الفكر التربوي خارج الشرط الاستعماري (1-2)

الفكر التربوي خارج الشرط الاستعماري (1-2)

1- في مواجهة العولمة: النقد، والحرية، واليوتوبيا.. منطلقات لتربية لا تخون

> «العولمة نفي للتواصل وتثبيت للقطيعة، فالتلعثم سمة الحوار، والالتهام نتيجته النهائية»

«إمّا أنا مخطئ،وإما ما أقوله ينتمي إلى المستقبل…»    (م. ر)

اللغة بداية فقط
من اللغة وفيها تبدأ الأشياء وتنتهي. فأسباب الهزائم، ومقومات النصر، وجذور التنمية والثورة تبدأ من اللغة، فعندما نقول لغة نعني مجتمعاً وثقافة، ما يعني إنساناً. فكما قيل، اللغة رديفة الإنسان والدولة، فاللغة القوية تعني سردية قوية وحبكة متماسكة، ما يعني أمة شارعة في تحقيق وجودها، ولذلك، فكل تغيير يريد أن يضمن لنفسه التحقق، وكل ثورة تريد النجاح عليها البدء من اللغة: البدء في تصويب الأسماء وتنقية الكلمات.
فاللغة هي الدم الاجتماعي، إذا فسدت فسد الجسد كله، فكما ظن كونفوشيوس: “من لا يعرف معنى الكلمات لا يستطيع أن يعرف معنى الإنسان”(1) فيفقد القدرة على إدراك حدود ذاته وإمكاناتها وحدود الآخرين وقدراتهم، فيعجز عن محاورتهم أو مجابهتهم، ويسقط في حالة من القصور التي لا تؤول في النهاية إلا إلى زوال.
ومواجهة العولمة تبدأ من القراءة الصحيحة للأسماء والكلمات، للكشف عن المضمر فيها، عن نزعات التخريب والهيمنة. فالعولمة، ككل المحاولات الاستعمارية السابقة لها تاريخياً، تعمل، وعملت، على تخريب اللغة وتسميمها من أجل تفتيت الثقافة وتقويض الحلم، فكل أيديولوجيا تعجز عن امتلاك الحقيقة أو عن تحويلها لصالحها، تعمل على الكلمات التي تسمي هذه الحقيقة، فتشوهها بشكل يرغم الكلمات على قول ما يبدو صالحاً وحقيقياً، وهو في جوهره ليس إلا غطرسة أيديولوجية وعدواناً سياسياً، ذلك لأن اللغة هي الرباط الأول بين البشر، كالدم للحياة الاجتماعية، وإفسادها يعني إفساد هذه الحياة، فإفساد اللغة هو إذاً الشرط الأول لتدمير المجتمع الإنساني الحقيقي(2)، والتربية هي الساحة الأولى للمواجهة، والخط الأول للمقاومة، لأن خصم العولمة الأول هو إنسان يسأل، ويسائل، ينتقد ويختار، يرتاب ويرفض، وما هي التربية إن لم يكن هذا الإنسان هدفها ومآلها!

في أيديولوجيا العولمة وسؤال التربية
إن ما يجري تحت لافتة العولمة هو في حقيقته سيرورتان أو عمليتان متغايرتان في الماهية والتوجهات، السيرورة الأولى هي تلك العملية الثقافية المتجاوزة للحدود والمقتحمة للتقسيمات، سواء أكانت حدوداً سياسية أم معرفية أم ثقافية، ساعية بعنف إلى خلق حالة من التواصل بين البشر، نتيجة لشبكات المعلومات وما توفره من أحياز وفضاءات شبه حرة وخاصة، ونتيجة التطور المذهل في وسائط النقل والمواصلات ومصادر المعرفة والحوار الثقافي. وهناك في الاتجاه المضاد سيرورة إمبراطورية تسعى لكبح التواصل الحقيقي والتفاعل الحواري لفرض رؤيتها على العالم، كصيغة واحدة تخدم رؤيتها ومصالحها.
إن كلتا العمليتين ليست جديدة من حيث ماهيتها، إذا ما استثنينا، مؤقتاً، التسارع المخيف والتوجهات المضمرة، فكل منهما قديمة، فالاتصال الإنساني قديم جداً، فالسفر والتجارة بين القارات، وهجرة الأفكار والجماعات السكانية قديمة قدم الجنس البشري، وكذلك العملية الاستعمارية فهي ليست بجديدة، وهي أيضاً ليست متجددة، فهي لم تكن غائبة أبداً عن العالم، فمنذ الانقضاض الأوروبي على الأمريكيتين العام 1492 حتى اليوم والاستعمار سيد الموقف، ومحرك المجريات العالمية فالنزعة الاستعمارية الأوروبية ثم الأمريكية قد صاغت بعمق العالم الذي نقطنه اليوم.
وإذا كان القرن العشرون في شكله الظاهر قرن حركات التحرر الوطني والاجتماعي، فإنه لم يتسع ولم يمتد ليرسخ واقع الحرية والعدالة والمساواة على الرغم من كل التضحيات التي قدمتها شعوب الأرض أو شعوب “جغرافية الجوع” في وجه مركزيات الاستعمار والهيمنة، إلا أن عنف الاستعمار وتشعب تحالفاته الأخطبوطية جعلته يبقى وينتهي على أوضح أشكال الاستعمار والاضطهاد وأبشعها، ولذلك فما ترفعه العولمة من خطابات عن المساواة والمشاركة والحرية تخفي وراءها واقعاً من الهيمنة والتهميش والفاشية الجديدة، ليفتتح القرن الحالي على تراجع مخيف لسؤال الحرية، وتراجع في قيمة الإنسان وكرامته، وتفشي مظاهر رفض الآخر وعودة الفاشية والتطرف، بشكل شعبي وحكومي، فما يجري في أمريكا وأوروبا من رفض للمهاجرين ومطاردة لهم مثال واضح.
فأوروبا والولايات المتحدة اللتان قدمتا كل التسهيلات والمغريات لتستقدما المهاجرين من أجل الحصول على العمالة الرخيصة، والأدمغة المهاجرة، قد رفعتا لذلك لافتات متعددة منها اللجوء السياسي الآمن، وبيت الحرية، تعودان اليوم إلى حالة من الانغلاق على الذات ورفض الآخر، تحت يافطات قديمة جديدة كالأمن والمزاحمة على فرص العمل، مع أن الجوهر أعمق من ذلك، وهو في صميمه عودة إلى رفض الآخر والانغلاق على الهوية، الأجواء القديمة نفسها التي استولدت الفاشية والنازية والحروب العالمية وأوشفيتز والمسألة اليهودية والحركة الصهيونية والاستعمار. وما يجري في فرنسا لهو شاهد فاجع على المآل الذي وصلت له شعارات جمهورية الحرية، ومبدأ الدمج القائم على التنوع الذي يتسع لكل الهويات والثقافات والأعراق ضمن الهوية الفرنسية. هذا الدمج الذي سقط أمام لهيب السيارات المحترقة في ضواحي باريس أثناء ما عرف بثورة الضواحي، أو ما أسماه وزير الداخلية الفرنسية بثورة الأوباش والأوغاد، ذلك الوصف الذي يحمل في طياته نزعة تمييز عنصرية بشعة يطلقها شخص مسؤول عن مواطني دولته لكونهم من أصحاب البشرة السوداء، ومن أصول أفريقية وعربية، هذا على المستوى الداخلي لأوروبا وأمريكا، أما على المستوى العالمي فهناك أيضاً تنكر للآخر، انقضاض على الشعوب الأخرى وعلى ما أنجزته من مشاريع وطنية وقومية، ومحاولة لسحق الدولة الوطنية في القارات الأخرى، ورفض صيغ التفاعل والحوار بشكل في غاية التناقض والوقاحة. فالدول الكبرى تمارس الضغط وبكل الوسائل لتجبر الدول الثالثية على فتح حدودها وفضاءاتها لإعصار العولمة، في الوقت الذي تبني فيه حول نفسها الأسوار والجدران، جدران من الأسلاك على حدود أوروبا في وجه الآخرين القادمين من أفريقيا وآسيا، وجدران من العداوة والكراهية والاحتقار، بحيث أصبحت الحرب الصيغة المثلى للتفاعل. فأفضل طريقة لمحاورة الآخر هي رفضه وتدميره، رفض استقباله كضيف في بيت السيد الذي يعولم العالم، وإجباره على استقبالهم في بيته كمقيمين، ما جعل الشكل الأفضل للتفاعل معه هو التهامه.
فحركة البشر تتناقص وتخضع للحدود والقيود، فهناك آلاف الإجراءات لتحجيم الهجرة والتنقل، ذلك التنقل الذي وصل ذروته بخصوص السلع والبضائع، يتراجع عندما يصبح نقلاً للبشر والأفكار، ما يعني أن عملية التنقل والحركة لم تصبح أسهل بسبب تطور وسائل المواصلات واتساع فضاءات النقل والتواصل، كون المسألة في النهاية ليست مسألة إجرائية أو تقنية، وإنما هي مسألة ثقافية وسياسية. وما أصاب حركة الأفراد أصاب أيضاً حركة المعرفة والفكر، فقد تم تقنين الحركة لتصبح في اتجاه واحد، وفي مسرب واحد يعزز الهيمنة والتشويه الثقافي العالمي. فالترجمة تتنامى، ووسائل نقل المعرفة والفكر تتعاظم، ومع ذلك فإن سبل تواصل الشعوب تنقطع وفضاءات التحاور والتفاعل تتضاءل؛ لكون أساس الحوار ينعدم ويذوي، فالأساس الذي لا يمكن تحقق الحوار والتفاعل بدونه قد تآكل، ألا وهو الرغبة في معرفة الآخر والاعتراف بامتلاكه لثقافة ومعرفة، والقناعة بضرورتها لتحقيق ما يكمل الذات، هذا ما يسود في مراكز الثقافة العالمية التي تمركزت على ذاتها لدرجة رفض الآخر، والاقتناع بأن خير وسيلة لمعرفته هي التهامه.
في حين أن العولمة، كأفق لعالمية تنفتح على التواصل الحواري والتعدد الثقافي، هي سيرورة تتحقق كنتيجة لسلسة من التطورات المعرفية والتقنية، ولكنها لن تتحقق بمضمونها التعددي وأفقها التحرري الإنساني إلا في سياق مواجهة المركزيات الاستعمارية والتصدي لها، من هنا نرى ضرورة حضور العالم الثالث أو عالم المهمشين إلى ساحة المواجهة والحوار العالمي كقوة عالمية، ليس لغاية سياسية محصورة في النضال والكفاح الوطني والقومي فحسب، وإنما كفاعلية فكرية وثقافية تعيد الاعتبار للفكر الإنساني والثقافة التحررية، ثقافة تنحاز للحلم وللحرية والتنوير، ثقافة تجمع في صيغة تحررية سياسية مكونات وتيارات ثقافة ما بعد الاستعمار، والتوجهات النسوية والبيئية، وأفكار العدالة الاجتماعية، والمساواة، والمشاركة، وكل ذلك يمهد ويؤسس لفلسفة ثورية تجمع بين الخاص والعام، الشخصي والكوني، لتعميم شعار “الشخصي هو السياسي”، والبيت هو العالم، للتأسيس لثقافة ترسخ لدى الناس أن العالم هو بيتي، والسياسة تخصني شخصياً، وتؤثر على حياتي وتحددها، ولذلك فأنا سياسة، والسياسة هي أنا، ما يعني أن العالمية يجب إنتاجها لصالح كل المجموعات القومية، وليس لحساب الأمم القوية على حساب الأمم الأخرى، تلك القوميات التي يجب إعادة إنتاجها لصالح أفراد الشعب ومصالحهم المحددة وخصوصيتهم التاريخية، ما يعني مواجهة الصيغة الاستعمارية لعولمة العالم، على قاعدة أن على الشعوب الضعيفة أن تتخلى عن خصوصيتها لصالح الأخرى المهيمنة، تحت شعار التخلي عن الوجود من أجل الذات”، إذعاناً لمطلب الوجود من أجل الآخر”، تلك السياسة التي يتبعها الاستعمار الجديد وأدواته الدولية من قبيل البنك الدولي، وصندوق النقد، والاتفاقيات التجارية العالمية،(3) التي يسيرها منطق يفرض على الدول الضعيفة: “كن قابلاً للحياة لأجلنا (النظام العالمي) لكي تكون قابلاً للحياة لأجل نفسكـ”(4)
فتدخلات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في اقتصادات العالم الثالث تمت وتتم باسم نظام عالمي يمثل مصالح الاقتصادات المهيمنة، لإبقاء هذه الاقتصادات في حالة متخلفة لكنها قابلة للحياة بشكل مشوه، لكنه يتلاءم مع أنماط نمو السبعة الكبار وأهدافهم، حتى لو كانت هذه الاقتصادات المتخلفة تعرض مشاريع التنمية المستدامة للخطر، وتساهم في زيادة الفقر والبطالة والتلوث. ولقد كانت غاياتري سبيفاك محقّة في استنتاجها أنَّ “من مصلحة رأس المال أن يبقي على المسرح الكومبرادوري في حالة بدائية نسبياً فيما يخصّ تشريعات العمل والتنظيم البيئي”.
إن العولمة في جوهرها ليست إلا امتداداً لعملية تاريخية طويلة تتمركز حول انتشار الرأسمالية وهيمنتها عالمياً. ومن المهم أن نلاحظ أيضاً أن العولمة بهذا المعنى ليست حدثاً طارئاً، بل هي عملية مستمرة منذ قرون، وإن كان ذلك لا ينبغي أن يحجب عن النظر حقيقة كون الانتشار الحالي للرأسمالية هو في الواقع انتشار لنمط أو نموذج محدد من الرأسمالية التي تعتمد بشكل واضح على الدمج الفعال بين المعرفة والقوة، وبين التقنية ورأس المال.
من المهم الإشارة أيضاً إلى تميز العولمة المعاصرة بكونها تمثل اتجاهاً قوياً نحو التوحيد القسري للعالم وفقاً لرؤية ونموذج معين في معالجة التنظيم الاجتماعي بشكل عام، يتمحور حول أفكار الليبرالية الجديدة. إن أهم ما يميز هذه العملية هو التمركز الواضح لتوجهاتها نحو الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يجعل العولمة وكأنها عملية أمركة للعالم وفقاً لرؤى أمريكية، وعلى هدي من التجربة الأمريكية ولمصلحتها في جميع الجوانب.

العولمة تشرخ البنية الصراعية للعالم
إن قراءة خريطة الصراع في العالم والتاريخ من خلال النافذة التي فتحها “ميشيل فوكو” عندما قلب مقولة “كلوزفيثز” التي تقول إن الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى، التي تعني أن جوهر العلاقات الإنسانية، بين الشعوب المختلفة، أو بين مكونات الشعب الواحد، تقوم على السياسة التي تتكثف وتتأزم في لحظات معينة، فتنقلب إلى وسائل عنيفة لتصبح “لحظة سياسية عنيفة” أي حربا”، ما يعني أن الثابت هو السياسة، والطارئ هو الحرب. فيقلبها ميشيل فوكو رائياً أن السياسة ليست إلا امتداداً للحرب لكن بوسائل أخرى،(5) فالاتفاقيات والمؤسسات والمنظمات والقوانين والتشريعات، ما هي إلا نتاجات للحرب أو هي الحرب بشكلها الصامت، وبالتالي فهو يؤكد: “أننا أثناء كتابة تاريخ السلم العالمي أو المدني ومؤسساته، فإننا لا نكتب إلا تاريخ الحربـ”؛(6) لكون السلطة والقانون والمؤسسات هي حصيلة الحرب، وما نتج عنها من علاقات قوة، تلك الحرب التي تستمر من خلال ما تفرضه من امتيازات للمنتصرين، وقهر للمقهورين، والتي تستمر عبر التشريعات والمؤسسات والقوانين والحكايات التي يكتبها المنتصرون لتصبح التاريخ، وهذا ما يسميه فوكو بالحرب الصامتة التي تسمى سياسة،(7) ما يعني أن السلطة السيادية لأمة أو لطبقة على الأمم والطبقات الأخرى، والمنظمات الدولية، وما تقوم عليه من قوانين وتشريعات ولدت في خضم المعارك، وعلى أنقاض المدن المحترقة، لا لتحقق عدالة المجتمعات، ولا وحدة الجماعات السياسية، ولا السلم العالمي، وإنما للسلطة وظيفة واحدة هي وظيفة الحرب، أي الإقصاء والإخضاع، ولذلك فالسلطة غير عادلة دوماً، لأنها ليست لنا، “هكذا يقول الطرف المستبعد الذي هو الغالبية بالذات، تلك الغالبية التي على الثقافة والتربية أن تكون صوتها، الصوت الذي يوقظ ما تحت مصطلحات العدالة والحرية والمساواة من عنف، وقهر، وإقصاء، ويبحث عن الدم المجمد تحت القوانين والمؤسسات،(8) لفضح وتعرية رواية المنتصرين التي نسجوها على جثث الضحايا.

العولمة: اليوتوبيا والخيال كثقافة للمواجهة

«خريطة العالم التي لا تحتوي على يوتوبيا لا تستحق النظر إليها».
(أوسكار وايلد)
ولذلك، فما تحاول النزعة الاستعمارية المهيمنة تصويره على أنه أزمات ثقافية واقتصادية في دول العالم الثالث ناتجة عن التراث الثقافي لهذه الشعوب وعن ارتباك في خطط التنمية، هو في حقيقته مشكل سياسي ثقافي ناتج عن حالة الهيمنة الاستعمارية على دول العالم الثالث، وعن حالة التبعية التي تعيشها. تلك الهيمنة التي كانت حرباً مستمرة ونتاجاً لحروب سعت وتسعى دوماً لإعادة إنتاج شروط بقائها، ما يعني إعادة إنتاج شروط القهر والتخلف بشكل منظم، والحل الحقيقي يبدأ من الثقافة، إشاعة ثقافة الحرية والتحرر ويوتوبيا العدالة والمساواة، وهذا لا يمكن أن يبدأ في التحقق إلا بحضور العالم الثالث “كمنظور وإمكانية لرؤية عالمية مختلفة، ومضمون سياسي اقتصادي ثقافي مختلف”، عالم ثالث يعيد التألق والحضور لمقولة نهرو: “ها نحن في مرتبتكم الآن: أنداداً ومتعاصرين”.(9) هذا التألق الذي يجب أن يستند إلى إشاعة جديدة لمقولات الحلم والحرية والعدالة، تلك المقولات التي يجب أن يعاد إنتاجها ضمن منظومة فكرية لبناء يوتوبيا معاصرة، يوتوبيا تستند إلى واقع المعاناة، وتحدس بمستقبل أفضل “لا يمكن لليوتوبيا أن تكون بدون نظرية معاناة”، وهذا يعني أن العالم الثالث باعتباره الهامش الأكبر في العالم هو الحيز الملائم لإنتاج يوتوبيا حديثة لكونه:
– يمثل أكبر تجمع بشري وأوسع مساحة أرضية.
– يمثل تعدداً هائلاً للتنوع والتعدد الثقافي.
– يضم في أحشائه أكبر معاناة إنسانية.
– يشتمل على أكبر مخزون من الطاقة الثورية.
– يمتلك إرثاً عظيماً في هذا المجال، يمتد من إرث فرانز فانون في أفريقيا حتى جيفارا في أمريكا.
– له مصلحة حقيقية في إحداث إزاحة في رؤية العالم لذاته.
ومما سبق يتضح أن العالم الثالث مهيأ ومضطر لإنتاج فكر يوتوبي حديث، يشحن البشر ليمكنهم من إعادة تأويل العالم وإعادة إنتاجه، بما يخدم مصالح الإنسان بشكل كوني، وهذا ما قصده الكاتب الهندى آشيز ناندي: “إن هذه اليوتوبيا لكي تكون لها حياة ذات معنى في عقول البشر، يجب أن تبدأ بقضية المعاناة التي هي من صنع الإنسان، التي أعطت العالم الثالث كلاً من اسمه وفرادته”.(10) ويضيف أن هذا الطرح أتى “بهدي من الإيمان بأنَّ الطريقة الوحيدة التي يمكن بها للعالم الثالث أن يتجاوز شعارات متمني الخير له هي:
أولاً، عن طريق صيرورته تمثيلاً جماعياً لضحايا المعاناة في كل مكان في العالم، وفي كل الأزمنة الماضية.
ثانياً، عن طريق الاعتراف بأن هذه المعاناة هي نتاج للقوى الاستعمارية وامتداداتها الداخلية.
ثالثاً، بالاعتراف بالذوات المهمشة في العالم الأول، بوصفهم حلفاء حضاريين في المعركة ضد المعاناة الممأسسة”.
إن هذه الركائز الثلاث التي طرحها “ناندي”(11) لبناء نظرية ثورية تقود النضال الإنساني ضد المعاناة الممأسسة والتهميش المقصود على مستوى كوني لإعادة النظر في مسيرة التطور الإنساني بشكل يعيده كنص لا يثير التقزز في ضحايا هذا التاريخ لو قرأوا ما يكتب أثناء سقوط القنابل عليهم، ولإعادة النظر في جوهر هذا التطور الذي لم ينتقل من الاستعباد إلى الحرية، وإنما ينتقل من المقلاع إلى المدفع، ومنه إلى أحدث صناعة الموت التي تفوق في تطورها كل المجالات الأخرى.

تربية تفكر بألفاظ الحرية لا بألفاظ السوق
والعولمة، كرؤية توحيدية للعالم من منظور تسلطي يفرض ثقافة واحدة، ستؤدي إلى حرمان العالم من فرص النمو الثقافي التعددي والتفاعل الثقافي الاختلافي. فهذه الثقافة حتى لو كانت الأقوى، وهي كذلك بحكم عوامل من خارجها أكثر من العوامل الخاصة بها، حيث هي محمولة بالبارجات ومحلقة على أجنحة أقمار فضائية، وحتى لو كانت الثقافة الأفضل، فهي خاطئة لكونها مقتصرة على ذاتها ومحصورة في ذاتها، فثقافة تكتفي بذاتها وتنغلق عليها رافضة الاعتراف بحق غيرها في مخالفتها والاختلاف معها لهي ثقافة خاطئة، ولذلك فالمشكلة لا تكمن في عولمة العالم، وإنما في نوعية هذه العولمة ومصدرها وأسلوب تحققها والمنظور الذي يوجهها والهدف الذي يحركها وموقفها من الثقافات الأخرى التي لن تعترف بها حتى تعترف لها ذلك الاعتراف الذي يجب أن يسبقه اعترافها بنقصها وقصورها، وهذا ما يوضحه المفكر ناندي عندما يبني تصوره لحلم تحرر يولد من أحشاء العالم الثالث، بعد أن يخصب من عملية تلاقح معاناة القهر والرغبة في الانعتاق، وهو يرى في العالم الثالث الجغرافيا الموعودة لميلاد هذا الحلم المنقذ للبشرية من الكارثة الثقافية التي ستؤول إليها العولمة، ويبني استنتاجه هذا على مجموعة من الافتراضات،(12) منها أنه:
– لا يحق لأي ثقافة أن تحتكر معايير العلم وأخلاقيات الحق.
– إن على كل ثقافة أن تسعى دوماً من أجل التغيير النقدي لوعيها الخاص بها.
– إن كل ثقافة هي أسيرة لتناقضات تاريخها الخاص ونواقصه، ولذلك فكل مخيلة يوتوبية هي أسيرة تناقضاتها ونواقص تاريخها الخاص، ما يجعل المجتمعات الناقصة تنتج علاجات ناقصة لنواقصها.
والعولمة المتركزة على ذاتها ثقافياً أو المتمركزة على ثقافة واحدة، تذهب بها إلى تسييدها على العالم، وتذهب بالعالم للبقاء في أسرها وتحت هيمنتها هي صيغة خطيرة وفقيرة، ولن تتمكن من قيادة المستقبل الإنساني إلا إلى الضياع، وكذلك نقيضها الذي يحاول مواجهتها بالهروب إلى داخله للتحوصل فيه، والذي يقدم نفسه للعولمة بطريقة أسهل من الذي يقبل الانسياق معها، في حين أن ما يملكه العالم الثالث من معاناة ورغبة ومخيلة ويوتوبيا قد تمكنه من المساهمة في إنتاج حلم بشري جمعي يمثل مسرحاً تلتقي عليه مجمل القوى والشرائح المهمشة لتعيد التألق والمضاء لسؤال الحرية والعدالة ولسؤال التغيير الذي يقود الإصلاح المتواصل ولا يقف عنده فحسب، بل يبقي على الثورة كصاروخ قادر على المرور بمركبة الإصلاح إلى المحطات التي يعجز عن بلوغها بحركته الذاتية، فتأتي الثورة لتنقله إلى خارج مجالات الأسر وحدود التشكيلة المانعة للإصلاح وخارج مجالها الجاذبي، للشروع في التأسيس لمرحلة تاريخية جديدة تبدأ من المخيلة والحلم، لإشعاع رمزية قادرة على استنهاض طاقات البشر، لمواجهة ما يراد لهم. فللرمزي مرتبة تضاهي في ضرورتها النضالية مرتبة الدم الذي يسفح من أجل الإنسان وقضاياه الرئيسية، فالدم لا يصبح ثورة إلا حين يسفك في سبيل قضية محبوكة على المستوى الرمزي والأيديولوجي، بشكل حكاية تحررية وتنويرية مغوية للإيمان بها والتمترس فيها والصمود على حدودها.

 

– هوامش:

(1) كونانك، توما دو (2004). الجهل الجديد ومشكلة الثقافة، ت: منصور القاضي، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ص90.
(2) المصدر السابق، ص90.
(3) لقد شاهدنا فشل قمة الأمريكيتين بسبب معارضة بعض الدول التقدمية لمشروع الولايات المتحدة لإقامة منطقة تجارة حرة.
(4) كريشان، رادا (2004). العولمة والرغبة وسياسة التمثيل، الدرجة الصفر من التاريخ أو نهاية العولمة، ت: عدنان حسن، اللاذقية – سورية: دار الحوار، ص62.
(5) فوكو، ميشيل (2003). يجب الدفاع عن المجتمع، ت: الزواوي بغورة، بيروت: دار الطليعة، ص43.
(6) المصدر السابق، ص43.
(7) المصدر السابق، ص42.
(8) المصدر السابق، ص44.
(9) كريشان، مصدر سابق، ص64.
(10) المصدر السابق، ص70.
(11) المصدر السابق، ص71 – 79.
(12) المصدر السابق، ص75.