بلقيس اللهبي تتساء: أيش في؟

بلقيس اللهبي تتساء: أيش في؟

سؤال نطقناه مع سائق التاكسي الذي كان يقلنا إلى “شارع العدلـ”، حيث من المفترض أن منظمات مجتمع مدني دعت لاعتصام أمام مجلس القضاء الأعلى. وكان سبب سؤالنا هو حال الشارع الغريب: شاحنات الشرطة أو الجيش لا أدري ولا يهمني أن أدري، وأطقم شرطة النجدة التي أعرفها جيدا، بل إن هناك عساكر بهراوات.
كنت وزملائي نحمل لافتات الاعتصام، وبعد تواصل بالهواتف السيارة (التي تثبت فوائد التكنولوجيا التي يذمها الناس كثيرا لتأثيرها على الفضيلة ويستخدمونها فيما لا يفيد غالبا) استطعنا أن نلتقي بزملائنا الآخرين. لم نكن كثيرين، على الأقل مقارنة برجال الأمن. ولم نكن نبغي أي شغب. كانت لدينا رسالة شديدة التهذيب نريد إيصالها إلى صاحب الفضيلة رئيس مجلس القضاء الأعلى، ونقف قليلا تحت شمس الوطن الحارة في يوم من أيام الصيف القائضة، ملبين دعوة منظمات المجتمع المدني التي ليست من الترف بحيث تستطيع تأمين قناني الماء للمعتصمين، ناهيك عن إعطائهم بدل تشمس كما تفعل بعض الجهات.
حين كنا ندور حول مبنى وزارة العدل الذي يقع داخله مجلس القضاء الأعلى، كانت ترافقنا خشية أن يوقفنا الجنود بتهمة حمل لافتات الاعتصام، نخشى فقدان لافتات بذلنا جهدا في دفع مستحقاتها، ويحزننا أنه إذا لم يسمح لنا بالاعتصام فلن ترى النور برغم الجهد الذي بذل، ولكن وعند رؤيتنا أيضا هراوات الجنود خشينا وقعها المؤلم على عظامنا التي لا يستبعد أن تكسر بضربة هراوة لهشاشة العظام التي ترافق اليمني عادة.
بعد وقوف يسير على أحد الأرصفة أخرج بعض الزملاء كاميراتهم للتصوير، فتقدم أحد الضباط منا بحزم وتهذيب وطلب منا عدم التصوير، التزمنا بأوامره التي لا يسندها قانون درءا للمهالك. اتفق المتجمهرون على التوجه لنقابة الصحفيين حيث نسجل من بيت حرية التعبير احتجاجنا على عدم السماح لنا بممارسة حقنا بالاحتجاج، يعني “فش غلـ”، وأيضا لنعرض هناك لافتاتنا ونقرأها نحن ثم نطويها ونمضي. في النقابة وقف نقيب الصحفيين ينظر إلينا من باب النقابة، وكنا واقفين في الحوش، لم يقترب منا، ولم يسألنا من نحن، رغم أنّا لسنا من رعايا نقابته، بل من منظمات زميلة. لم يقترب أبدا من دائرة احتجاجنا، لم أعرف لماذا ذهبنا هناك؟ المهم أنه على الأقل التقطت كاميرا قناة “الجزيرة” عبارات لافتاتنا، وكاميرات بعض الصحفيين، طويناها وذهبنا.
الرسالة التي أردنا تسليمها لمجلس القضاء وصلته عبر الإعلام شاء أم أبى، ولكن بدلا من أن يقول الإعلام إن رئيس المجلس استقبل المحتجين، واستمع إليهم، كمسؤول يدرك مسؤولياته في دولة ديمقراطية، وصلت مغلفة بخبر يفضح أداء دولة قمعية تمنع الاحتجاجات السلمية لمنظمات سلمية، بقوة “العسكر”.
ويظل السؤال ملح “ايش في؟”. اختارت قيادة البلاد الديمقراطية والتعددية كنظام حكم، وأرادت المنظمات والنقابات والأحزاب أن تساعد هذه القيادة في ترسيخ هذا النظام، فهل أراد النظام التعددية ذات اللون الواحد، والديمقراطية الصورية و”إحنا فهمناه غلط”؟ كان ممكنا نقلهم “يعطفوا وإحنا نعطف”! يعطفوا الديمقراطية خاصتهم، ونعطف نحن مظاهرها، ويا يمن ما دخلتك ديمقراطيه، لكن ما ينفعش وبحسب المثل اليمني “قد دخل الحمار السوق”، لم يعد أمام السلطة إلا أن تطور أدائها ليستوعب التحول الديمقراطي وتحاول أن توفي اشتراطات الدمقرطة وأهمها استقلالية القضاء ونزاهته، وتقبل مراقبة المجتمع المدني لهذه الاستقلالية والنزاهة، وأن تقبل هذه السلطة أيضا نقدها وتصحيح مسارها كأهم ضمان للديمقراطية، وعليها أن تقبل المطالب الحقوقية وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير.