مروجو الحرب، إذ يستنجدون بالأسباب العقلانية والمنطقية – مصطفى راجح

مروجو الحرب، إذ يستنجدون بالأسباب العقلانية والمنطقية – مصطفى راجح

يتساءل تجار الحرب في صعدة، وأنصار استمرارها عن أسباب وقفها، فجأة يتحول هؤلاء إلى منطقيين جداً، وعقلانيين جداً. تتوالد الاسئلة من أفواههم وصحفهم عن لا معقولية قرار وقف الحرب، ولامنطقيته، وكأن الحرب والدمار يوماً وراء يوم، وأسبوعاً وراء أسبوع وشهراً وراء شهر، وسنة تليها سنوات، كانت منطقية وعقلانية.
استمرار هذه الحرب هو المعادل الموضوعي لفقدان العقل والمنطق، وليس قرار إنهائها سوى استعادة لممكنات العقل والمنطق.
وضع حد للحرب في صعدة، ليس مسألة عويصة، وملغزة، وغامضة إلى درجة تبرر هذا السيل من الكتابات والتقارير الإخبارية، المتوهمة أنها تدور حول معسكر «الصقور».
المسألة بسيطة، ويمكن فكها بسؤال واحد: ما الأفضل لنا جميعاً شعباً وسلطة ومعارضة؟ هل إيقاف حرب صعدة فوراً، أم استمرارها؟ هل الأفضل لليمن وقف نزيف الدم الذي يتوسع كل يوم أم الاستمرار في حرب مفتوحة، وبدون مدى زمني محدود؟ (هكذا حرب قدام قدام، لافين؟ محناش داريين؟!).
وقف حرب صعدة قرار شجاع وحكيم ويستحق التحية والتقدير، والمساندة من كل اليمنيين، وبعيداً عن أي حيثيات سابقة أو لاحقة.
لم تكن هذه الحرب من بدايتها حلاً مناسباً للتعامل مع ظاهرة «الحوثية»، بل إنها «الحرب بحد ذاتها وأخطاؤها المتراكمة» مدت «الحوثية» بأسباب الحياة وممكنات التوسع والانتشار.
وإذا ما افترضنا جدلاً صحة ما يروجه أنصار الحرب وتجارها عن الحسم العسكري، فلنسأل: هل من المنطقي والمعقول والمقبول استئناف حرب خامسة بعد أربع جولات سابقة، ومن ثم مضي الاسابيع والأشهر من دون الحسم العسكري الموعود؟ بل على العكس امتدت الحرب زمنياً وجغرافياً إلى مناطق جديدة عن الجولات السابقة.
يتحدث كثيرون عن الانفلات النهائي أو الانهيار الذي تمضي اليمن باتجاه هاويته السحيقة، مع تظافر حرب صعدة، واحتجاجات الجنوب، وخطر “القاعدة”، والغلاء، والفساد، وما إليها.
ويتصور كثيرون هذا الانفلات وكأنه حدث مفاجئ، كأن تنام ليلاً لتصحو في اليوم التالي على انفلات الوضع: اشتباكات في الشوارع، تفجيرات، عصابات منتشرة في الحارات، اختطافات.
والأكيد والواضح أن الانفلات لا يأتي هكذا. هو يبدأ تدريجياً، بتطبيع حياة اليمنيين على الحرب كما يحدث في صعدة، والتفجيرات المتقطعة بين حين وآخر، والحوادث الأمنية المتكررة، وتمظهر اليمن في الشريط الاخباري أسفل القنوات الفضائية باعتباره خبراً أمنياً عن اشتباكات مستمرة، أو تفجير، أو اختطاف.
عندما نقرأ خبراً في الشريط الفضائي بين حين وآخر وعن تفجير في الجزائر، أو اشتباك مع جماعة متطرفة، تثبت صورة الجزائر مثلاً كمكان غير آمن، ومرادف لعدم الاستقرار، وسبب كاف للهروب من هذه الرقعة الجغرافية، ليس فقط هروب الاستثمارات المحتملة، أو الأفواج السياحية المتوقعة، بل وهروب مشاهد التلفزيون أيضاً من متابعة أي مادة إعلامية عن هذا البلد.
لا يعود مهماً هنا الحيثيات: تبعد الحرب مثلاً عن العاصمة بعشرات الكيلو مترات، أو أن هذا حادث عرضي، لا يعطل الحياة.
إطلاق صواريخ على مقر سفارة أو ما شابهها في صنعاء، ربما لا يقلق سكان العاصمة الذين يعيشون الحياة اليومية في شوارعها، أكثر مما يقلق الخارج عن اليمن كمغتربين، ومتابعين ومنظمات ودول، ويموضع اليمن في أذهانهم كبلد غير آمن.
وقف حرب صعدة، يفتح المجال واسعاً لممكنات العقل والحوار، واستعادة ثقة اليمنيين بإمكانية العيش الكريم في بلدهم بعيداً عن كارثة الحرب التي صدرت الموت إلى كل المدن والقرى، ورفعت الغطاء عن الزوايا المظلمة للصراعات المذهبية والطائفية، وما تجتره من خطايات، ورزايا.
كل شيء قابل للنقاش، فقط نحتاج أولاً إلى إنهاء هذه الحرب، وتفريغ روافعها ومحركاتها من إمكانية المعاودة، وهي إمكانية قابلة للنفاذ. إذا لم يكن لقرار وقف الحرب إرادة حازمة ونهائية، وإذا لم تحظ هذه الارادة بمساندة الفاعليات السياسية والمدنية والشعبية. وبالقدر الذي يفتح فيه قرار وقف الحرب، المجال للنظر في المآسي الانسانية التي خلفتها، وتعويض المتضررين، بالقدر نفسه، يضع العصيان المسلح لجماعة الحوثي موضع المساءلة أمام كل اليمنيين.
[email protected]