فلتة الكرة اليمنية جواد محسن.. فقد بصره، ويعيش في غرفة 2-3

فلتة الكرة اليمنية جواد محسن.. فقد بصره، ويعيش في غرفة 2-3
جواد محسن صورة ارشيفية من الانترنت

فلتة الكرة اليمنية جواد محسن.. فقد بصره، ويعيش في غرفة 2*3 أمتار.. كرمه الحمدي، وألقته «الوحدة» في بئر النسيان.. يستمع لأحمد قاسم، ويستعيد زمن «الواي» بصوت «أبوعلي» – شفيع العبد

يعيش الكابتن جواد محسن في غرفة صغيرة تقع بشارع العدل باتجاه التحرير بعاصمة الوحدة، يدفع إيجارها فاعل خير(7000ريال شهرياً). زرته في غرفته تلك بمعية زميلي عبد الهادي ناجي علي. وجدناه يستمع إلى إحدى أغاني الفنان احمد قاسم. سألته هل تستمع إليه دائماً؟ فأجاب بأنه يستمع لـ”أبو علي” (المرشدي) لكي يتذكر اللحظات الجميلة التي كان يعيشها في شبابه.
جواد محسن المدافع الذي كان لا يشق له غبار، يقول عنه الاستاذ محمد سعيد سالم: “جواد من المدافعين القلائل في تاريخ الكرة اليمنية، كان يحاور داخل منطقة الجزاء أي عدد من المهاجمين دون أن يفقد الكرة”. وقد كتب عنه ذات يوم الأستاذ احمد حيدرة الباشا في روشتته الأسبوعية بالزميلة “الايام”: “عندما يرقّص المدافع المهاجم”. نعم، لقد استطاع جواد أن يقلب القاعدة رأساً على عقب.
لعب “جواد” في محافل داخلية وخارجية، ولعب قبل استقلال الجنوب في البطولة العربية التي أقيمت في مصر على كأس فلسطين مع منتخب عدن الذي شارك في البطولة إلى جانب منتخب لحج.
من الذكريات الجميلة لـ”جواد” هدفه في مرمى الإسماعيلي المصري الذي زار عدن قبل الاستقلال بعد فوزه بكأس أفريقيا حيث لعب في عدن مع الشباب الرياضي وانتهت المباراة بفوز الاسماعيلي بهدفين لهدف أحرزه “جواد” من ضربة ركنية.
قبل العام 90م، لعب في الجنوب والشمال معاً. لكن ذلك لم يشفع له لدى المتعاقبين على وزارة الشباب والرياضة واتحاد الكرة. لا يملك مأوى سوى تلك الغرفة الضيقة. والتي عندما سألناه إن كان يملك، أجاب بتنهد وحسرة وزفرة كادت تقطع نياط قلبه الحزين: “يا ريت!”.
انظروا! إنها المأساة بعينها! أحد كوادرنا الرياضية اقتصرت أحلامه في عهد الوحدة التي يقولون عنها “مباركة” على غرفة لا تتجاوز مساحتها 2 × 3 أمتار. ومع ذلك تبقى أحلامه بعيدة عن التحقق. بينما في عدن يملك أحدهم ما يوازي مساحة دولة البحرين، وهو من الذين وصلوا عدن عقب حرب 94م.
لا تتوقف مأساة جواد محسن عند السكن، بل تتعداه إلى الوظيفة، فالرجل لم يحصل على وظيفة، ولكنه استطاع بجهود طيب الذكر أستاذ الرياضيين علي الاشول، رحمة الله تغشاه (توفي فجر أمس)، إبان توليه لرئاسة اتحاد الكرة في تسعينيات القرن الماضي أن يحصل على معاش تقاعدي وصل مع الزيادات الأخيرة إلى 20000 ريال هي قيمة ربطة عنق يرتديها بعض قيادات وزارة الشباب. تصوروا! تاريخ يمشي على قدمين أرخصناه وقدرناه وفق مقاييس ومعايير المرحلة بعشرين ألف ريال.
المأساة تتواصل وتتعدد فصولها. فالرجل فقد بصره ولم يعد يرى شيئاً. تضع يدك أمام عينيه مباشرة وتلوّح بها دون أن يشعر بذلك. وقال إن خالد حداد –رئيس رابطة مشجعي التلال في صنعاء- هو من يقوم عليه ويخدمه. خالد كان دليلنا إلى غرفة الكابتن جواد.
يتذكر شيئا من سبب إصابته فيقول: “تعرضت لإصابة في عيني اليمنى في سبعينيات القرن الماضي أثناء مشاركتي مع شعب صنعاء، فسافرت غالى القاهرة للعلاج، وعند وصولي إلى هناك استدعاني أحد قيادات الشعب (يحيى الكحلاني) وطلب مني العودة للعب ضد شباب الجيل. فعدت قبل أن أبدأ العلاج”.
برغم ذاكرته المتعبة إلا أنه استطاع أن يتحفنا بشيء منها برغم صعوبة التفتيش فيها. يقول: “كان التنافس في عدن على أشده بين أندية الواي والشباب الرياضي”. وأضاف: “كنا نفوز دائماً على الشبابـ”. وأنشد شعراً مما كانت تتغنى به جماهير الواي:
دم الواي يجري بالعروق مناشداً
بنيه بأن يستجيبوا فيهزِموا
عندها اختفى صوته تحت تأثير عبرات فرضت نفسها على عيون لم تعد ترى سوى اللون الأسود، الظلام. إنه تعبير صادق عن وضع مأساوي يعيشه إنسان قبل أن يصبح لاعباً أو نجماً.
تم تكريمه من قبل الرئيس إبراهيم الحمدي والقائد عبد الله الحمدي، وقد صرفوا له أرضية في الحديدة لم يحصل عليها حتى اللحظة.
الحالة التي وصل إليها جواد محسن تعد وصمة عار في جبين كل القائمين على أمور الرياضة في البلد.
يقولون احمد العيسي يحب الخير ويدعم بسخاء. فأين هو من جواد محسن!؟ أم أن الدعم يقتصر على من يرتادون الديوان ويجيدون مدح الرجل والتغني به؟
أتمنى أن تقوم وزارة الشباب والرياضة واتحاد الكرة بمد يد العون والاهتمام لجواد محسن، ولو بزيارته إلى الغرفة التي يعيش فيها (وإن كانت مش قد مقامهم) لمعرفة مدى الظلم الذي لحق بالرجل.

[email protected]