عبدالباري طاهر يكتب عن الراعي وقصة ثورة وثوار

عبدالباري طاهر يكتب عن الراعي وقصة ثورة وثوار

 قصة ثورة وثوار مجلدان ضخمان، المجلد الأول يقع في 249 صفحة قطع كبير نسبياً، وهو عبارة عن حوار ضاف واسع وشامل أجراه الزميل الصحفي القدير صادق ناشر مع المناضل السبتمبري الكبير الاستاذ عبدالله الراعي، وصادق صحفي مهني محترف عمل في عدة صحف:
وقد سبق له أن اجرى حوارات مائزة مع العميد الفقيد يحيى المتوكل، ومع الاستاذ الشهيد جارالله عمر ومع العديد من الشخصيات المهمة أمثال الشيخ سنان أبولحوم.
ولكن اللقاء الطويل والموسع مع المناضل الكبير عبدالله الراعي يتسم بقدر غير يسير من التتبع والرصد ومتابعة مسار وحياة هذا القائد السبتمبري الذي ارتبط بالحركة الوطنية في شمال الوطن منذ اليناعة، وأصبح مطلع الستينيات واحداً من مؤسسي الخلايا الاولى والاساسية لتنظيم الضباط الاحرار، وهو التنظيم السري العسكري الذي أبزغ فجر السادس والعشرين من سبتمبر62.
وكان الراعي، أيضاً، واحداً من أوائل الضباط المنتمين إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، بل في رأسه القيادي.
وتنظيم الضباط الأحرار وإن تشكل بالأساس من الضباط الصغار خريجي المدارس الثانوية في صنعاء، ومن ذوي الانتماء الكادح، ومن الاتجاهات القومية واليسارية، إلا أن غالبية قيادته ومقاعده كانت ذات انتماء بعثي، وكان الراعي واحداً من هذه القيادة.
في المقدمة الضافية يشير صادق أن الحوار مع عبدالله الراعي لم يكن سهلاً. لأن الرجل ظل يخبئ أسراراً طمرتها الأحداث.
والحقيقة، وإضافة إلى إيماءة صادق، فإن الأهم أن مذكرات الراعي تكشف عن جوانب لم تكن مطروقة في الوثائق والادبيات المدونة. كما أنه -وهذا مهم أيضاً- يقدم رؤية وقراءة مغايرة ومختلفة بهذا القدر أو ذاك مع المتداول والسائد في الادبيات السبتمبرية.
كما أن الكتاب في الجزء الثاني منه مزود بالعديد من الوثائق والمعلومات المهمة التي تؤكد صدق روايته.
في المقابلة يترصد الراعي مرحلة الطفولة البائسة ليس بالنسبة له فقط، وإنما بالنسبة لليمن واليمنيين جميعاً. فاليمن في مطلع الاربعينيات كان يعيش القرون الوسطى؛ فلا بنية تحتية: لاماء ولا كهرباء، ولا مواصلات، ولا اتصالات ولا تعليم ولا تطبيب، وتحصد الاوبئة والامراض الفتاكة المئات والآلاف سنوياً. أما المجاعات المستدامة فأمر مألوف واعتيادي.
يتحدث عن خاصه ويربطه بالعام، كما يأتي على العزلة القاتلة التي عاشها شمال اليمن في ظل «المتوكلية اليمنية»، ويتناول انقلاب 55 في تعز بقيادة الشهيد أحمد الثلايا وما أعقب ذلك من انفتاح نسبي، وتواصل أو بالاحرى بداية التواصل مع عدن. ثم الانفتاح على ثورة يوليو 52 في مصر. ويشيد بدور الفقيد الكبير أحمد المروني أحد الضباط المنبعثين إلى العراق، وتأثير منشورات الاحرار في عدن: الزبيري والنعمان. وميزة مذكرات الراعي أنه لا يعتمد في تدوينها على الذاكرة. بل إن دأبه على تدوين الاحداث والوقائع قد أمده بذخيرة حية للكتابة، وابقى جذوة الاحداث متقدة في الوعي. فهو يتذكر أسماء الكتب التي فتقت وعيه على الحياة والسياسة والتفكير. كما يتذكر ايضاً زملاءه في مراحل الطلب الاولى وصولاً إلى رفاقه في التنظيم، ويشيد بدور الأساتذة حينها: البردوني والمقالح وأحمد ضيف الله والذماري وعنان، وبداية قراءة بعض أدبيات البعث.
 ويسرد مشاركته في أول مظاهرة طلابية في صنعاء عقب العدوان الثلاثي 56. ويقينا فإن انكسار العدوان الثلاثي على مصر قد وضع ثورة يوليو في مركز الصدارة للامة العربية كلها، وأصبح للثورة القومية في مصر وللزعيم جمال عبدالناصر تأثير كبير على الاتجاهات السياسية والفكرية في المنطقة العربية بما في ذلك الشيوعيون والبعث والاخوان المسلمون، وبدأ ناصر نفسه ينحو منحى يسارياً فأسس مع نهرو، وتيو، وسكارنو وشوع لاي، حركة عدم الانحياز وبدأت علاقاته تقوى بالاتحاد السوفيتي والديمقراطيات الشعبية حينها، ومن يقرأ أدبيات الماركسيين العرب والبعث والاخوان المسلمين فيما بعد العدوان الثلاثي يدرك عمق التأثير لمصر الناصرية على هذه الاتجاهات.
وفي اليمن، فإن التأثير كان مزدوجاً أو مختلفاً، ففي حين أضعف أو كشف هشاشة وعجز الحركات التقليدية الأم: حزب الاحرار في المتوكلية اليمنية ورابطة أبناء الجنوب العربي في عدن، فقد قوى التيارات القومية واليسارية الماركسية، فقد بدأ الجميع في التحول يساراً وبدأت التنظيمات تمتد إلى مختلف أسقاع الوطن العربي واشتد ساعد حركات التحرر الوطني، وتعاظم تأثير الفكر القومي ذى المنحى اليساري «نصف الديمقراطي ونصف الاشتراكي» إن جاز التعبير.
وكان تأثير الثورة المصرية على اليمن كبيراً وفاعلاً خصوصاً وأنه أتى بعد فشل ثورة 48 في صنعاء، وما أعقبها من مجازر واعتقالات وقمع وإرهاب، وتكفير العصرية والعصريين، وهم قلة من المستنيرين والادباء والمثقفين «المهتمين بأحداث العصر وقضاياه».
ويهرش الراعي ذاكرته للتسجيل عن بداية التواصل وتأسيس الخلايا الاولى لحزب البعث ابتداء من عدن أواخر الخمسينيات، ويسرد الشخصيات الرئيسية الاولى في عدن: أنيس حسن يحيى والأسودي وأحمد حيدر و«علي» مسواط – سعيد مسواط والقاضي إلخ.
والواقع أن البعث أو البقية الصالحة فيه بحاجة إلى ندوة أو أكثر للتنادي لتدوين البدايات الاولى والمراحل المختلفة لنشأة حزب لعب دور البطولة على مدى عقود في اليمن بشطريه. فالكتابة من خارج البعث، أو بالاستناد إلى الذاكرة الفردية وإن كانت مهمة، إلا أنها لا تكفي لإبراز صورة الحقيقة كاملة خصوصاً في ظروف تشطيرية وغاية في التخلف والظلام. فللأستاذ محسن أحمد العيني رؤيته للبداية. كما أن لموسى الكاظم في حضرموت وشيخان وأخوه أحمد الحبشي – مد الله في عمره وعلي عقيل رؤية عن البداية قد تتفق هنا وقد تختلف هناك، ولاشك أن للدكتور عبدالعزيز المقالح وعلي بن علي الجايفي والدكتور ناجي سريع رؤيتهم أيضاً للبداية التي تؤرخ للبدايات في صنعاء، وهناك بدايات في مصر يستطيع الاستاذ يحيى الشامي ومطهر علي الارياني أن يتحدثا عنها.
صحيح أن عدن كانت الحاضنة الاولى لميلاد كل الاتجاهات السياسية والفكرية، ولكن هناك بدايات أولى في القاهرة، وبدايات فيما بعد في تعز وبدايات في حضرموت وفي صنعاء، والامر طبيعي في بلد مشطور ومتفاوت التطور بشكل مريع.
ويشير إلى زملائه في كلية الطيران والدفع الأخرى التي درست وتخرجت من الكليات المختلفة، ويقدم رؤيته للبدايات الاولى لتكوين الخلايا الاساسية لنشأة التنظيم، ويؤكد، وهو على حق، أن الجيش حينها كان أداة التغيير الوحيدة التي يراهن عليها في ظل غياب كل مؤسسات المجتمع المدني، بما في ذلك الاحزاب السياسية الفاعلية والحية، والصحافة الحرة والرأي العام القوي والمؤتمر، وحقاً فإن المتوكلية اليمنية أو جزيرة واق الواق كرواية الزبيري، أو مملكة الموتي كتسمية سلفاتور أبو نتي لم يكن فيها شيء يتحرك غير طلاب وجنود وضباط الكلية الحربية، وغالبيتهم ذو انتماء كادح وفكر قومي يساري تقدمي.
والراعي ككثير من الضباط الصغار يحرص على إنصاف حمود الجايفي، ويعلن خلافه مع الدكتور عبدالرحمن البيضاني، ويرى ومعه حق، أن الجايفي كان أكثر حذراً وحيطة، بل إدراكاً للتركيبة المجتمعية القبائلية المقاتلة والمعادية للتطور والحداثة والتغيير.
وقد أكدت الاحداث والحروب التي اعقبت ثورة سبتمبر 62 صدق رؤية الجايفي، وانحياز الراعي لمغامرة اللقية ضداً على عقلانية الجايفي وحكمته، يعكس مزاج الضباط الصغار الأكثر ميلاً للمغامرة، وربما كان الراعي أكثر إنصافاً للمشير السلال رغم اختلافه الواصل حد الحكم بالاعدام، وهو حكم جائر بكل المقاييس.
وتتجلى روعة موقف الراعي في مذكراته الانصاف الحقيقي للثورة المصرية، ونقد المراهنة على موقف شيوخ وزعماء القبائل الذين لعبوا في مختلف ميادين القتال وكدسوا ثروات هائلة من تجارة الحرب وعلى حساب أمن البلد وسلامه واستقراره.