على كل حال شكراً، والعودة عليكم بالمسرات!
كانت فضائية “الجزيرة” قد نقلت الخبر باكراً: قتيلان و11 جريحا. لا تفاصيل غير ذلك. المواقع الاليكترونية خاوية على عروشها. الناس نيام، والوقت يقترب من الساعة التاسعة صباحاً. شغلت ماكينة الاتصالات، صوب وادي حضرموت تارة، وإلى صنعاء تارة أخرى: ماذا جرى؟ ماذا حدث؟ يا إلهي!
عملية انتحارية بسيارة مفخخة في وادي حضرموت!
وتتالت الاتصالات تبحث عن الأخبار. اتصال صادر مني يتلهف لالتقاط خبر، واتصال قادم يستنطق مني الخبر.
“نبيل جعيم جندي قتيل، و14جريحا بسيارة مفخخة كانت واقفة أمام بوابة الأمن. وتطويق أنفاس المدينة برجال الأمن للبحث عمن يقف وراء الحادث”.
مصدر أمني خاص نقل لي ذلك في الساعة التاسعة والنصف. وطار الخبر في الآفاق. صفقة صحفية. ثم تتالت الأنباء إلىّ بالتصحيح والإضافة.
كان من الطبيعي أن يجري أي صحفي وهو يتابع خبراً مهماً كهذا عن المعلومات الخاصة به: واقعة حدوثه، المنفذين، الضحايا، المكان، الزمان، آثاره حينها؛ ثم يفرغ بعد ذلك لآثاره الجانبية وانطباعات الناس عنه. لكن بالنسبة لي، وكأنني اكتفيت بالمعلومات اليسيرة المتوفرة، فانشغلت بجوهر الموضوع (الفاجعة) وانعكاساتها على الناس.
لاحقت شخصيات اجتماعية ومواطنين وقادة منظمات مجتمع مدني.
تحدثت إلى ناشطات عن النساء اللواتي أصبن في الحادث.
كان بعض هؤلاء، والوقت لم يزل مبكراً، يجهلون الحادث؛ ويوم الجمعة هو يوم راحة، ومعظم الناس حيث يستيقظون صباح الجمعة لا يشاهدون التلفاز ويتفرغون لأسرهم، كما يتهيأون للذهاب إلى المسجد لسماع خطبتي الجمعة وأداء الصلاة. النساء كن أكثر تأثراً بالحادث، أو قل أكثر “فجعة” عند تلقيهن الخبر، سيما وأن نساء أصبن بـ”خضة” فتساقطن على رؤوسهن من هول دوي التفجير الهائل.
كنت أبحث في اتصالاتي عن ردود الفعل التلقائية ونقاء الألفاظ الطبيعية كأول تعبير صادق يستنطق الوجدان والعقل! بعض النسوة كن يرددن عليّ بكلمة أو كلمتين بمجرد ما ألقي عليهن الخبر، هكذا:
– يا ربي!
– مش معقول!
– متأكد!
– يا قلبي!
– من لقاها الملعون!
– يا بوي!…
أما الرجال:
– أيش تقول!؟ معقول هذا!؟ با شوف “الجزيرة”.
– نقلوها الكلاب إلى حضرموت!! “القاعدة” أكيد!
– سيارة مفخخة.. جديدة.. الشغلة حمت!
– الله أكبر! من فين القتلى؟!
– آب ب ب ب! لا سيئون.. الحوثيين.. “القاعدة”…
– هات خبر ثاني! ثورة الجنوب اندلعت يا فؤاد! قل هكذا!
“الجمعة الدامية”. هكذا كان وصف وإجماع العلماء والأحزاب السياسية وكافة قوى المجتمع المدني.
-3-
تلفون من سيئون عاجل: مظاهرة شعبية لأهالي منطقة القرن للمطالبة بإخراج المعسكر من منطقتهم، والجنود يطلقون النار في الهواء لتفريقهم.
هذا وما زالت دماء الحادث تنزف من الجميع.
كان الأمن سيفعلها.. دماء أخرى بريئة كادت تنزف.. لكن الناس تفرقت وعادت إلى بيوتها.
وكانت أصوات المآذن تكبر. صلاة الجمعة أزفت.
ردة فعل المواطنين وتجمعهم أمام المعسكر أملتها فاجعة الحادث والمطالب المكبوتة.
-4-
في اليوم التالي (السبت) كنت أول صحفي يعرف اسم الجاني، احمد المشجري، وكان الجهاد الإسلامي قد وزع بياناً مضروباً نسب العملية إليه.
واتضحت الرؤية عن مجمل تفاصيل الخبر، وحصرت الأضرار، وإن لم تعلن رسمياً إلا في اليوم التالي (الأحد) وإن تسربت المعلومات لبعض المواقع الالكترونية والصحف بطرق غير رسمية.
قتيل و28 جريحا و366 منزلا متضررا أضرارا طفيفة و7 سيارات، هي حجم الخسائر البشرية والمادية، كما صرح بذلك الأخ سالم أحمد الخنبشي محافظ محافظة حضرموت يوم الأحد الماضي.
وفي وقت متأخر من الليل أعلن تنظيم القاعدة باليمن في بيان وزعه على وكالات الأنباء مسؤوليته عن الحادثة، وقام بنشر صورة منفذ العملية. فمن هو منفذ العملية؟
-5-
أحمد سعيد المشجري، من مواليد الدمام بالمملكة العربية السعودية في 12 سبتمبر 1984، ويحمل بطاقة شخصية رقم 3896125 وجواز سفر رقم 637275 صادر من سفارة اليمن في السعودية. قدم إلى محافظة حضرموت للدراسة في كلية الطب بجامعة حضرموت للعلوم والتكنولوجيا.
-6-
بدأت منذ يوم السبت الماضي في محاولة لجمع معلومات أخرى غير تلك المعلومات العامة المتداولة. لكن كلية الطب أبوابها مغلقة.
قمت بالاتصال ببعض أساتذة الكلية، فاعتذروا بشدة عن الإدلاء بأي شيء، لا تصريح، ولا معلومات… يا ساتر! قالوا إنهم لا يعلمون عنه شيئاً، بل بعضهم قال إنه لا يتذكر صورته!
رئاسة الجامعة لم تكن أفضل حالاً منهم.
بقي الطلبة، وجمعت أسماء… ولكن الذي حدث أن هذا الطالب يدفعني إلى آخر، وغيره يدفع بي إلى الأول…
تملكهم الخوف. وأثناء بحثي عنه طلبة آخرين درسوا معه قامت أجهزة الأمن باعتقال العديد منهم، فأطبق الخوف على الخوف.
وهكذا باءت محاولاتي لانتزاع معلومات جديدة ومهمة بالفشل.
إذاً، ليس لي سوى التوجه إلى آل “المشجري” فهو ابنهم.
و الحال ذاته، إنهم لا يعلمون شيئاً عنه. حتى الأسرة التي ينتسب لها بصلة قرابة امتنعت عن الحديث (بعضهم اعتقل).
يا الله!
إن القارئ لا يهمه من هذا الموضوع الطويل شيئاً سوى الحديث عن المشجري، أصله وفصله..!
ماذا أفعل؟
-7-
إن أحمد سعيد عمر المشجري عرف عنه صمته طيلة فترة وجوده في الفصل الدراسي.
لا يمازح أحداً، مكتئب، لا يدخن، لا يستخدم “المضغة” أو “الشمة”، قليل الكلام، كثير السرحان، وضعه المادي ميسر.
هذا ما استخلصته بالكاد ممن تحدثوا إليّ.
ولكن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد! الذي انتهى فقط. هذه المادة الصحفية!
[email protected]