هذا هو الرئيس.. بتفجير في صنعاء يخمد الحريق في صعدة – علوي الباشا بن زبع

هذا هو الرئيس.. بتفجير في صنعاء يخمد الحريق في صعدة – علوي الباشا بن زبع

على غير العادة، وعلى خلاف القناعات الشخصية، سأتجرد من صورة الرئيس صالح التي علقت في ذهني منذ مقتبل العمر، لأستحضر في هذا المقال صورة أخرى حفرها الرجل لنفسه في قواميس السياسة العربية أجد نفسي متوقفاً عندها غصباً عني وعن كل منتقدي الرئيس وأنا منهم.
الرجل طوى الآن ثلاثة عقود من الزمن حاكماً لليمن، برجالها العصية وجبالها الوعرة وصحاريها المهلكة وسواحلها الهادرة، مضيفاً جنوبها إلى شمالها، وحاشراً قحطانيها في عدنانيها، ومسلطاً زيديها على شافعيها، وحاشديها عل بكيليها، ممسكاً كل الخيوط، ومتابعاً لأدق التفاصيل، ومقيداً بسيادته أغلب الرموز دون أن يصطدم معهم، ومطلقاً بعنجهيته أيدي الفوضويين الجدد ليغرقهم ويغرق البلد معهم دون أن يأبه لهم، ولكن دون أن يتركهم يهلكون، فإذا أشرفوا على الغرق أنقذهم وأنقذ نفسه قبلهم.
هذا الرجل، في غفلة من الزمن وفي أصعب اللحظات وأدق الظروف وأخطر المراحل، قفز من سيارته الجيب المستعملة في صالة مطار تعز المهترئة ليستقل طائرة عمودية عفا عليها الزمن متجهاً بها إلى صنعاء، عازماً، بدون سابق تخطيط أو صفقات مبرمة، على أن يكون هو الرئيس القادم، حالفاً يمين جازمة “حرام وطلاق انها عندي ذي المرة”، غير آبه –لو كان يعلم– لمقترح وزير الدفاع الجنوبي صالح مصلح، الذي كان يتداوله المكتب السياسي في عدن حول قرار منع وصوله إلى صنعاء. ولو قُدّر يومها للحزب الاشتراكي أن يوافق على مقترح الوزير لكانت طائرتان من سلاح الجو الجنوبي قد اعترضتا الطائرة العمودية و”قرحتها” والرائد علي عبد الله صالح في الجو. إلا أن القدر شاء أن يكون هناك 17/7، و7/7، وسبعات كثيرة في أجندة الحسابات الفلكية لا يعلم مدلولها العلمي إلا الرئيس نفسه وشخص آخر مغمور لا داعي لذكر اسمه.
ولا شك أن قراءة مكونات ومكنونات شخصية الرئيس صعبة جداً، وغاية في التعقيد، تحتاج إلى قدرة فائقة في فهم ما بين السطور واستشراف ما خلف المعلوم، وهو ما ليس لي أن أتحدث عنه، لعدم معرفتي بالرجل عن قرب، وقلة مهاراتي في قراءة من هذا القبيل.
وأفضل ما يمكن عمله حيال قراءة معقدة من هذا النوع هو التحدث عن ظواهر الأمور. ففي اعتقادي أن الرئيس يثبت في مواقف كثيرة أن قراراته وليدة اللحظة، فهو من النوع الذي لا يسمع أحدا، ولا يستشير مقربا، ولا يرتجف إذا هب الطوفان، ولا يبالي إن انحنى للعاصفة.
إني أخاله رجلا صعب المراس، ذا مزاج غريب. يعتقد البعض في لحظة أنه معه، وتجده في أخرى يقصم ظهره. وهذه هي أهم الركائز التي يتكئ عليها الرئيس خلال ثلاثين عاماً من الحكم. فهي جانب مهم من مكونات شخصيته وعقيدته في الحفاظ على الحكم طيلة هذه الفترة من الزمن. والرجل لا يخفي هذه الطريقة في التعاطي مع الغير. فهو يردد دائماً في أحاديثه وخطبه مقولة: “الكرسي من نار” و “حكم اليمن أشبه بالرقص على رؤوس الثعابين”.
وهنا أجزم أن اللذين يقتربون من الرئيس ويتحدثون في الشؤون العامة، مادحين أم منتقدين، يفوتهم كثيراً التنبه لمدلول “الكرسي من نار”؛ فمن مصلحة من يقترب من الرئيس، مساعداً أم ناصحاً، أن يدرك أنه كلما اقترب فإنه يدنو من الكرسي الملتهب.
هكذا هي نظرة الرئيس للمسافات العازلة بينه وبين الآخرين. فتحريم الدخول في المنطقة العازلة عقيدة عند الرئيس، على خلاف غيره من الحكام، ربما أنه يؤمن بها إلى حد التطرف، دون أن يعني هذا تجريم انتقاد الرجل، فطالما وأنت بعيد منه فلك أن تقول ما تشاء.
كما أن التعاطي مع الأخ الرئيس، صاحب نظرية “الرقص على رؤوس الثعابين”، يتطلب ممن يقترب من ملعبه أن يملك واقعية كبيرة مع النفس، منطلقاً من حقيقة أن الرجل ينظر له ولغيره، دون تمييز، على أنه ثعبان من بين ألاف الثعابين الذين تقع عينه عليهم لا يأمن أحدا منهم، ويؤمن جيداً بالرقص على رؤوسهم بما تتطلبه هذه اللعبة من خفة الحركة والمهارة الفائقة في حسابات المسافات والأثقال. فالتعاطي مع الرئيس شبيه إلى حد كبير بهذه المعادلة الصعبة واللعبة الخطيرة التي لا يمكن لنجوم هوليوود أن يجسدوها فيلما سينمائياً في التاريخ المعاصر.
الحديث عن مكون شخصية الرئيس صالح ونظرية “الثعابين والكرسي الملتهبـ” بقدر ما فيه من قراءات تثير الدهشة والإعجاب معاً، فإن فيه -في المقابل- محطات كثيرة تبعث على الاستغراب والحسرة في آن واحد؛ إذ لا يمكن تفهم أن شخصية تمتلك هذا القدر الهائل من الذكاء والحرفية في اتخاذ القرارات الصعبة والانتحارية، أحياناً ليس بمقدورها أن تبني تنمية فعلية واستقرارا حقيقيا. إنها مفارقة غريبة وسؤال عريض لا أجد له إجابة بأي حال من الأحوال.
بكل المقاييس، السياسية والعسكرية، يعتبر قرار وقف الحرب في صعدة قرارا متهورا وخطيرا لا يمكن أن يقدم عليه عاقل، فضلاً على رئيس دولة. هذا بالمقاييس المتعارف عليها، أما بمقاييس الحالة اليمنية والطريقة الخارقة للعادة التي يدير بها الرئيس أزماته في الداخل وفي علاقاته الخارجية، فإن قرارا من هذا النوع معقول ومقبول إلى حد كبير، بل إنه قرار سليم بامتياز.
أدرك وقع هذا القرار على الجميع، وما أحدثه من صدمة وذهول في صفوف الجيش والشارع اليمني وفي أروقة أركان السلطة والمقربين، وحتى في داخل مجاميع جماعة الحوثي الذين أعتقد أنهم مازالوا خارج منطقة استيعاب القرار، باعتباره من العيار الثقيل، أو تفجيرا من النوع مزدوج التأثير والارتداد؛ ولكن رغم كل هذا أنا مع الرئيس ولأول مرة بدون أي تحفظ، مختلفاً في النظرة إلى هذا القرار مع كل الذين أتفق معهم على طول الخط. فقراءتي للموقف الذي نتج عنه هذا القرار تقودني إلى تأييده والإعجاب به أيضاً.
قبل إعلان الرئيس إيقاف الحرب بأيام كانت هناك لقاءات كثيرة وأفكار عديدة تداولها الرئيس مباشرة مع قادة الجيش ومشايخ قبائل صعدة وقوى سياسية، محسوبة على النظام أو معارضة له، إلى جانب ذكرى 17/7. ولعل الرجل خلص إلى أهمية اتخاذ خطوة القفز إلى حافة الهاوية ليحشر أعوانه وخصومه في زاوية حرجة، مستهلاً بها عامه الواحد والثلاثين ليعطيهم –مجدداً- درساً في فن “الرقص على رؤوس الثعابين”، حتى لا يعتقد أحد أن تقدم الرئيس في السن أفقده مهاراته المعهودة في خلط الأوراق وقلب الطاولات ومزج الحابل بالنابل، ليبدأ عاما جديدا بدون أصوات رصاص ولا تقارير تبعث على التوتر.
الخلاصة
 الإجابة على السؤال المهم (لماذا هذا القرار بهذا الإخراج وفي هذا التوقيت بالذات؟) تكمن في ما سبق الإشارة إليه، وخاصة إعادة تنشيط ذاكرة الأعوان والخصوم على قاعدة “الثعابين والكرسي الملتهبـ”، فتلك هي زبدة الإجابة.
وعلى الذين يريدون الاستغراق في التحليل أن يستحضروا العوامل الداخلية والخارجية، بما فيها الوضع العسكري الميداني في صعدة والانقسام القبلي في صنعاء والاختراق السوري في باريس والانفراج الإيراني الأمريكي في جنيف والمشهد السوداني في دارفور والخرطوم ونيويورك وانتصار حزب الله في مفاوضات الأسرى وانكسار تيار المستقبل في اتفاق الدوحة… واجمع واطرح، تجد القرار سليما، ينقصه فقط أن صعدة في مهب الريح.
رسائل قصيرة
– الأخ الرئيس! القرار سليم، وأحييك عليه، وأنصح بقراءة صلح دعان.
– اللواء علي محسن الأحمر! تقبلها بروح رياضية، فقد أبدعت في الميدان!
– السيد عبد الملك الحوثي! ما كل مرة تسلم الجرة!
– الشيخ حسين الأحمر! إقرأ هذا المقال جيداً إن شئت!
[email protected]