كُلفة مواجهات متطرفة – ماجد المذحجي

كُلفة مواجهات متطرفة – ماجد المذحجي

يحتمي أداء اليمنيين، في نزاعاتهم، بمزاج يُرجح اللقاء في منتصف الطريق عادةً. ورغم أن اليمني يرفع لهجته في أي مشكلة بشكل يوحي بنهاية متطرفة للموضوع، إلا أنه يخضع في الأخير لمنطق من قبيل “ثلثين بثلث”، أي أن يدفع أحدهم كلفة أعلى نسبياً من الآخر، دون أن يتحملها لوحده بالأكمل، باعتبارها تسوية ملائمة لا تضطر الطرفين لخيارات الحد الأقصى المكلفة. يُمكن تحسس ذلك على المستوى العام، مع التأكيد على الاستثناءات. وتدار حوادث القتل، والخصومات بين القبائل، والعلاقات السياسية، ضمن الذهنية ذاتها، التي تخفض أضرار المواجهات المتطرفة بالضرورة، وإن كانت تخضع بالأخير لموازين القوة، حيث يُقر لذوي الغلبة بـ”الثلثين”، أو أكثر، في النتيجة الأخيرة.
يُمكن وصف ذلك بنسق عام احتكمت له السياسة أيضاً في اليمن، وضمناً أدار “النظام” -كطرف يمتلك الحصة الأكبر من القوة- علاقته مع الخصوم السياسيين بمنطق لا يدفع الطرفين عادة لخيارات المواجهة القصوى المكلفة عامةً. يُقر هكذا منطق التوازنات ولا يلغيها، ويستجيب لنفسية عامة تقر بكون الأضعف يدفع الثمن الأكبر في أي نزاع، لكنها لا تحتمل إلغاءه كلياً، لأن ذلك يهدد الجميع بالاضطرار لمواجهات حادة لم يتم الاعتياد عليها، ولا يريد الجميع دفع تكاليفها أيضاً. في حرب 94 مثلاً، انتصر تحالف المؤتمر والاصلاح عسكرياً بشكل ساحق، ودفع الحزب الاشتراكي نتيجة خسارته للنزال العسكري ضريبة مكلفة على كل المستويات، ولكن منطق خفض الاضطرار للمواجهة القصوى حماه من “الحظر” مثلاً، وحافظ على تمثيل محدود له بعد الحرب لا يُضطر فيه إلى دفاعات اليأس الأخيرة. وفي مستويات كثيرة، وعلى أمد زمني طويل، تلاعب “الرئيس” بخصومه، وأدار الصراع معهم عبر المنطق ذاته، أي استبقاء العلاقة معهم ضمن مستوى لا يضطر الجميع فيه إلى المواجهة القصوى، وبشكل يُفسح فيه المجال لفرصة حل وقت الحاجة ليستمر الجميع.
السياسة، وتوازنات القوى بين المكونات الاجتماعية، وحتى العلاقات اليومية، كانت كلها تخضع ضمناً لهذا “العُرف” غير المعلن والضابط، الذي يُضفي مرونة على الأداء العام، ويوفر فرص الحد الأدنى للتعايش، ومخارج لائقة يحتاجها المتخاصمون، لحفظ قدر من الكرامة للخاسر منهم. ولكن بشكل فعلي لم يحدث مسبقاً في اليمن استنفاد فرص لتسويات منتصف الطريق كما هو حاصل الآن؛ حيث تبدو مواجهات “النظام” مؤخراً مع خصومه مشدودة حتى الأخير، وبأقل إمكانية على ترجيح “حلولـ” اللحظة الأخيرة التي تحفظ ماء الوجه للجميع كما هو معتاد!
يحدث ذلك في صعدة، وفي الجنوب، وفي “جبهة” الصحفيين أيضاً، التي تحولت المواجهة بينهم والدولة إلى ساحة حرب حقيقية تقع فيها خسارات فادحة لدى الطرفين. وما يلفت النظر فعلاً هو كون ذلك سلوكا غير معتاد في سياسة “النظام”، وبالأحرى “الرئيس”، والذي اعتمد سابقاً على إدارة معقولة للخصومة مع الآخرين، ما يترك الفرص وافرة في يده للحظة الأخيرة، حيث يُتاح له حينها ترجيح خيار “الحكمة”، كما هو الوصف الرسمي المعتاد للحل الأخير الذي يتخذه “الرئيس” عادة، ويتم فيه عادةً إنقاذ “الخصومة”، أو النزاع، من التطرف الذي يسحب الخيارات دوماً نحو مواجهة عمياء يخسر فيها كافة الأطراف بشدة.
صعدة الآن في قلب أكثر المواجهات دموية منذ بدء جولات الحرب. ويرافق الاتساع الكبير في دائرة مناطق المواجهات وخروجها لمناطق جديدة لأول مرة، ارتفاع عالٍ في معدلات الضحايا والخسائر، مع انخفاض كبير في الرهان على تسوية سياسية سلمية للأزمة، وتعويل، من قبل “النظام”، على حسم عسكري لا يبدو مسنوداً بأي معطيات ميدانية، ويتغذى فقط على تحريض دعائي على الزيدية والهاشميين، بما يستنفر المكونات اليمنية تجاه بعضها وتجاه الدولة بالأساس، التي مازالت فكرتها وحضورها الفعلي ضعيفاً في الكثير من المناطق، ويدفع المواجهات بشكل حثيث نحو المنطقة الأخطر في المستقبل: استيقاظ المكون العصبوي بشكل واسع وعدائي لدى “الزيدية” لحماية الهوية الطائفية في مواجهة الإحساس بوجود عمل منظم لإلغائها.
أما الحراك الجنوبي الذي تم كتمه أمنياً بشكل شرس، يبدو مهيأً بفعل ذلك لخط آخر من العمل و”المواجهة” ضداً على “الدولة”، التي أغلقت عبر سياستها الأمنية العدائية، والملاحقة القانونية الانتقامية للكثير من رموزه، الباب أمام الفرص القليلة لـ”الجنوبيين”، لترجيح الإطار السياسي السلمي للحلول والمعالجات، بما يدفع لاحقاً نحو تفجُّر خطر للأوضاع سيكون تداعيه كارثيا على استقرار اليمن على المدى الطويل.
أما الصحفيون فهم يخوضون مواجهة هي الأكثر عدائية مع “النظام”. حيث استنفر الأخير “القضاء” لممارسة تنكيل مخيف بالصحفيين هو الأعلى منذ قيام الوحدة عام 90. واستخدم لترويع الصحفيين، وخفض سقف النقد الموجه له، الذي ارتفع كثيراً، أساليب يُمكن أن توصف بأنها تفتقر للنزاهة الأخلاقية تماماً، وتكشف عن ذهنية “تلفيق” و”فبركة” تلجأ لها العصابات لا الدول بالعادة!
إن اليمن بلد يقوم استقراره، في مستوى رئيس منه، على حفظ توازنات “كرامة” ضمنية بين مكوناته، تُقر فيها غلبة طرف على آخر دون تطرف ينال من إحساسه بكيانيته، وهي لا تحتمل سلوكيات حادة ونزاعات متطرفة تفسد هكذا تواطؤ صامت، لأنها ستدفع لمواجهات عنيفة ومنهكة. والسلوك الذي ميز “الرئيس” منذ توليه الحكم، أنه استطاع تصعيد هكذا نسق حتى الحد الأقصى في السياسة، مما حافظ على كرسيه حتى الآن. وتبدو خسارته لهكذا امتياز في إدارة الأمور، وفق ما تفصح عنه الأحوال القائمة الآن، مؤشرا خطرا إلى حال اليمن لاحقاً، في ظل صراعات ستستمر بشكل عنيف ومطّرد في حال غياب تسويات مرنة، تستوعب التناقضات، وتمنح الأولوية لحلول سلمية لا يشعر فيها أي طرف بأنه مُلغى كلياً.
[email protected]