زبيد الأم الموءودة – عبدالباري طاهر

زبيد الأم الموءودة – عبدالباري طاهر
عبدالباري طاهر

زبيد الأم الموءودة – عبدالباري طاهر

الاهمال، بل الظلم، بل القتل العامد هو ما لحق بزبيد، وهو ما لايمكن تبريره، فالحصيب -زبيد- فيما بعد هو الوادي الذي وفد منه أبو موسى الاشعري، وجاء معه في السفينة جعفر بن ابي طالب وبعض المهاجرين.
أعجب النبي الكريم حد الاندهاش بملابس «الاشعري» المزركشة، وأعجب النبي بتجويد الاشاعر للقرآن قائلاً: «أتاكم أهل اليمن الارق افئدة والالين قلوبا» الحديث. وكان النساء يحتشدن لسماع قراءة أبي موسى.
على مدى عدة قرون أصبحت زبيد حاضرة من أهم حواضر العالم الاسلامي، وتوجت لعدة عقود عاصمة ثقافية واقتصادية وحضارية للعالم الاسلامي.
ولعبت زبيد دوراً في نشر الثقافة والمعرفة في اليمن والبلاد العربية، وشرق افريقيا وآسيا.
وكانت جامعة الاشاعر جامعة لطلاب المعرفة والعلم من مختلف البلاد الاسلامية.
أنجبت العلماء الاجلاء في مختلف فروع المعرفة، وكانت مركز التحاور والتعدد المذهبي والفكري: الصوفي، الفقهي، ابن المقري، الجبرتي، الرداد، عبدالكريم الجيلي، المزجاجي، اسماعيل الحضرمي، ابن عجيل، والبدر حسين، وصاحب القاموس الفيروز ابادي، وصاحب تاج العروس المرتضى الزبيدي.
زبيد ابنة الوديان: رماع ووادي المحط، وسهام، وسردد، ومور أكبر وديان اليمن، وابنة البحر الأحمر أيضاً فمرفؤها غليفقة لا يبعد إلا بضعة كيلو مترات.
كان لزبيد التأثير البالغ في نشر التسامح المذهبي، فقد شهدت حلقات الدرس فيها انفتاحاً على المذاهب، وبالاخص في العهد الرسولي. وكان لها الأثر البالغ في التجديد المذهبي، فقد زار المجدد الإسلامي الأشهر محمد بن ابراهيم الوزير مدينة الحسينية لزيارة عالمها: البدر حسين، وتبادل معه الرسائل، وامتد التحاور الفكري حتى مراحل متأخرة، وكتاب النفس اليماني لعبدالرحمن بن سليمان مفتي زبيد مثال حي.
تعرضت زبيد كشقيقتها صنعاء لحملات الطغاة وغزوات القبائل الجائعة والجائحة.
وكانت المعازبة الاتحاد القبلي الأكبر الذي تحدر منه الفرع الزرنوقي شأن كهلان وهمدان وحاشد وبكيل. كانت هذه القبيلة القوية والكبيرة جزءاً من القوة الحامية للمدينة، وجزءاً من المواجهة الدائمة والمستمرة مع الدولة المركزية فيها، فهذه القبيلة القومية تعيش في وديان ومراع خصبة، ولها مشاكل مع الدول الوافدة والقوية: الزيادية والنجاحية والايوبية والرسولية والطاهرية والقاسمية وبالاخص التركية، وهي دول جباية ونهب في الداخل ومواجهة مع ما حولها، وهو ما يخلق مواجهات دائمة ومستمرة مع الدولة المركزية حيناً، ومع القبائل الاخرى في أحايين كثيرة، وبالاخص عندما تضعف أو تغيب الدولة المركزية، واذا كانت صنعاء ضحية محيطها القبلي شديد التخلف والهمجية فإن زبيد ضحية القبائل البعيدة، وتحدداً الآتية من شمال الشمال من وائلة وعسير غالباً، والقرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر تاريخ دام وفاجع.
والمدونة العلمية والكنز المعرفي الموسوعي الذي اكتشفه وحققه وعني به الاستاذ الباحث محمد عبدالرحيم جازم وسماه «نور المعارف» في مجلدين ضخمين، وقد عني بهذا الكنز العظيم «المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية بصنعاء». هذا الكشف العلمي والمعرفي يضع هذه المدينة في صدارة العديد من بلدان العالم في المعارف والتحضر والصناعة والتجارة والاقتصاد وادارة الدولة.
أعرف أن لو تفتح باب الشيطان ولكني أتمنى على كبار المسؤولين أن يلزموا موظفيهم أن يلخصوا لهم أمور الدولة الرسولية في القرن السابع والثامن الهجري، وكيفية ادارتها للدولة حينها، ووضع زبيد حينها التي كان يصنع فيها كل شيء حتى صناعة العود والانبذة، وتحديد موازنة الدولة، وسيكتشفون معنى بناء دولة عصرية وحديثة، وأن دولتنا القائمة إن صح تسميتها دولة بأي معنى فهي أقل عصرية وحداثة من الدولة الرسولية في مطلع القرن السابع الهجري الثالث عشر ميلادي.
في محاضرة للاستاذ عمر عبدالعزيز الحلاج في بيت الثقافة الالماني عرض الباحث والخبير الجهود العلمية والانسانية التي تقوم بها مؤسسات ألمانية بالتعاون مع الحكومة اليمنية لانقاذ مدينة زبيد من الموت المحقق.
منظمات دولية ومنها اليونيسكو حذرت من اندثار المدينة منذ بضعة أعوام، حينها كان وزراء الثقافة مهجوسين بتلميع صورهم، وتزويغ الكلام المتشعرر الذي لا يعني أكثر من الخواء.
اعلامنا يصدع الرؤوس بالحديث المسهب والممل و«المنان» عن المعجزات والمنجزات، وحقيقة لولا جهود اليونسكو لهدمت صنعاء على رؤوس سكانها لا أقول في ظل غياب الدولة وإنما بعملها المدمر والمخرب فقد دمر سور صنعاء الذي يصعب إعادته إلى ما كان، كما دمرت الدولة سجن الرادع ومعظم أبواب صنعاء، وفي حجة دمرت سجن نافع ومقبرة الزرانيق، وفي تعز جرى تدمير وتشويه جامع المظفر كما جرى في زبيد تخريب منبر جامع الاشاعر، ويطال التدمير والتخريب معظم الآثار والمعالم الحضارية والتاريخية.
في محاضرته القيمة حقاً تحدث الاستاذ الحلاج عن القيمة التاريخية والعظيمة لزبيد. كما عرض وبالصور الناطقة الخراب والتشويه الذي لحق بهذا التّراث الانساني. كما تحدث وبالصور عن الموت «غير البطيء» الذي يحيق بالمدينة وأهلها. صور تدمي الضمير والعقل والوجدان، وتأسف أن هذه المدينة الام الرؤوم للحضارة العربية الاسلامية يصل الاهمال لها حد التمويت صبراً. فقد حرمت من الخدمات الاساسية. كما أن المدينة التي علمت العالم تحاصر بالجهل والتجويع والعلل، وفساد الادارة والتفيد.
المدينة التي كانت تضم كنوز المخطوطات تسلط عليها القراصنة، وبيعت آثارها ومخطوطاتها في أماكن لا تحترم التنوع والتعدد، ولا تقر بالآخر المختلف. مما يعني أن بيع المخطوطة يعني إعدامها.
تحدث الحلاج بألم وحرقة شديدين عن انطماس وهمود الحياة في زبيد. فقد مات سوقها، واندثرت أربطتها المعرفية، وانمحت معالمها وآثارها، وانقرضت حرفها وصناعتها.
زبيد المفتوحة والمشرعة أبوابها على البحر -باب النخيل وعلى الشرق واديها الخصب وادي زبيد، وعلى الجنوب امتداد واديها.
واشار إلى بداية المعالجات، ومنها تشجيع أبناء المدينة على الثقة بمدينتهم، وتشجيع أدوات البناء من الياجور والنورة والزابر والخزف، وإحياء المهارات القديمة والحرف القديمة واليدوية ودعم الجمعيات وأنشطة العمران، واصلاح شبكة الصرف الصحي.
ويبقى السؤال الفاجع والمفجوع أين دور الدولة الغائب، بل فلنقل بصدق المشكوك في نواياه؟ لماذا ينتاب القلق على إرث زبيد المنظمات الدولية ويتبلد «ضمير» مسؤولينا؟ لماذا لا تقوم «الدولة» أقماها الله باصلاح المباني الحكومية، وبناء البنية التحتية، واصلاح المساجد والاربطة والسور والقلاع؟ لماذا لا تقوم الدولة بتشجيع الصناعات والحرف، وإحياء أربطة العلم في مدينة العلم؟
لقد قاومت المدينة في الماضي شأن بيت الفقيه وتهامة، الاحتلال التركي، وتصدت للاحتراب والاجتياح الداخلي القبلي والامامي؟ ودفعت المدينة ثمناً باهظاً لموقعها وخصوبة وديانها، ولاتجاهها الفكري المختلف.
اما بعد الثورة فقد كان شباب زبيد وبيت الفقيه والحديدة عناوين كبيرة لرفض السياسات غير الديمقراطية في الحكم، وتعرض المناضل الكبير علي سعد الحكمي، وعبدالله عطية، وعبدالرحمن الحضرمي، ويحيى عوض، وأحمد رسام للاعتقال والتعسف أكثر من مرة.
وفي الاخير نتمنى على الدكتور محمد أبو بكر المفلحي وزير الثقافة، والذي أبدى اهتماماً مشكوراً بهذه المدينة، أن يضاعف من الجهود والاهتمام بزبيد، والتعاون أكثر مع المنظمات والهيئات الدولية المحتفية والمهتمة، والتي لولاها لما عرفت صنعاء القديمة الصيانة، ولتعرضت شبام للخراب، ولماتت زبيد موءودة.