أروى عثمان تدعو إلى القفز…

أروى عثمان تدعو إلى القفز…

منذ أن كنت جنيناً في بطن أمي وأنا أسمع الناس يقولون لها، لا تقفزي، فالقفزة ستهبط بالجنين إلى أسفل البطن، وبذا ستلدين بنتاً، وتعرفين مدى (البوار) الذي يلحق المرء عندما تخلق له بنت.. وعندما وعيت الدنيا كانت أمي لا تكف عن نصحي بأن أمشي راسخة، ورأسي بين أقدامي، وتحذرني من القفز، بل وجندت من جيراني الذكور عيونا تترصدني إذا ما لعبت لعبة (نط الحبل) أو أي لعبة ترفع راسي من بين أقدامي، لكي تحظى أمي وعائلتي بدعوة (رحمة الله) ويتجنبوا (لعنة الله). بذا تعمق في داخلي الهلع من أية قفزة يمكن أن تؤدي إلى فقدان شرفي، وشرف العائلة المربوط بقفزة!!
وبرغم موت أمي، إلا أن عيون حراس، وحماة اللاقفز، ستظل منغرسة تلاحقني إلى قبري، خوفا – لا سمح الله – من أن تتحرك جثتي، فتعند، وتقوم بقفزة خارج القبر، فأواصل تمريغ شرف عائلتي في الحضيض حية وميتة.
في حياتنا اليومية، كثيراً مانسمع هذه الجملة التحذيرية – طبعاً – يسبقها تقطيب الجبين، و(عصورة) الرأس، ثم دقتين قويتين على الطاولة: “لا تقفزو على الواقع”، “ خلونا نكون واقعيين، وبطلوا قفز على الواقع” فرئيس جمهوريتنا لا يخلو خطابه من هذه اللازمة، ويصور أي مطلب مهما صغر بأنه قفز على الواقع، إلى المعارضة التي قفزّتنا على الواقع بيد في مرحلة تاريخية، ومنعت القفزة الثانية باليد الأخرى، ناهيك عن إمام المسجد، الحارس العنيد والعتيد لأي كائن يفكر بأن يقفز، فينقض عليه مجنزراً بالآخرة، وبأروقة جهنم وبئس المصير.
أما مدرس المدرسة والجامعة المتوج بوقار المعلم الأعظم صاحب الخبرة والعلوم الدفاقة، فأي سؤال من طالب يجيبه بنصائح أمي: “يابني لا تقفز على الواقع، فعقب كل قفزة تنكسر رقبة”.
وإذا أتينا إلى حمم الإذاعة والتليفزيون، والصحف فيكادون لا ينامون أو يصحون إلا على تمائم ضد القفز، فيهرقون، ويسفحون الإستشهادات تلو الإستشهادات من بطون التاريخ الهزيل والمتقهقر لمغامرين قفزوا فقادوا بقفزتهم العالم إلى الدمار.
 من يتصفح أجندتنا الثقافية من تربوية، سياسية، دينية يراها ملغومة مركبة بثقافة الجزع والخوف ومشبعة بتعابير هلعة عن مصير من يقفز ومستقوية بأولئك الذين تتدلى رؤوسهم بين أقدامهم منثورة بمحاذيرها الهستيرية لأي كائن انسي أو جني، أو حتى قملة لو تجرأت وقفزت في غفلة من أمرها من مقدمة الرأس إلى خلفه مثلاً.. فيتناسل هلعهم المكرور من أن المجاعة، وانعدام الحريات، واللا أمن، والتفسخ الثقافي والانهيار الأخلاقي ووو..الخ سببه القفز على الواقع الذي يأتى بكل هذه الأوبئة. فالقفزة الدينية تحوّل القافز إلى مرتد، والقفزة العلمية، تحول العالم إلى مختل، والقفزة السياسية تحول السياسي إلى مغامر/ خائن/ لا وطني.. متقفز على ثوابت الأمة (الله/ الوطن/ الثورة/ الوحدة).
تحاول هذه الأجندة أن تجعلنا مجتمعات خلقت لا لتقفز، بل لتمشي بتثاؤب وتكاسل مثل الدجاج الممطور، أو الكائنات اللافقارية، الطحلبية التي ترتضي العيش داخل الأحراش والخزق والحفر. لذا فنخاعنا الشوكي ثابت ومتجمد ومفتقد إلى وظيفته منذ القفزة، أول قفزة للإنسان العربي.
لم تكتف هذه الأجندة بلي قوانين الطبيعة وتحويلنا إلى كائنات لا فقارية، بل وجعلتنا كائنات لافقارية لا تتنفس، مكتومة، مسمومة.
فمن هو هذا الواقع الذي سلبنا عظامنا، وقتل لذة القفز فينا؟ من هو هذا الواقع الذي يتلذذ بتحويلنا إلى أشباه كائنات؟ ماكنه هذا الواقع بالضبط؟
من أين أتت هذه الثقافة اللافقارية، ثقافة الطحالب والطفيليات لتقول للإنسان اليمني المتربع على قمم الجبال، والذي لا يمكنه الوصول إلى مسكنه إلا بعد أن يكون قد قطع الجبال والمنحدرات بالقفز في ظل وعورة الطرق.. فكيف يكبلونه ويقيدونه بثقافة اللاقفز التي لا يعرفها، ولا يمكن أن تتعايش معه، فهي غريبة وشاذة عن طبيعته؟
والآن بما أني خائنة ومرتدة على ثقافة اللاقفز، باعتباري من الكائنات المتقفزة إلى حد انقطاع النفس… ماذا لو قفزت وقلت لأختنا في السواد أو بالأحرى أختنا في الشرشف التي تقدمت بكامل قواها الشرشفية (العقلية)/ الفحمية المرشحة لرئاسة الجمهورية، بالله عليكِ هل نحن ناقصين شرشفة؟ ألا يكفي غرق مجتمعنا في الشرشفة العقلية والنفسية والجسدية؟ الم تكفنا شرشفة الديمقراطية والحرية وشرشفة الفن والموسيقى؟ بالله عليكِ، كيف ستقابلين خلق الله وتحاوريهم وأنت قد حذفت كينونتك، وجعلتيها مكللة بالعورات، وما تبقى من جسدك سوى خزقتين لا معتين، يقال عنهن، والله أعلم، (عينان). ماذا أنت فاعلة إذا ماسلم عليك كائن لافقاري من الخارج ماذا ستقولين له، وأنت تعتبرين يدك عورة، والدم الذي يجري في عروقها مدنس بالخطيئة؟ فكم يكفيكِ من (ماء الحياة) الذي يهرق في أوردة حكاياتنا الشعبية ليبعد عنك شبح الخطيئة، فيما لو لمسك هذا الكائن اللافقاري الأجنبي؟
متي ستكف هذه الأجندة اللافقارية عن إهلاكنا برعب القفزة؟ تارة باسم الدين، وتارة باسم الوطنية، وتارة باسم الخروج والمروق عن الواقع والتقاليد والتاريخ؟
أما يمكننا أن نبدأ بقفزة لنسترد عمودنا الفقري وعظامنا وأنفاسنا المخنوقة نسترد دورتنا الدموية من تهلهلها في مسالك (أبو ثابت، وأبو واقع) فواقع لا يخلق لكائناته حرارة القفز، لا نريده. فنحن من صنعناه، ونحن من سنقول له وووووووووووب، القفزة الأولى بدأت 3،2،1.
ولا كيف تشوفووووووووو؟
[email protected]