آلة النظام.. قراءة من الداخل – د. ناصر محمد ناصر

آلة النظام.. قراءة من الداخل – د. ناصر محمد ناصر

ترى ما هي العلل والأمراض التي تعاني منها الآلة القمعية، و كيف يمكن علاجها؟
نعرف على وجه الحصر أن من يمسك بزمام السلطة هو مركز اتخاذ القرار اولاً واخيراً ولا توجد قوة أخرى في النظام قادرة على منافسته أو الحد من سلطته حتى قادة قطاعات الآلة القمعية، فرغم تنفذهم في مختلف اجهزة الدولة إلا أن أياً منهم لا يحظى بسلطة حقيقية في مواجهة المركز وذلك لسببين أولهما هو أن المركز يحكم قبضته على الجهاز الأمني والإستخباراتي المؤطر للآلة القمعية، فحركة كل منهم مراقبة وليس بوسع أي منهم تحريك فرد واحد دون علم ومعرفة وموافقة المركز،وثانيهما هو أنه ليس بوسع أي من هؤلاء منفرداً إحداث التغيير أو فكر في ذلك لأن بوسع المكونات الاخرى احباط اي تحرك من هذا القبيل، كما ان التنسيق بين بعض او كل تلك المكونات أمر محال لوقوع قيادتها جميعاً تحت المراقبة المشددة من قبل الأطر لأمنية المرتبطة بالمركز.
إن تجزئة تلك الآلة ووضع كل جزء منها في مواجهة الآخر قد أسس تركيبة محكمة إلي حد ما ولكنها رغم ذلك لا تخلو من ثغرات سيكون لها أثرها المدمر على المدى الطويل ومن هذه الثغرات:
1 – إن مركزة الآلة حول قطب واحد لا يعد عملاً مؤسسلاً ولا يمكن وصف تلك الآلة بالمؤسسية، بل إنه عمل غاية في الخطورة فغياب القطب المتمركزة حوله مكونات تلك الآلة لسبب أو لآخر قد يفقد تلك المكونات المحور الذي تدور حوله والذي يسيرها وبالتالي تصبح في مواجهة بعضها البعض، سيما أن بنائها الان قائم على هذا الأساس بهدف الحفاظ على الوضع القائم، فإذا ما حدث ذلك فإن مصير الآلة، بل ومصير البلاد برمتها سيصبح على شفا هاوية.
2 – أن النخبة التي تدير فروع الآلة تحت مظلة المركز هي نخبة مغلقة غير قابلة للتجديد وإن جددت ففي مواقع هامشية ومن داخل المكون العشائري نفسه، الأمر الي يجعل منها عقبة كأداء في طريق بناء وتطوير وتحديث مؤسسة ذات طابع وطني.
3 – إن استمرارية الربط بين قيادة فروع وقطاعات الآلة والمكون العشائري سينمي على المدى المتوسط والبعيد مشاعر معادية لهذا الوضع داخل الآلة نفسها فقيادات فروع هذه الآلة، حتى الشابة منها، ليست على المستوى المطلوب من التأهيل، وإنما حصلت على مواقعها بحكم انتمائها القبلي وليس بمعيار الكفاءة، وإذا ما قارنا هذا بسرعة الحراك داخل تلك المكونات بفعل مخرجات مؤسسات الحقن والتجديد ذات العلاقة التي ترفدها سنوياً بمئات وآلاف الكوادر ليجد هؤلاء أنفسهم وقد وضعوا في مواقع هامشية، لا تتناسب مع كفاءاتهم ومؤهلاتهم، في حين أن قياداتهم التي مؤهلها الوحيد هو انتماؤها القبلي، هي عناصر شبه أمية أو عناصر أقل كفاءة منهم في أفضل الأحوال.
4 – إن تفشي الفساد داخل الآلة وترهلها بازدياد عدد المنتفعين منها من الوجاهات القبلية والاجتماعية الذين لا صلة لهم بالعمل فيها والذين تقتصر علاقتهم بها على استلام مرتباتهم مقابل ولائهم للنظام، وافتقادها إلى العقيدة الوطنية؛ بفعل طغيان المكون الاسري والعشائري ومن ثم افتقادها إلى وحدة الهدف، قد جعل منها عبئاً على الإقتصاد الوطني، سيما وأن امكانياتها مكرسة لحماية مصالح أسرة بدلاً من حمايةوطن.
والخلاصة هي أن تلك الآلة في نظر النخبة الواعية من افرادها ومنسوبيها قد خرجت عن الأهداف المنوطة بها فلم تعد مكرسة لخدمة الوطن، ولا يمكن لآلة كهذا ان تكون لها عقيدة أو يكون لها هدف، وأصبح دورها محصوراً في تكريس استقرار ملغوم لنظام قائم على أسس معطوبة وغير قابلة للإستمرار. إذاً الآلة في مأزق وفي أزمة عميقة لا يمكن الخروج منها واعادتها إلى حظيرة الوطن إلا بفك ا لارتباط بينها وبين المكون الأسري والعشائري الممسك بزمامها. وهو أمرلا يتأتى إلا بهدم النظام القائم من أساسه، وهو أمر مرهون بمجمل ظروف محلية وإقليمية ودولية غير متوفرة في الظرف الراهن.