ماجد المذحجي ومنى صفوان يكتبان عن رحيل يوسف شاهين

ماجد المذحجي ومنى صفوان يكتبان عن رحيل يوسف شاهين

واقعي، تجريبي، ومغامر يصعب تجاوزه
«شاهين» المخرج الذي جعل من السينما موضوعاً مثيراً باستمرار
 
ماجد المذحجي
 توفي يوسف شاهين. ذلك بالتأكيد ليس حدثاً عابراً حين يتعلق بشخص أحدثت تجربته فرقاً جوهرياً في مسار السينما في مصر والعالم العربي. إنه مخرج مصري، واقعي وتجريبي مُفارق، ذو مزاج فرانكفوني، وصاحب علاقة صاخبة ومتناقضة مع أمريكا، ناقش موضعات “محرمة”، وتحدث عن التناقضات، وامتلك حساسية ورؤية فنية استثنائية وطموحة كسرت نمط الصورة السينمائية المعتادة ذات الاتجاه الكلاسيكي.
ويمكن القول بالتأكيد إنه آخر جيل الرواد السينمائين المصريين الكبار، الذين أرسوا السينما المصرية في الواجهة الفنية العربية، وهي التي كانت أيضاً المكون الرئيسي، والوحيد لفترة طويلة، في صناعة مخيال أجيال عديدة في العالم العربي، علاوة على أن أفلام هؤلاء الرواد لعبت دورا رئيسياً في صياغة نمط حياة وثقافة، وكرست تصورات في السياسة والهوية والحب وغيره لفترة طويلة.
لقد ارتبط اسم يوسف شاهين بتجربة ذات مستويات متعددة. وكان متميزاً بصناعة أفلام مُغامرة شكل الكثير منها تجربة مثيرة في الثقافة العربية، واستنفرت نقاشاً واسعاً حولها. لقد كان، في أحد مستويات تجربته الكبيرة، رائداً في صناعة أفلام واقعية استجاب فيها الفن للوظيفة الاجتماعية النقدية دون استغراق ثقيل أو أيديولوجي أو هجائي، ليصبح بذلك فيلم “العصفور” وفيلم “الأرض”، مثلاً، من أهم الكلاسيكيات السينمائية العربية، وليغادر شاهين بعد هذه التجربة الواقعية المهمة التي قدمها في العديد من أفلامه، والتي يستعيدها بعد ذلك في آخر فيلم يخرجه، “هي فوضى”، بالتعاون مع خالد يوسف، نحو تجريب واسع في الشغل السينمائي لا يمكن تجاوزه أبداً.
أخرج شاهين أفلاماً تضع الرؤية الشخصية الجريئة والحدث التاريخي في قلب النقاش العام، مشتغلاً عليها بكاميرا سينمائية تتحسس الصورة والشخصيات بشكل مختلف، وخارج الصورة النمطية لها، كان ذلك مثلاً حاضراً تماماً في فيلم مثل “وداعاً بونابرت”. وعلاوة على ذلك، كانت لديه اشتغالات سينمائية تميز فيها باستعادة “متفانية” لعلاقته بمسقط رأسه ومدينته الكوزمبولوتية الأثيرة، الإسكندرية، التي عاشت الكثير من التحولات طوال قرن، ليسرد فيها سيرة الفتى الذي كان فيها بمستويات مختلفه تتداخل أيضاً مع سيرة “البلد” وتحولاته، وتغيرات العلاقات الاجتماعية في علاقتها مع الآخر. ذلك يمكن إيجاده مثلاً في “إسكندرية ليه؟” و”حدوتة مصرية”، و”إسكندرية كمان وكمان”، وفي عدد من الأفلام التي حضر فيها هذا النمط من التناول لشاهين.
لقد تميز شاهين بجرأة شديدة في اختيار موضعات السينما التي قدمها، فأدخل للمادة السينمائية شخصيات الحكايات الدينية بشكل جريء وخارج سياق العلاقة الكلاسيكية المعتادة والحذرة التي ربطت بين السينما المصرية والعربية مع أي موضوع ذي طابع ديني أو يتعامل مع “الحكايات” الدينية، حيث كان أي توظيف، أو استعادة، للحدث الديني التاريخي يقع في الطابع التمجيدي عادةً، وبأدوات ورؤية فنية وثقافية فقيرة لا تجرؤ على الخروج على المروية الرسمية الدينية بأي شكل كان. غامر هنا شاهين تماماً ليجعل من حكاية النبي يوسف مثلاً موضوعاً لأحد أكثر أفلامه إثارة للنقاش والجدل: “المهاجر”، حيث يقوم في هذا الفيلم بأنسنة الشخصيات تماماً، ويمنح سياق المروية الدينية بعداً بشرياً يستعيدها من “تعالي” المقدس، ويضعها في سياق العلاقات الإنسانية بغرائزها وتناقضاتها ودفئها. وفي ذروة موجة التكفير والإرهاب الذي استهدف الثقافة والفن والإبداع في العالم العربي، قدم شاهين فيلمه الشهير “المصير” كرسالة فنية احتجاجية عميقة على مآل الأمور. تناول العمل محنة الفيلسوف الأندلسي “ابن رشد”، والعلاقة المتناقضة التي جمعته بالسلطان، وصراعه مع المجموعات الدينية المتشددة آنذاك. الفيلم استعاد تواطؤات السلطة مع المتطرفين في مواجهة المثقف والتصور المستقل لدوره، وهو ما يذهب المجتمع ضحية أكيدة له، ليسحب على الواقع القائم الآن، مديناً بذلك هذه التحالفات الفاسدة التي عززت الفكر المتطرف وعادت التعدد الاجتماعي والثقافي. الانشغال بهذا الموضوع انسحب على تجربة سينمائية أخرى لشاهين، ولكن ضمن رصد أوسع لفكرة العلاقة مع المختلف، كان ذلك في فيلم “الآخر” الذي انشغل بتتبع التناقضات في العلاقة مع الآخر الذي تقع امريكا في قلبه بالنسبة للعالم العربي، وهو ماتضمنه أيضاً أحد أفلامه الأخيرة، “الإسكندرية/ نيويوركـ” الذي كان مصير المدينتين المتعددتين مادة اشتغال سينمائي نوعي تداخلت فيه السيرة الذاتية لشاهين مع رؤيته المتناقضة لأمريكا النموذج والخصم!
يُصنف جزء كبير من تجربة يوسف شاهين بما يطلق عليه “سينما المؤلف”، وهو نمط من العمل السينمائي الذي يميز تجارب مخرجين سينمائين مثقفين، تهيمن فيه اختيارات المخرج ورؤيته الثقافية الفنية على موضوع الفيلم بشكل تهمل فيه الشراكة التقليدية مثلاً مع “السيناريست”، ويكون فيها استقلالية عالية تجاه شروط الإنتاج يفرضها اسم المخرج الكبير، ليصبح المخرج كاتباً لسيناريو الفيلم على الأغلب، وهو شكل من الاشتغال السينمائي اشتهر بها مخرجون كبار مثل الياباني اكيرا كيرا ساوا، والايطالي فيليني، وغيرهما.
امتاز شاهين أيضاً بكونه استطاع أن يوسع دائرة الإنتاج التي تعامل معها، مفسحاً الخيار لنفسه لتعامل مسترخٍ مع شروطها التي تغلق الخيارات أمام المخرجين في العادة، حيث لم يخضع لشروط الإنتاج المصرية فقط، واستطاع بشكل مبكر مثلاً أن يحصل على إنتاج عربي لأفلامه، مثل إنتاج الجزائر للفيلم الشهير “العصفور”، ولكن كان الأهم في سياق الإنتاج بالنسبة لشاهين لاحقاً هو توفر الإنتاج الأوروبي، والفرنسي خصوصاً، للسينما التي يقدمها. وفي ذلك كان جزء كبير من سر نجاحه العمل بموضوعات كان من الصعب توفير تمويلات محلية لها، وخصوصاً أن نمط اشتغاله السينمائي كان يجد تفضيلاً أوروبياً يرى فيه فعلاً فنياً ينتمي جزء كبير منه لمنظومتها الثقافية.
اتسم شاهين بموقف منتصر للحرية في الثقافة والفن والإبداع عموماً، واتسم بخصومته الشديدة مع المتطرفين ومختلف أشكال الوصاية والسلطات الفكرية، وهو موقف في الحريات انسحب على علاقته بالشأن العام في مصر، حيث اتسمت علاقته بالنظام المصري بالتوتر، خصوصاً في عهدي الرئيس مبارك والسادات، ولم يوفر فرصة لنقد الاستبداد السياسي في تصريحاته ونقد المظاهر البوليسية التي تسيطر على الحياة في مصر، وكان متبنياً لتصور مدني وعلماني عن الدولة المصرية وجد في شكل النظام الحالي الحاكم فيها خصماً شرساً له.
يُمكن تأكيد أن يوسف شاهين استطاع أن يخلق تأثيراً فريداً في مسار السينما العربية، ورفع السقف كثيراً على صعيد الموضوعات والأسلوب والموقف. كما استطاع بشكل استثنائي أن يجعل من أفكار نخبوية مادة سينمائية تعاطى معها جمهور واسع لأول مرة، وجعل من السينما فاعلاً نشطاً في إثارة النقاش العام حول موضوعات مغلقة. لقد استطاع إعادة النظر في أدوار السينما التقليدية على المستوى العربي، ومنح الكاميرا حساسية فنية لم تكن معتادة قبله في المنطقة، وشكل علامة فارقة على صعيد الأسلوب والموقف والرؤية الفنية والثقافية يصعب تماماً تجاوزها الآن.
[email protected]
 

***
 

 يوسف شاهين: «إيه الهبل ده!؟»
 
منى صفوان
 
طريقة مختلفة في تناول الحياة، فلا قواعد ثابتة لهذه الحياة، وكذلك كانت أفلامه. لم يكن مطلوبا أن تكون مسترخيا وأنت تشاهد فيلم لشاهين يجمع بين الفانتازيا والواقعية والسرد الذاتي والرمزية، لتواجه الكثير من رسائل التمرد الاجتماعي والسياسي والتاريخي والديني أحيانا.
وهناك تتعرف على نظرته الخاصة لكل شيء، وأكيد للحب، الذي كان آخر ظهور شاهيني له في “هيَّ فوضى” آخر أفلامه، وآخر جملة حب قيلت بطريقة شاهين قالتها منَّة شلبي لحبيبها “مش ح اتكسف واحمر، وح أقلك إني بحبكـ”؛ حب فيه الكثير من الجرأة والاقتحام والفوضى التي لم يعتدها رجل شرقي، يريد الهدوء المصطنع من الحبيبة لتمكنه من تمالك نفسه، واختياره لوقت يناسبه، ليبهرها هو بكلمة الحب والزواج، لتكون البطولة دائما للرجل. لم يكن الحال هكذا في أفلامه، كما لم يكن في حياته.
شاهين، الشرقي، امتعض عندما كان طلب الزواج على لسان زوجته (حبيبته وقتها)، فهي أنقذت تردده، أو ملت منه، فقالت له: “تتجوزني؟”، فلم يجد إلا أن يقول: “طيب، خليتي لي إيه دلوقتي أقوله! خلاص ما أنت قلتيها”.
كان مشهدا خارج النص، لم يحسب له المخرج والممثل المختلف صاحب المدرسة التي لم ينظم لها غيره، حتى من تلامذته، خصوصا خالد يوسف، صاحب المدرسة المختلفة. ولم يكن مطلوبا أن يكون هناك شخص يخرج بمزاج شاهين، فميزة شاهين أنه منفرد.
شاهين الذي ينظر بعين أخرى، وله ميزة في التعبير، شخصيته تظهر بقوة في أفلامه، لتستطيع تمييز أي مقطع سينمائي لشاهين، وليس شرطاأن يبهرك أو يأسرك، لكنه سيستوقفك، ولن يثير لديك من الأسئلة والتفسيرات، التي يمكن أن يثيرها فيلم آخر، وقد لا يثير شيئا ويتركك تمضي بسلام.
 ساعتها قد تقول: “إيه الهبل ده؟”، جملته الشهيرة التي يرددها على كل شيء وأي شيء لم يعجبه: لبس، ماكياج، مشهد، نص، أغنية، موقف، فيلم. فيلم شاهين لا يهتم بما يمكن أن يقوله النقاد أو تعترض عليه الرقابة أو حتى شيوخ الأزهر، أو الأذواق المختلفة للناس.
ولأنه مختلف ظهر الجميع معه باختلافهم، بإيقاع سريع متلاحق مضطرب أحيانا، فنفسية شاهين المضطربة المتمردة كانت هي التي تحرك النص وطريقة الإخراج وإيقاع الممثلين وحركاتهم ونفسياتهم أيضا، نور الشريف، يسرا،محمد منير، حنان ترك، كلهم ظهروا بطريقة لم يظهروا بها من قبل؛ إنها طريقة شاهين. حضوره قوي جدا، الفيلم هنا لشاهين، وليس للبطل خلاف ما ترسخه الأفلام المصرية.
 اختياره للممثلين دوما بمذاق خاص، يعتمد على نظرته الخاصة للشخص، فممثلة ترتدي الجينز و”تي شيرت”، وحذاء رياضيا، هي أفضل لهذا الدور من أخرى متكلفة بكعب عال. لا أحد يملي عليه اختياراته، ما ميز طريقته أنه كان يفضل الوجوه الجديدة، كثير من النجوم كانوا معه، وجه جديد يسند له بطولة أحيانا مطلقة. بسهولة وبثقة كان يمكن أن يسند فيلما ضخما لممثل يقف أمام الكاميرا للمرة الأولى، ولا يخاف شاهين من مغامرة كهذه. لأن هذا الممثل سيقوم بالدور الذي يضعه شاهين، تماما سيكون كما تريده رؤية شاهين، لن يستند فقط على موهبته، إنه بالحرف سينفذ أوامر شاهين. لذا تنجح تجربة الممثل الجديد في دور البطولة، وهي تنجح فقط مع شاهين. أمام شاهين لا فرق بين وجه جديد أو نجم مشهور، لا نجوم هنا، ف”المصير” ليس لنور الشريف، بل لشاهين، وهو قد لا يكون تماما عن ابن رشد، ولكنه رمز أو مدخل تاريخي للتحدث أيضا عن شاهين.
تحدث عن نفسه ووثق لسيرته ورؤيته كما لم يفعل غيره. أفلام شاهين قالت إنه ليس للإبداع قواعد، وليس له طريقة شائعة. لقد عاش شاهين بمزاجه واشتغل أفلامه بمزاجه، ليس عند شاهين حاجة اسمها “تمثيل بحسب القواعد”، أو أن “هذا عيبـ”، “يصح وما يصحش”.
هذا ما يرفعه خالد يوسف اليوم الذي لا يهتم للطريقة الجديدة التي اتخذتها السينما المصرية التي تقدم منذ فترة “مشاهد نظيفة”، ويؤكد مؤخرا أنه سيقف لوحده “في مواجهة هذه السينما النظيفة”.
خالد يوسف خط مميز في الإخراج، هو الآن أفضل المخرجين المصريين ولن تحاول الجملة أن تكون موضوعية. مدرسة واقعية خالية من التعقيد، لكنها عميقة تلامس الشخص البسيط، بسيطة، والبساطة وعدم التكلف ميزا مدرسة شاهين. لكن خالد يوسف وضعهما برؤية مختلفة.
“هي فوضى؟” مع علامة الاستفهام التي أصرت عليها الرقابة، كان عنوانا قويا لتجديد تسليم شاهين واعترافه بموهبة خالد يوسف، وشاهين هو الذي أصر أن يوضع اسم خالد معه في الفيلم ليكون الفيلم من إخراجهما كسابقة سينمائية. تود التأكيد أنه يمكن المزج بين مدرسة شاهين ومدرسة خالد، في مشاهد يمكن أن تشي بما هو ليوسف شاهين وما هو لخالد يوسف.
قد لا تكون من الأشخاص الذين تروقهم أفلام شاهين، ولا يعني هذا أنك لن تتعرض للمزيد من أفلام شاهين، خاصة أن فيلمه الأخير كان بداية خط جديد في مسيرة شاهين، خط يقول بالمزج بين مدرستين مختلفتين إحداهما جاءت من مدرسته والأخرى له. استمرار مدرسة أفلام خالد يوسف يعني بعد “هي فوضى؟” استمرار لمسيرة شاهين حتى بعد وفاته.
هكذا هي طريقة شاهين، لا تعترف بالقواعد، حتى قواعد الحياة والموت.
[email protected]