إبهام أخي.. “مَحرمي” – سلمى ضيف الله

إبهام أخي.. “مَحرمي” – سلمى ضيف الله

عندما توجهت إلى المصلحة لتجديد جواز سفري منتهي الصلاحية، أنا وزميلة لي في منتدى الشقائق، طلبوا منا موافقة ولي الأمر. طبعا حاولت “مشارعتهم” بشتى الطرق حتى أتمكن من الحصول على الجواز بدونها، لأني في هذا العمر الذي يقارب منتصف الثلاثينات (إلا شهرين إحقاقا للحق) لا يجوز أن آخذ الإذن من أخي الذي يصغرني بتسعة أعوام للحصول على وثيقة تمنحني القليل من الاستقلالية، كما وأني لست قاصرا يتوجب عليّ أخذ الإذن من ولي أمري. وتساءلت: كيف تصنع المرأة التي ليست على وفاق مع ولي أمرها لأي سبب كان؟ أو التي ليس لديها ولي أمر أصلا أو التي ولي أمرها يقيم في بلاد واق الواق!؟
لكن إصراري على الحصول على جواز السفر والذي لا يقل عنه إصراري على الحصول على البطاقة الشخصية والتوقيع على عقد الزواج (وليس عقد النكاح) لأني طرف وشريك فيه ولست وسيلة، ومحاورتي قبل الموافقة على الزواج بالزوجة الثانية، ومناقشتي قبل أن أطلق طلاقا غيابيا وغيرها من الأمور الأساسية التي يجب أن أكون فيها الشخص رقم واحد وليس رقم اثنين، لأني المعنية بالأمر وليس ولي أمري أو “مَحرمي”، كما وإصراري على آدميتي وإحساسي بضرورة مساواتي بأخي أو بأي رجل آخر؛ فليس لي أي ذنب أني خلقت مختلفة بيولوجيا “فقط”. هذا الإصرار دفعني للدخول إلى كل مسؤول في مصلحة الجوازات طالبة منهم الموافقة على منحي الجواز، مؤكدة لهم أنني لست تحت سن الرشد ولا مراهقة سأفكر بالفرار مع أول عشيق، والدليل جواز سفري السابق والذي يبين بوضوح كم مرة سافرت وعدت إلى بلدي سالمة غانمة!!
وقتها تذكرت موقفا طريفا حصل لي قبل عامين ونصف عندما عزمت السفر لأداء فريضة العمرة بصحبة ابن اختي ذي الثمانية عشر عاما آنذاك، والذي كان يتمتع بشاربين دقيقين للغاية، مما حدا بالموظف المختص بتأشيرات العمرة في أحد مكاتب الطيران بالتشكيكك بعمره الحقيقي، لذا قمنا بإعادة رسم شواربه بقلم سائل أسود وذهب لالتقاط صورة مرة أخرى، وطبعا مشى الحال وأدينا العمرة وتساءلت كثيرا حينها: هل تقبل عمرتنا بما أننا قد زورنا صورته؟!
أعود لمصلحة الجوازات: سخر مني كل مسؤول بطريقته، حتى أن أحدهم قال لي: “ارفعي علينا قضية مثل رضية شمشير”!! وعندما أكدت له أن هناك عددا من النساء أعرفهن جيدا قد استخرجن جوازات سفر دون موافقة أولياء أمورهن، قالوا لي: اذهبي إلى رئيس المصلحة وبلغيه بذلك فهذا مخالف للقوانين!!
وبما أنني امرأة مطيعة فقد توجهت إلى رئيس المصلحة، لكن للأسف كان قد غادرالمكتب لأن الدوام كان قد انتهى فلقد كانت االساعة حينها الحادية عشرة والنصف ظهرا!!
عدنا إلى المكتب نجر وراءنا أذيال الخيبة، خاصة وأننا “نشتغلـ” في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة بشكل خاص، وما حدث إنما هو عار في جبين المجتمع المدني –الذي نحن منه– والذي حتى اللحظة مازال يناضل من أجل مناهضة ختان الإناث!!
ولأني امرأة مطيعة –كما ذكرت سابقا– ولا أتمرد إلا في أضيق الحدود ولأن أي مناصرة أو حشد آراء أو مسيرة تضامنية لمنظمات المجتمع المدني قد يأخذ وقتا أطول مما يفترض به، فقد ارتأيت أن أتصل بأخي، طالبة منه أن يكمل المعاملة ويمنحني موافقته ومباركته لاستخراج جواز السفر. طبعا لبى طلبي، ولكن لفرط انشغاله أعطى المعاملة لصديق له في المصلحة بعد أن دوّن بياناته، وكنت على اتصال يومي به بانتظار أن
أحصل على جواز السفر لأن من المفترض أن أحضر دورة تدريبية في عمان حول الرصد والتقييم عن العنف ضد النساء في منتصف هذا الشهر!!
بعد أسبوع اتصل بي أخي وبشرني قائلا إنه نسي أن “يبصم” بإبهامه على استمارة طلب الجواز، إلا أنه وعدني بأنه وبمجرد أن يتوفر لديه الوقت سيذهب إلى المصلحة و”يبصم” بإبهامه!!
أحد الناشطين اقترح –ضاحكا– على عدم قدرتي على استخراج جواز سفر منذ عشرة أيام وحتى اليوم بسبب طلب مصلحة الهجرة والجوازات موافقة ولي أمري، أن ينظم المجتمع المدني مسيرة تضامنية معي في “ساحة الحرية”.
إلا أنني فكرت وبما أن مستقبل سفري وزواجي وطلاقي وغيرها من متطلبات حياتي الهامة تعتمد على “بصمة” أخي فإني أرتئي لي ولغيري من بنات جنسي أن تقطع كل منا إبهام ولي أمرها وتحتفظ به في الثلاجة لحين الحاجة إلى أي موافقة من ولي الأمر في أي أمر من أمورنا نحن النساء ويتم استخدام الإبهام في حال انشغال ولي الأمر أو “المحرم”.
وأملي في الله وفي أخي كبير بانتظار أن يجد متسعا من الوقت ليذهب إلى مصلحة الجوازات “ليبصم”. كما آمل أن ينتظر منظمو الدورة التدريبية في عمان للحصول على صورة من جواز سفري لتأكيد حجز الفندق وإرسال تذكرة السفر، مثلما أنا بانتظار. “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”.