صحراء صنعاء! – أفراح أبو غانم*

صحراء صنعاء! – أفراح أبو غانم*

عندما بنى الأولون مدينة صنعاء القديمة جعلوا لها متنفسات خضراء، إما بالبساتين التي تكون حولها أو داخلها أو تتوسط مجموعة من المساكن (وتعرف بالمقاشم)، ليحفظوا لصنعاء هواء نقياً نتيجة لقلة هوائها (نقص الأكسجين) ولتجدده أيضاً.
وفي عصرنا (منذ بداية ثمانينات القرن الماضي تقريباً)، بدأ الناس بالبناء وتوسيع رقعة المساكن والتوطن في صنعاء دون الأخذ في الحسبان ما أخذ به الأولون (قلة هوائها أو نقص الأكسجين بالتعبير الحديث)، وتوسعت صنعاء وزادت مساكنها ومبانيها على حساب البساتين التي كانت حولها وعلى حساب المساحات الخضراء وأصبح يقتلع اللون الأخضر من كل مكان حول وداخل صنعاء ليحل محله الإسمنت وإسفلت الطرق أو غبارها على حدٍ سواء دون تخطيط للمستقبل وعواقب ذلك، تصحرت صنعاء شيئاً فشيئا.
ومما زاد الطين بلة المصانع التي سكنت وسط الأحياء السكنية وأغرقتها بالملوثات الهوائية والكيميائية وكذلك الكسارات التي أتت على صخور الجبال وحولتها إلى غبار قاتل ورمال متحركة في الهواء تعمي العيون وتخنق الرئات، وتكتمل القصة بزيادة عدد المركبات وما تنفثه من سموم من عوادمها.
وهكذا كانت الحكاية، تصحر وتلوث وسموم.. محاطة بإطار من استنزاف لآخر قطرات الماء وبقية من أراضٍ في الضواحي (التي كانت بعيدة وغدت قريبة) مزينة بأشجار القات السرطانية.
والكل يرى هذه الحكاية تسرد تفاصيلها أمام عينيه منذ خروجه للعمل في الصباح مكابداً الغبار وسموم المركبات وزحمتها وضيق الحال وضيق التنفس وغيرها حتى عودته مساء إلى بيته ليجد الماء مقطوعاً، لكن القات موجود والحمد لله.
ماذا بقي فيك يا صنعاء؟ لا خضرة ولا ماء ولا حتى الوجه الحسن، فالكل من ضيق الحال وتلوث المكان أصبح عابس الوجه ضيق الأفق، ومع ذلك لازال الكثير يهاجر من مناطقه حول البلاد شرقها وغربها ليتوطن صنعاء ويزيد فيها من رقعة المساكن العشوائية ومن مساحة التلوث، «فلابد من صنعاء وإن طال السفر»، وغدت صحراء لا ماء ولا شجر.!
حتى الصيف الجميل الذي كانت تتمتع به صنعاء وتتزين فيه بالأمطار أصبح عبئاً ثقيلاً عليها وعلى ساكنيها، فالحر في ازدياد والأمطار هجرت البلاد، ولقبت صنعاء بالرمضاء.
مشاكل كثيرة وهموم أكثر الكل يتحمل مسئوليتها بداية من الجهات الحكومية وحتى المواطن العادي، فهل يعي كل واحد مسئوليته ولو حتى تجاه بيته ومحيطه وشارعه ويحاول أن ينشر اللون الأخضر شجراً وزهراً بدلاً من أن نلقي اللوم كل على الآخر.
ليصلح المجتمع من حولنا.. علينا أن نبدأ بأنفسنا..
وهنيئاً للجميع بصحراء صنعاء إلى جانب صحراء تهامة وصحراء الربع الخالي.
* الهيئة العامة لحماية البيئة