كأول صحفي خصم للقضاء يجري فتحي استعداداته – رشاد الشرعبي

كأول صحفي خصم للقضاء يجري فتحي استعداداته – رشاد الشرعبي

للأسبوع الثاني، صار لزاماً على فتحي أن يستعد جيداً ويمثل باكراً أمام النيابة لاستكمال التحقيق في شكوى مجلس القضاء المقدمة ضده ورئيس تحرير صحيفة “الثوري”.
بالطبع فتحي لن ينسى اصطحاب حقيبته الصغيرة وهو في الطريق إلى أداء مهمته الإجبارية هذه، فهي الرفيق الذي لا يتخلى عن تأبطه حتى وقت الشدائد.
ولسنوات عديدة كان أمراً معتاداً أن يمثل الصحفيون اليمنيون أمام نيابة الصحافة والمطبوعات بين حين وآخر على ذمة قضايا النشر، حيث يتقمص دور المدعي في الغالب مؤسسات حكومية (عسكرية أو مدنية) أو مسؤولون حكوميون.
غير أن حظ فتحي أبو النصر، وهو شاعر وصحفي، وضعه في خانة الرقم واحد ضمن طابور مفترض من الصحفيين سيكونون ضحايا لمرحلة جديدة قد يضاف خلالها إلى دور القضاء كحكم مهمة جديدة ليتقمص دور الخصم، وهو دور أخطر بكثير على الصحفي كمدعى عليه.
فخلال أقل من أسبوع، ما بين تهديدات وزير العدل اليمني للصحفيين المنتقدين لأداء القضاء خاصة في قضيتي الصحفيين عبدالكريم الخيواني، ومحمد المقالح، وبين استدعاء فتحي، توترت علاقة الطرفين وتسارعت وتيرة تدشين مرحلة جديدة من العلاقة بينهما.
ينتظر فتحي ومعه رئيس “الثوري” المعارضة (أبو بكر باذيب) بعد جلستين استمعت النيابة خلالهما لأقوالهما ومحاميهما رداً على شكوى المجلس الأعلى للقضاء، ما سيتقرر بناءً على ذلك، إما عدم وجاهة الدعوى وإما إحالتها إلى المحكمة ليخوضا معركة قد تؤدي بهما إلى السجن والغرامة وإجراءات قد تطال الصحيفة.
دلائل الرغبة في الانتقام من الصحفيين المنتقدين لأداء القضاء لم تظهر فقط من خلال تصريحات الوزير، فبعد 5 أيام على إطلاقها وبمجرد مغادرة فتحي للمبنى القضائي، عقب استلامه لصورة من الدعوى كان مجهولون يعترضون طريقه، ما اضطره إلى توجيه رسالة قلقة عبر الصحافة إلى المنظمات المهتمة والنائب العام.
وقال إنه تعرض لجملة من الاستفزازات من قبل أشخاص مجهولين. وأضاف: “توعدوني فيها بإنزال أقصى العقوبات، لأكون أمثولة للصحفيين المتطاولين على القضاء”. وكان ذلك بعد دقائق من استلام نسخة من الدعوى، حيث رفض “البدء بإجراءات التحقيق، إلا بعد اطلاعي على الدعوى وتوكيلي لمحامي”.
صحيفة “الثوري” ظلت لسنوات تحتل المرتبة الأولى في عدد قضاياها المنظورة أمام القضاء، خاصة المقدمة نيابة عن رئيس الجمهورية ومؤسسات أمنية وعسكرية. هي التي نشرت مقال فتحي الذي كان محل غضب القضاء. ووفق القانون يتشارك رئيس التحرير والكاتب المسؤولية الجنائية للنشر.
ذكرت “الثوري” أن مجلس القضاء اتهمها –بسبب المقال– بالإساءة “للسلطة القضائية والتشهير بها وتضليل الرأي العام والمساس بهيبة القضاء واستقلاله والتأثير على سير العدالة”.
وكان وزير العدل أطلق تصريحات اعتبرها الوسط الصحفي تهديداً صريحاً. وقال لصحيفة القوات المسلحة إن الصحفي ليس محصنا ضد أي مساءلة قانونية جراء أفعاله وتصرفاته المجرمة قانوناً.
وبحسب الصحيفة، المقربة من رئاسة الجمهورية، فقد أكد الوزير ألاَّ أحد فوق القانون، ما اعتبرته “إشارة إلى الضجة التي أثيرت حول محاكمات صحفيين بتهم جنائية”. ونقلت عنه القول: “لن نسمح لأحد مهما كانت صفته أن يتطاول على السلطة القضائية أو يمس من هيبتها أو يدنس قدسيتها”. وزاد: “بالقانون سوف ندافع عن مكانة السلطة القضائية”.
وبرأي فتحي فإن تلك التصريحات “انطوت على تهديدات ضد الصحفيين الذين تناولوا قضية الخيواني بروح تضامنية”. وأضاف: “هذه إشارة إلى نية محاكمتهم باعتبار أنهم يسيئون للسلطة القضائية ولسمعة البلد”.
تصريحات الوزير استعرض فيها “عضلات وزارته ضد الصحفيين عندما لوح بصميل القضاء في مواجهة صحافة عزلاء”، وذلك برغم أن مطالب الصحفيين التي أثارت حنق الوزير، وفق الصحفي احمد الزرقة، كانت “تشدد على ضرورة التقيد بالقانون وليس غيره خلال إجراءات سير محاكمة الخيواني، واحترام منطوق الحكم القضائي الموثق تقنياً، والإجراءات القانونية المتبعة في مثل تلك الحالة”.
حالياً، المعركة محتدمة بين الطرفين، ليس فقط بسبب قسوة العقوبة التي طالت الخيواني، ولكن أيضاً بسبب فقرة النفاذ المعجل المضافة للحكم بعد أيام من إعلانه وطلب استئنافه في جلسة 9 يونيو.
ويؤمن فتحي بأن “مسار الإصلاح القضائي، يظل بحاجة مطلقة لقوة الصحافة، ما لم فإن مساره التقويمي المرتجى، سيفرغ من مضمونه، دونما صحافة رقابية ناقدة”.
قضية الخيواني إلى جانب أنها صارت قضية رأي عام، يرى فتحي أنه انتقد “أداء قاضيها الذي يعد موظفاً عاماً، كما نقلت الأثر الاستنكاري والتنديدي الذي خلفته هذه القضية لدى المراقبين والمهتمين في الداخل والخارج”.
بموجب التشريعات الوطنية، فوزير العدل جزء من السلطة التنفيذية. ويؤكد وكيل نقابة الصحفيين أنه “موظف حكومي ولا علاقة له بالسلطة القضائية”. وأضاف سعيد ثابت تعليقاً على تهديداته: “نحن نحترم القضاء، ونقول ألاَّ سلطان عليه”. واستدرك: “ولكن عندما لا يكون ذلك الحكم سياسياً، وأيضاً عندما يكون الحكم ابتدائياً، حيث وهو خاضع للنقد وليس حكماً نهائياً”.
فللمرة الأولى في تاريخه ضد صحفي يرفع مجلس القضاء دعوى عاجلة، حد علم فتحي، على خلفية قضية الخيواني الذي صدر ضده حكم بالسجن لمدة 6 سنوات في قضية جنائية اعتبرت ملفقة.
القضية ذاتها كانت سبباً في سجن صحفي آخر لمدة شهرين وإدانته بالاعتداء على هيبة القضاء. وبالإضافة إلى شهرين قضاهما محمد المقالح منذ اعتقاله وحتى صدور الحكم ضده، فهناك 6 أشهر أخرى قررها القاضي مع وقف التنفيذ سيظل مهدداً بسببها مدى الحياة.
وكان المقالح اعتقل أثناء حضوره متضامناً في جلسة المرافعات الختامية لقضية الخيواني، بسبب ضحكة أفلتت منه، ويعاقب قانوناً بالحبس 24 ساعة فقط، لكنه تعرض لما اعتبرته نقابة الصحفيين “تصفية حسابات سياسية” بسبب مقالاته الناقدة بشدة.
ظل الصحفيون يعتبرون القضاء مرجعية للجميع رغم ما يأخذونه عليه من ضعف وعدم استقلاليه، حتى وصلوا إلى اعتباره مع قضية الخيواني الأخيرة “قضاء تعليمات”.
لكن تهديدات الوزير تمخضت عن شكوى مستعجلة ضد فتحي ورئيس تحرير “الثوري”، الذي يعد بحسب القانون شريكاً مع الكاتب في تحمل المسؤولية عما نشر، ليعلن مرحلة جديدة لخصومة قد لا تتوقف مواجهاتها قريباً.
فالمرحلة ستسودها “النزعة الخصامية مع حق الرأي المقدس”، والتي يراها فتحي “ستسفر عن نتائج وخيمة من شأنها أن تصادر هذا الحق”. وبالرغم من ذلك فإن “القضاء يبقى محل تقدير واحترام”.
لجلستين عقدتا خلال أسبوعين، كان فتحي يمثل أمام النيابة مع محاميه ورئيس تحرير “الثوري”، ليس فقط للرد على شكوى ضده في أول قضية له، حيث سيتقمص دور المتهم، لكنه، وهو الأخطر بنظره والكثير من زملائه، سيكون خصماً لمن يفترض أن يكون فقط حكماً.
القلق في رسالة فتحي كان حاضراً، خاصة بعد اطلاعه على طبيعة التهمة وتهديدات المجهولين في بوابة مبنى النيابة. لكنه يأمل أن “تسكن الرحابة الحضارية روح القائمين على الشأن القضائي في البلاد، بدلاً من الترهيب اللاعقلاني لمنتقدي أدائه”. وزاد: “حتى لا تتجاوز الأخطاء القضائية حدود اللامعقول، ومصادرة النقد والإخراس لأصحاب الرأي”.
[email protected]