مدينة النسيان على شفير سجدة: هجدة.. الشرطة فوق رؤوس الشعب، و«عبدالله عزام» على وشك الشهادة – عبدالهادي ناجي

مدينة النسيان على شفير سجدة: هجدة.. الشرطة فوق رؤوس الشعب، و«عبدالله عزام» على وشك الشهادة – عبدالهادي ناجي

في هجدة يختلف الأهالي حول تقييم أداء الرائد عبدالستار الهلالي مدير قسم الشرطة. البعض يشيد بدوره في مكافحة البلطجة التي يمارسها شباب سيئون، والبعض الآخر ينسب إليه ممارسة سلوك عدواني خارج القانون ضد المواطنين. عدا ذلك فإنهم يجمعون على أن الخطر الوشيك على مدينتهم آتٍ، لا ريب، من قسم الشرطة.
 
الشرطة تتصدع في السوق
يقع القسم على تبة داخل سوق المدينة. لكنه يكاد أن ينقض، فالمبنى العتيق متهالك، ويتصدع مع مرور الوقت، حتى أن أجزاء منه تتساقط على مرأى ومسمع المعنيين.
يجهد الرائد الهلالي، مدير القسم، لكي يبقي «الشرطة في خدمة الشعب» ويظل المبنى صامداً، واقفاً على رجليه، وسط البنايات المجاورة. وهو رفع تقارير إلى الجهات المعنية، وما يزال ينتظر إشارة إنقاذ من مركز الدولة قبل أن يسجد المبنى المتهالك في المدينة «المحرمة» على الخدمات: هجدة التي لن يسر أحد أن يصير اسمها «سجدة» نسبة إلى الكارثة المتوقعة.
إلى المدير، المختلف عليه، يمارس طاقم القسم عمله في المبنى. ويتواجد في إحدى غرفة الاحتياطي الذين تحيلهم النيابة إلى القسم ليقاسموا الخطر مع «خدام الشعب».على أن النزلاء (المحبوسين) يواجهون أخطاراً أخرى، فالغرفة التي يتكدسون داخلها أشبه بحمام، لأنهم يضطرون، في غياب خدمة صحية وحمامات، إلى التبول والتبرز في مكان إقامتهم. وإلى الروائح النتنة يتعايش هؤلاء قسرياً مع الحشرات والبعوض وزواحف من كل صنف.
 
منطقة تقاطع المفارقات
تقع هجدة في مديرية مقبنة التي يبلغ عدد سكانها نحو 187 ألف نسمة. وهجدة هي منطقة تقاطع المتنقلين (المسافرين) بين تعز والحديدة والمخاء والوازعية وموزع. وعبرها يواصل المغتربون القادمون من السعودية والخليج رحلتهم إلى الأحبة في مديريات المحافظة. وهي، إلى موقعها الجغرافي، تتمتع بالعديد من المقومات السياحية ففي الجوار يقع وادي رسيان الذي كان الامام أحمد (!) يوليه اهتمامه، قبل أن يلفه «النسيان» في نور الجمهورية ووهج الثورة.
<<<
ليته الوادي فحسب، وإنما المدينة المجني عليها، قد لفها النسيان حتى استحقت أن يخلع الأهالي عليها وصف «مدينة النسيان».
المشهد مروَّع في مركز المدينة، ففي غياب الخدمات التحتية، تحوَّلَ المركز إلى ممر وسوق وتجمع سكني… وزحام لا يحتمل في مدينة صغيرة اشتهرت ضمن ما اشتهرت به، بتزويد اليمنيين بأجبانها الفريدة ذات المذاق الفاخر الذي يتهافت عليه الآلاف في مدينة تعز، ومناطق أخرى.
الجو خانق في مركز هجدة. حركة السيارات بطيئة في الشارع (الممر والمستقر والمأوى) في غياب شرطة المرور والجسر الذي أُفترض فيه أن يخفِّف من الزحام تحول في ظل سبات السلطة المحلية في المديرية والمحافظة، إلى مقلب قمامة.
المنظر كئيب وبئيس، لا يخفف من وطأته سوى أصوات بائعات الجبن، وهن يناشدنك، بنبرة لا تخلو من تفاخر، شراء «حبة جبن من صنع هجدة».
 
شعار في حالة حصار
«صُنع في هجدة» لمَ لا؟ أدى غياب تخطيط محلي يراعي خصوصيات المحافظات، ويراكم مزاياها، إلى محاصرة «الشعار» الذي مازال بائعو وبائعات الجبن الهجدي يتشبثون به.
ويتساءل عصام هائل الشميري (أحد شباب المديرية)، عن أسباب تفكيك المشروع الفرنسي، الذي كان يهدف إلى تنمية صناعة الأجبان الهجدية، عبر بناء مصنع للجبن، يمكِّن الأهالي من تطوير قدراتهم الانتاجية. المشروع الفرنسي قدرت كلفته ب2.5 مليون ريال فقط، وكان يستهدف أيضاً الحد من البطالة المرتفعة والفقر المستشري بين السكان، وحسب عصام، فإن المشروع نظم خمس دورات تدريبية للمجلس المحلي وللمواطنين قبل أن يتم إجلاؤه من هجدة.
 
اسمنت في أذني السلطة
المحلية وفي جيوب الفاسدين
يريد أهالي مقبنة، وبينهم عصام الشميري وعبدالقادر الرازقي، أن تسوَّر مديريتهم بالعدل، بدلاً من خذلانها، ودفعها إلى بئر «النسيان».
يواصل عصام طرح أسئلته. وإذ يمهد، هذه المرة، بالإشارة إلى تميز مديرية مقبنة بالفرص التنموية، يتساءل عن مصير دخل المديرية من عائدات مصنع الاسمنت الواقع في نطاقها، والذي ينتج نحو 40 ألف كيس يومياً، نصيب المديرية 10 ريالات من قيمة كل كيس. بحسبة سريعة قام بها خلال لقائي به، لفت إلى أن العائد المفترض للمديرية يقارب 120 مليون ريال شهرياً.
وبنبرة حزينة يصدر حكمه النهائي: 120 مليون ريال… للأسف لا نعلم أين تذهب، فيما المديرية تفتقد إلى الحد الأدنى من المشاريع الخدمية في مجالات الصحة والمياه والتعليم والطرق والكهرباء.
المستوصف الصباحي:
على المسؤولين في السلطة المحلية بتعز، تقدير إجابات شافية عن مصير دخل المديرية. فالثابت لـ«النداء» أن تساؤل عصام في محله.
لم تصل الكهرباء بعد إلى مديرية مقبنة. «وعدونا مرارا بإيصالها إلى المنطقة، ولم يحققوا وعودهم» قال لـ«النداء» عبدالقادر الرازقي.
أشار إلى أعمدة الكهرباء، وأضاف: «عملوا الأعمدة، ولم يستكملوا عملهم، ونخاف أن تكون هذه الأعمدة من ضمن الدعاية في الانتخابات المقبلة».
بمولدات خاصة تعيش المديرية، ومدينة هجدة بالذات. ولذلك يعمل مستوصف هجدة في الفترة الصباحية فقط. وفي غرفة «المعاينة» صادفنا خالد سعيد الترجمي، وهو طبيب أطفال يعمل في المستوصف منذ سبتمبر 2005. طبيب الأطفال تمنى عبر «النداء» أن ينعم المسؤولون في السطة المحلية بنظرة رحيمة على المستوصف. وقال: رغم وجود المستوصف في نطاق تجمع سكاني كبير، إلا أننا نعمل في فترة مناوبة صباحية فقط، لأن خدمة الكهرباء لم تصل إلينا، وإذ أشار إلى وجود مبنى جديد، قال إن ذلك لن يكون كافياً في غياب خدمة الكهرباء.
 
شكاوى الهجدي الفصيح
تعيش صيدلية المستوصف حالة «تصفير» مزمنة. ويشكو عبدالقادر الرزاقي (من أهالي هجدة) من عدم توفر العلاجات في المستوصف، كما يشكو من القدرة الفائقة لدى أجهزة الدولة على الجباية، ويشكو أيضاً من تعثر مشاريع المياه بسبب الخلافات بين أعضاء الهيئة الإدارية للمشروع الأهلي. قائمة شكاوى الهجدي «الفصيح» طويلة، فالضمان الاجتماعي لا يصل إلى المستحقين، مستدلاً بجيرانه من الفقراء والمهمشين الذين لا يجدون موقعاً لهم تحت مظلة الضمان الاجتماعي، ورصف الشوارع والأزقة يتم دون دراسة أو بالمخالفة للمواصفات، فتتحول شوارع المدينة، دورياً، إلى ورش تكسير، والأمن مهمته فقط الجباية، ورجال الأمن يتعاملون بعدائية تجاه البسطاء… وهكذا.
 
السماعة وحدها لا تكفي
حسن عبده قاسم مكاوي، وهو طبيب باطنية ويحمل دبلوم في تخصص أنف أذن حنجرة، يعمل في هجدة منذ 20 عاماً، يقول متحسراً على سكان المنطقة: ليس في حوزتنا سوى «السماعات»، أحياناً توفر الدولة كثيراً من الأشياء، لكن (عملية استقدامها) تحتاج إلى متابعة وتعب. ويضيف: لا توجد تجهيزات في الحد الأدنى، ومع ذلك نقوم بإجراء بعض الفحوصات الأولية، في حين يتم توفير المحاليل من السوق فرصيد صيدلية المستوصف صفر.
كما في العديد من المرافق الصحية، يبدو الهرم الوظيفي مقلوباً يعمل في المستوصف 6=7 أطباء، و5 ممرضين (بينهم 3 ممرضات)، و4 مخبريين. لا ظهور صريح للطاقم الإداري. وحسب المصادر فإن الإدارة غائبة على الأغلب، والخدمات مثل الصيدلية: صفر.
أين المدير؟ سألنا بعض المتواجدين في المستوصف، فأوضحوا أنه في عيادته الخاصة. طمعنا في زيارته هناك لكنه اعتذر عن استقبالنا.
 
مستشفى في ثلاجة الموتى
للفساد والتسيب ثلاجة موتى. في الثلاجة يوجد مبنى أُقيم على مساحة 4200 متر مربع. هذا المبنى هو المستشفى الجديد الذي أقيم قبل 5 سنوات، حيث جمع الأهالي 3.5 مليون ريالاً لتوفير الجزء الأكبر من قيمة الأرض البالغة 4.350 مليون ريال.
المبنى جاهز منذ فترة طويلة حسبما قال لـ«النداء» عباس عبدالله أحمد عضو لجنة المستفيدين، وأضاف: القيمة الفعلية للمبنى 64 مليون ريال، لكنه مغلق بسبب عدم تجهيزه بالأثاث والمعدات الطبية.
طلاب في مدارس آيلة إلى السقوط
لئن كان حال الشرطة كذلك فكيف هو حال الشعب الذي تخدمه؟
استشهد «عبدالله عزام» في افغانستان قبل نحو عقدين، وهو مرشح للفوز بالشهادة، مرة أخرى، في هجدة. إحدى المدارس الموصوفة بأنها نموذجية تحمل اسم «الجهادي الفلسطيني». وضع المدرسة لا يسر محبي الرجل و بخاصة تلميذه النجيب أسامة بن لادن، فالمبنى آيل للسقوط في أي لحظة، ولا توجد فيه دورات مياه، ويعاني من فقر في القدرات، كالعجز في الكراسي التي سيجلس عليها التلاميذ، ومع ذلك تعد هذه المدرسة نموذجية قياساً إلى غيرها. وحسب المدير عارف سعيد أحمد فإن متابعاته لدى مكتبتي التعليم في المديرية والمحافظة دخلت في دائرة الوعود منذ فترة طويلة.
الحال أسوأ في مدرسة محمد عبدالعزيز حمزة التي بُنيت عام 1978. في هذه المدرسة يدرس 2200 طالباً وطالبة، وهؤلاء الأبرياء عرضة لكارثة في أية لحظة، حسبما يؤكد مدير المدرسة علي عبدالرحمن العليمي، وهو قال: «إذا لم تتحرك الجهات المعنية، وتبادر إلى ترميم المدرسة وتأهيل المبنى ستقع الكارثة، لأن المبنى قد ينهار في أي وقت».
المحقق أن طلاب المدرستين أفلتوا في هذا العام الدراسي المنتهي، وعلى السلطة المحلية أن تفعل شيئاً خلال الإجازة الصيغية.