هل الجنوبي متهم حتى تثبت إدانته؟! – عيدروس اليهري*

هل الجنوبي متهم حتى تثبت إدانته؟! – عيدروس اليهري*

كشفت وثيقة الاتهام التي قدمها ممثل النيابة في محاكمة قادة الحركة السلمية المدنية الجنوبية، باعوم والغريب والشعيبي، حقيقة الصراع بين الشعب الجنوبي والقوة الشمالية القبلية العسكرية الهمجية التي لا ترى في الجنوب سوى امتداد جغرافي طبيعي للشمال اليمني الأصل، التي جاءت حرب 1994 لتعميده بالدم، كما يعمد الكاثوليك أبناءهم بالماء المقدس.
إذ جاء في بيان الاتهام أن المتهمين: حسن باعوم وعلي هيثم الغريب ويحيى غالب الشعيبي، قاموا ببث النعرات الطائفية وبث روح الفرقة بين أبناء الوطن، الأمر الذي نتج عنه قتل وإصابات ونهب الممتلكات العامة والخاصة وتعريض أمن وسلامة المجتمع للخطر. ولأن هذه الأعمال لا تستهدف فحسب حضارة اليمن وتحررها، بل تستهدف الجسد اليمني الواحد وخلق مناخ عبثين، قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}، وقوله عز وجل: {الفتنة أشد من القتل}، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم فاقتلوه”.
“إن الماثلين أمام المحكمة قاموا بأفعال وأقوال وكتابات قصدوا منها المساس بالوحدة اليمنية وتحريض الناس على عدم الاقتياد والقبول بالحكومة وبث روح الفرقة والنعرات الطائفية بين أبناء الوطن الواحد واستغلال الصحافة والإعلام لإثارة الناس بصورة خاطئة وأشاعوا بين الناس الحديث الذي يضفي روح الكراهية ونشر ثقافة العنف والعبث” (“الأيام” العدد 5415، 29 مايو 2008، ص11).
في هذا البيان الشديد الكثافة سكبت النيابة الشمالية كل ما في جعبتها وجعبة السلطة/ السلطان من أدلة الاتهام والإدانة والأحكام الجاهزة المعدة مسبقاً، وهي أحكام تنطبق على كل جنوبي يجرؤ على الكلام.
إن قراءة سريعة لمنطوق هذا الاتهام الجائر تفصح عن البون الشاسع الذي يفصل بين الجنوب والشمال، وعن استحالة الاندماج الاجتماعي والنفسي والثقافي والأخلاقي بين “نحن” و”هم” وعن غياب العدالة والقضاء المحايد ومنطق القوة والغلبة والإخضاع والاستئثار؛ إذ أن التهمة الموجهة إلى المتهمين هي تهمة سياسية أيديولوجية بامتياز، وهي رسالة موجهة إلى الرأي العام الشمالي والجنوبي، أكثر من كونها موجهة إلى جهاز العدالة القضائية. فالتهمة هي صيغة أيديولوجية لا تحتمل التأكيد أو الرفض، وهي إكليشة تنطبق على كل شخص جنوبي أراد التعبير عن آرائه السياسية في القضايا العامة بشأن “الوحدة” والحرب والسلب والنهب والإقصاء والتهميش والمظالم والحقوق المادية والمعنوية…
لاحظوا صيغة الاتهام: “إن المتهمين… قاموا ببث النعرات الطائفية وبث روح الفرقة بين أبناء الوطن الواحد (…) بأفعال وأقوال وكتابات قصدوا منها المساس بالوحدة اليمنية”.
ومن هذه التهمة النمطية الأيديولوجية السياسية الجاهزة استخلصت النيابة عددا كبيرا من “الجرائم الوطنية” التي ارتكبها المتهمين ومنها:
1 – قتل وإصابات ونهب الممتلكات العامة والخاصة.
2 – تعريض أمن وسلامة المجتمع للخطر.
3 – استهداف حضارة اليمن وتحررها.
4 – استهداف الجسد اليمني الواحد.
5 – خلق مناخ عبثي.
6 –  المساس بالوحدة اليمنية.
7 – تحريض الناس على عدم الاقتياد والقبول بالحكومة.
8 – بث روح الفرقة والنعرات الطائفية بين أبناء الوطن الواحد.
9 – إشاعة روح الكراهية.
10 – نشر ثقافة العنف والعبث.
ما عدا “الجريمة الأولى” (التهمة)، التي يمكن إثباتها أو نفيها عن المتهمين، تظل الجرائم التسع الأخرى عصيه عن الإثبات والنفي، بل يمكن أن تتناسل إلى ما لا نهاية من التهم والجرائم الأيديولوجية مثل:
– الدعوة إلى الانفصال.
– التمسك بالهوية الجنوبية.
– عدم الاعتراف بالسلطة القائمة.
– أو شق عصا الطاعة.
أو التهم الدينية الجاهزة، التي منها: إيقاظ الفتنة النائمة «الفتنة أشد من القتل».
أو ما يمكن تصنيفه بأنه مخالف لقوله تعالى «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»، أو مخالف للسنة الشريفة في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم فاقتلوه”.
إن استحضار الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة في إدانة وتجريم الناشطين السياسيين الجنوبيين بعد 14 عاماً من غزو الشمال للجنوب، تلك الحرب التي استمدت شرعيتها المقدسة من فتوى فقهيه أصدرها “مجلس علماء اليمن” حينذاك وأعلن فيها “الجنوب دار حربـ”، مقابل “الشمال دار السلام”، ومن ثم فإن فتحها “الجنوبـ” وإباحة دم أهلها وأرضهم وعرضهم هو فرض عين وواجب مقدس على كل مسلم ومسلمة يمني ويمنية بلغ سن الرشد.
لقد كانت هذه الفتوى المقدسة من علماء السلطان، بمثابة الغطاء الشرعي والتبرير الأخلاقي للمصالح والشهوات الدنيوية التي شنت الحرب من أجلها، وعلى هذا النحو هبت الجموع الشمالية بحماسة منقطعة النظير، وبأعداد لم يشهد لها تاريخ الحروب اليمنية مثيلا، هبت الملايين المؤمنة للانقضاض على دولة الجنوب، الجمهورية الاشتراكية الكافرة. وكانت الراية الأيديولوجية التي تدثرت بها الحرب هي “حماية الوحدة من الانفصالـ” أو ضرب عناصر “الردة والانفصالـ”. وليس بخاف على أحد تلك الشحنة الدينية التي شحنت بها تلك الراية السياسية، إذ يصعب الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي سياسي في حقل الممارسة السياسية اليمنية.
ومنذ الحرب حتى اليوم لا بريء في الجنوب، حتى الحجارة! فكل ما هو جنوبي هو متهم بحكم المولد والنشأة واللهجة والثقافة والانتماء والهوية والزي واللون والشكل والتاريخ والذاكرة والأفراد والجماعات والمدن والقرى والمؤسسات والقيم والأسماء والرموز والتشريعات والقوانين والعادات والأعراف والتقاليد والعملة وأنماط الإنتاج والعلاقات الاقتصادية والحقوقية والأرض والثروة وعلاقات الملكية والحقوق والوثائق والمعاملات، وكل شيء يرمز أو يذكر بشيء اسمه “الجنوبـ” وهوية الجنوب وتاريخ الجنوب، هو متهم رغماً عن إرادته. وليس هناك طريق للإفلات من هذه التهمة غير الموت! فالجنوبي الطيب هو الجنوبي الميت، أو المذعن بالصمت المطلق، أو المتماهي الكلي بالمنتصر والعمل الدائم تحت إمرته وإثبات الولاء والطاعة بأقوال وأفعال عملية واضحة ومحددة ضد كل ما هو جنوبي أو يشير بالتلميح إلى وجود ذات جنوبية تستحق التقدير والاحترام.
جاء في جلسة استجواب أحد المتهمين الجنوبيين الذين تم اعتقالهم مؤخراً في عدن، ما يلي: “سأل ضابط التحقيق الشمالي، المتهم الجنوبي: من أنت؟ فأجاب: أنا فلان ابن فلان. قال الضابط: هل أنت جنوبي أو يمني؟ فأجاب المتهم: أنا عربي. فاشتط الضابط غضباً وصرخ في وجه المتهم: أنت انفصالي ابن انفصالي!”.
وهكذا يلاحظ مع باربرا ويتمر، في كتابها “الأنماط الثقافية للعنف”، أن إخضاع تواريخ أخرى هو عنف إدراج المختلف والآخر في الشيء ذاته أو في شمولية الذات المسيطرة. يحدث ذلك عبر إزالة الاختلاف، كما في الحرب والعنف. وفي هذا السياق يصف مارك سي تيلير، إثبات الذات، الذي يهدف إلى تحقيق الهوية الذاتية، بأنه “يتم بواسطة التحكم بالآخر وحتى تحطيمه وإخفاء أثره”.
على هذا النحو تبدو أزمة العلاقة بين الشعب الجنوبي المهزوم بالحرب والقوة التي هزمته. فالمشكلة هنا ليست بين شمالي منتصر وجنوبي مهزوم، أو بين ذاتين دخلتا في علاقة تفاعل وصراع وجود تعترف كلاً منهما بالأخرى، بل في أن الذات الشمالية لا تعترف أصلاً بوجود ذات أخرى للأخ الجنوبي، الذي شكل الطرف الأساسي والحيوي “للوحدة” في مايو 1990.
لقد هدفت الحرب إلى إزالة الاختلاف بالقضاء المبرم على الذات الجنوبية. فالحرب في تعريفها هي رغبة الذات في تدمير الآخر وإفقاده ذاتيته التي يناضل من أجل الاعتراف بها كذات مستقلة وفاعلة وتستحق التقدير والاحترام ولها الحق في الوجود والفعل والتفكير والكلام، مثلها مثل الآخر تماماً.
إن رفض سلطة الحرب الاعتراف بالجنوب كآخر، أي كطرف آخر شريك حي وفعال يمتلك الحق في العيش والفعل والقوة والثروة وكل شيء مثله مثل الطرف الشمالي، هو لب المشكلة القائمة اليوم بين الشمال والجنوب.
ولم تكن المحاكمة لرموز الحركة الجنوبية إلا مظهر من مظاهر هذه المشكلة العميقة الجذور. فكل جنوبي، في الداخل أم في الخارج، في السلطة أم في المعارضة، حتى وإن ناضل طوال حياته وضحى بكل شيء من أجل الوحدة، أمثال البيض والعطاس وعلي ناصر محمد، وكل الجنوبيين الذين قاتلوا مع الشمال من أجل “الوحدة” أمثال الحسني والنوبة وشحتور وعشرات الآلاف، جميع هؤلاء وغيرهم من أبناء الجنوب، حتى أولئك الذين يعملون مع السلطة في صنعاء أمثال عبد ربه منصور وعلي مجور وباصرة والنواب والمحافظين، جميعهم مدانون سلفاً بتهمة الانفصال. ومسألة إدانتهم ليست إلا مسألة وقت فقط، فأي نقد أو تذمر أو شكوى واحتجاج أو إشارة بعدم الرضا والموافقة على إجراءات السلطة أو حتى إهمال في مدح السلطان وتأييد سياساته وتمجيد إنجازاته ومدح الوحدة وإدانة الانفصال والتعاطف مع الجماهير الغاضبة في الجنوب ضد الاحتلال، يعد في نظر السلطة إدانة دامغة لاقتراف جريمة المساس بالوحدة اليمنية.
ومن هنا يصبح الحديث عن ثقافة الكراهية والنزعة الطائفية والفرقة الوطنية والمناطقية والانفصالية ذات قوة جنائية كاملة في إدانة الخصوم الجنوبيين. ومع أننا نعرف أن الحب والكره ليسا من القيم الثقافية أو الأخلاقية، بل هما من المشاعر الإنسانية الفطرية التي تتحكم بها دوافع وأسباب سيكولوجية واجتماعية، إلا أن السلطة تستخدمها لأغراض سياسية وأيديولوجية يستحيل تبريرها. إن السلطة تريد وترغب أن تخترق حتى الأعماق النفسية للإنسان الجنوبي وتجبره على أن يحب ما تحبه ويكره ما تكرهه، وهذا ما لم يحدث أبداً في تاريخ الوجود الإنساني، إذ ليس لأحد سلطة على مشاعر وعواطف الناس، فالإنسان يحب ويكره ويحزن ويفرح بإرادته الحرة، فإذا ما أحب العدني مدينته عدن، وإذا ما أحب الجنوبي أرضه ووطنه الجنوب، وإذا ما كره الجنوبيون صنعاء والشمال والوحدة والسلطة والقبيلة والجنبية، فلا توجد قوة في العالم تستطيع إكراههم على غير ذلك. ومع ذلك ليست المشكلة مشكلة الحب والكراهية، كما يروّج لها، بل هي مشكلة حقوق ومصالح مادية ومعنوية. فلا أعتقد أن الشماليين يحبون الجنوبيين، ولا أعتقد أن أحدا من الشمال يحب عدن وحضرموت أكثر مما يحب مدينته وقبيلته إلا إذ كانت مصالحه فيها أفضل.
إن الجنوبيين لا يريدون من الشمال أن يحبهم أو يكرهم، بل يعترف بهم. أن الإنسان لا يعير أهمية لمن يكرهه أو يحبه بقدر أهمية أن يعترف به، اعترفْ بي واكرهني كما تريد! لكن كيف تطلب ممن لم تعترف به أصلاً أن يحبك!؟ وما فائدة حب لا أحد يعترف بصاحبه!؟ ولماذا ندين الجنوبيين بسبب مشاعرهم تجاه الشماليين، إذا كان الشماليون لا يعترفون أصلاً بوجود الجنوبيين كذات تحب وتكره وتفرح وتغضب وتحس وتتألم!؟
أن محاكمة رموز المقاومة الجنوبية، هي محاكمة للشعب الجنوبي كله؛ إذ لا يوجد إنسان في جنوب اليوم في السلطة والمعارضة في المدينة والريف راض عما حدث منذ 7/7/1994، ولو كان لدى السلطة جهاز يكشف دخائل الأنفس والأفكار في ضمائر وعقول الناس لكانت احتاجت إلى بناء سجن يتسع لأربعة ملايين إنسان جنوبي، جميعهم يكرهونها ولا يحبون وحدتها ويتمنون التحرر منها والخلاص من ظلمها ليل نهار.
اعترفوا بنا ثم فتّشوا مشاعرنا!
* استاذ مشارك – جامعة عدن