عبدالباري طاهر يكتب عن نقابة الصحفيين وانتخابات الرئاسة

عبدالباري طاهر يكتب عن نقابة الصحفيين وانتخابات الرئاسة

تشهد اليمن ثلاث انتخابات مهمة: انتخابات الرئاسة، والمحليات، وانتخابات نقابة الصحفيين. عمر نقابة الصحفيين ثلاثون عاماً، أما انتخابات الرئاسة فقد بدأت صورياً في العام 87 م عندما ذهب الأخ الرئيس إلى مجلس النواب لمبايعته أوتزكيته. ومن الناحية الفعلية فإن انتخابات هذا العام هي الأقرب للتنافس بقطع النظر عن القصور والنواقص، فانتخابات سبتمبر القادم مختلفة عن العام 99 م؛ لأن الانتخابات حينها -وإن تجاوزت أسوار مجلس النواب إلى مختلف مناطق وفئات وشرائح الشعب- إلا أن التنافس فيها كان شكلياً. ومع عدم الاستهانة بهذه البدايات “جد متواضعة” إلا أن غياب المؤسسات الحقيقية يجعل التنافس حتى، لوكان جدياً، غير نزيه ولا متكافئ، ومن باب أولى لا يؤدي إلى تداول سلمي حقيقي للسلطة. فلا يوجد في اليمن قضاء مستقل كفء ونزيه. ومجلس النواب يتبع حزب الحكم وهو موزع بين الأميتين: الأبجدية، والمعرفية. وغارق في الفساد والاستبداد، كما أن مؤسسات المجتمع المدني حديثة وضعيفة لا تملك القدرة على التأثير، وغالبها مفرخة وغير مستقلة، أو محاصرة ومعلولة. ولا يوجد تكافؤ فرص بين طرفين: طرف يحتكر الإعلام والجيش والأمن والمال العام والوظيفة العامة وكلها موظفة في المعركة الانتخابية، وبين معارضة مجردة من الإمكانات ومقصاة عن التأثير والفعل، وكلما تملكه: سماح محدود لا يتجاوز حرية التعبير في الصحافة المقروءة (أكبر صحيفة حزبية أو أهلية مستقلة لا تطبع أكثر من ثلاثين ألف نسخة) في شعب يتجاوز العشرين مليوناً غالبيتهم أميون. تحددت خارطة الانتخابات الرئاسية والمحليات على إقرار مبدأ “التنافس جوهر الديمقراطية”. وبعد تمنع دام قرابة العام ترشح الرئيس علي عبد الله صالح لولاية جديدة في حين أجمعت أحزاب اللقاء المشترك “المعارضة السياسية” على ترشيح “فيصل بن شملان” وهو تكنوقراطي مستقل، يحظى بحب واحترام واسعين. وقد تقدم للترشح إلى مجلس النواب ما يزيد على الستين مرشحاً جلهم هواة شهرة.
 لا تمتلك المعارضة السياسية القدرة أو الحق في تزكية أكثر من مرشح حيث يشترط الدستور حصول المرشح على تزكية 5% من أعضاء مجلس النواب والشورى، أي اثنان وعشرون عضواً، في حين يستطيع حزب الحكم تزكية أكثر من عشرة مرشحين، فهل يزكي حزب الحكم هؤلاء السبعة؟!
الحكم في اليمن على خبرته القصيرة في اللعبة الديمقراطية يمتلك من حيلها، أو بالأحرى من التحايل عليها، أكثر مما يمتلك من قيمها وتقاليدها وطرائق ترسيخها.منذ البدء دفع الحكم بمرشح من الحزب الاشتراكي من الجنوب، ومرشح آخر من حضرموت من الإخوان المسلمين؛ بهدف التشويش على الحملة الانتخابية لابن شملان، وخلق الانقسام في مناطق نفوذ مرشح المعارضة. والأهم التشويش والخصم من حصة ابن شملان في وسائل الدعاية التي ستوزع على أكثر من سبعة مرشحين. ويحتفظ الرئيس صالح بحصة الاحتكار شبه الكلي لدعاية العمل اليومي لرئيس الدولة. ومن غرائب الديمقراطية اليمنية أن عشرات من هؤلاء المرشحين للرئاسة لم يسمع بهم الرأي العام وغير معروفين، وربما أن بعضهم لا يُعرف في قريته أو الحافة التي يسكنها، وربما أن اسمه وصورته ينشران للمرة الأولى في الصحافة. وأجهزة الدولة ليست بعيدة عن التشويش وخلط الأوراق.
ولعل أعظم إنجاز تحققه اليمن هو الإقرار بمبدأ التنافس، والبدء في الممارسة الواقعية بتعدد المرشحين رغم مظاهر الإفساد والتشويش، وغياب النزاهة والتكافؤ وسلامة الإجراءات ابتداءً من فساد سجل الناخبين، مروراً بانحياز اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات، وانتهاءً بالهيمنة والاستحواذ على المال العام والوظيفة العامة والإعلام، والزج بالجيش والأمن في معركة الانتخابات وكأنها معركة حربية. ومهما يكن فإن هذه الانتخابات هي الانتخابات الأولى في تاريخ التجربة الديمقراطية اليمنية رغم قصورها ونواقصها، وقد تكون الأولى على طريق الديمقراطية الطويل والشاق.
 أما انتخابات نقابة الصحفيين فهي رابع تنافس على منصب النقيب؛ فقد استقال محبوب علي ليكلف الوكيل الأول بالقيام بعمله لمدة ثلاثة أشهر تُدعى فيها الجمعية العمومية لانتخابات نقيب جديد.
ترشح ثلاثة عشر نقيباً بعضهم جديد على عضوية النقابة، والبعض غير معروف للناخبين، والغالبية لم يقدموا أنفسهم بصورة كافية لناخبيهم.
 المرشحون لمنصب النقيب غالبيتهم، كغالبية المرشحين للرئاسية، لا يبدون أي اهتمام بأصوات الناخبين ويبدون زهداً واكتفاءً ذاتياً بأصواتهم. وإذا كانت الدولة تلعب أو تستفيد من تشتيت الأصوات أو التشويش على المنافس الحقيقي، فإن قيادة النقابة قد أظهرت ضعفاً شديداً في تطبيق النظام الداخلي على مرشحين بعضهم ربما لا تنطبق عليه شروط العضوية.
تساهل الدولة في ترك الباب المخلوع على منصب الرئاسة وتزكيتها لمن هب ودب ليس شاهد ديمقراطيتها، وإنما يعكس في جانبٍ مهم استهانة بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع؛ لإدراكها العميق بأن الشرعية الحقيقية ليست صناديق الاقتراع ولا أصوات الناخبين، وإنما هي في القوة والغلبة التي تملكها. أما استهانة قيادة النقابة بالترشيح لمنصب النقيب، وتغييب النظام الداخلي فمرده إلى ضعف التقاليد النقابية والرضوح لابتزاز عناصر لا علاقة لهم بالصحافة أو العمل النقابي. الأهم أن التنافس في اليمن سيكون مختلفاً عن كل الانتخابات السابقة على منصب الرئيس وحتى لو فاز الرئيس صالح، وهو أمرٌ وارد، فإن عليه أن يعيد ترتيب أوراقه، وأن يدرك أن القوة وحدها واحتكار المال والإعلام والنفوذ ليس بالكافي للحكم أو الاستمرار إلى ما لانهاية فيه؛ فأصوات الناخبين التي لم تحسم المعركة اليوم واعدة بحسمها غداً.
إن فوز صالح بنسبة كبيرة أمرٌ مستبعد، كما أن فوز إبن شملان في ظل الشروط القائمة أمرٌ مستبعد أكثر. والاحتمال الأقرب أن يفوز صالح بفارق ضئيل يفرض عليه التواضع في الخطاب، وعدم الشطط في تقوية إدارته وقدرات حزبه، وأن يغير أسلوب تعامله مع إدارته القائمة، ومع المعارضة السياسية والناس. والأخطر أن يفوز صالح في الشمال ويحرز ابن شملان تقدماً محدوداً في المحافظات الشرقية والجنوبية، وهو أمر ليس بالمستبعد أيضاً ونتيجة كهذه سوف تطرح الأسئلة الأكثر سخونة ودرامية.