حميد الأحمر لـ«النداء»: اليمن بحاجة لقرار سياسي يحترم المؤسسات.. والحل ليس في الإئتلاف أو الانتخابات المبكرة

حميد الأحمر لـ«النداء»: اليمن بحاجة لقرار سياسي يحترم المؤسسات.. والحل ليس في الإئتلاف أو الانتخابات المبكرة

– القطاع الخاص يدير معركة الحفاظ على الذات، والتنمية بحاجة لدولة تدرك واجباتها

– حكومتنا تراكم القيود والأعباء أمام الشعب كأفراد أو أحزاب أو مؤسسات

– نحن بحاجة لتحليل علمي للحالة القبلية التي أنتجت الحكم وعلى الدولة نقل الحكم من تحالف قبلي إلى عمل مؤسسي

– القرار في اليمن اليوم لم يعد يعبر عن أي تحالف، ولا يمر عبر قناة ولا تحالف ولا مؤسسة

– موجودات البنوك اليمنية مجتمعة لا تساوي موجودات آخر بنك في قائمة المائة بنك الأكبر في البنوك العربية

الشيخ حميد الأحمر -عضو مجلس النواب، ورئيس مجلس إدارة مجموعة الأحمر التجارية، وعضو مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح- يجيب تالياً على أسئلة لـ«النداء» حول قضايا التنمية والقطاع الخاص، ودور البرلمان وأداء الحكومة.. وقضايا أخرى.

– حوار: نبيل الصوفي


> لسنا ندري مستقبل الحدة البرلمانية ضد الاعتماد الإضافي الذي طلبته الحكومة مؤخرا.. لذا لن نسأل عن توقعك للقرار البرلماني تجاه الاعتماد، وسنكتفي فقط بسؤالك عن تقييم تقديم الحكومة للاعتماد الذي أصبح وكأنه موازنة سنوية تطلبها الحكومة، ولكن قبيل نهاية العام؟
– من المؤسف أن تتوالى الأحداث التي تؤكد من خلالها الحكومة عدم قدرتها على إدارة شؤون البلد، فالاعتماد الإضافي الذي تقدمت به هذا العام هو تكريس للعشوائية وإثبات لعدم وجود رؤية واضحة للأولويات.
والأمر ليس في تقديم طلب الاعتماد وحده، بل وحتى في تبويب مبالغه المالية الذي ينم عن عدم وجود رغبة حقيقية في التنمية التي لايمكن الحديث عنها ونحن لازلنا بغير موازنة محترمة من قبل الحكومة نفسها.
والأسوأ أن هناك أحاديث بأن الحكومة قد صرفت جزءاً كبيراً من مبلغ الاعتماد الإضافي فيما يدل على عدم احترام تكوينات ومؤسسات وتشريعات البلد، حيث أنه وبحسب الدستور يفترض أن البرلمان وحده من يحق له الموافقة من عدمها على صرف مبالغ خارج إطار الموازنة.
> ألن يكون هذا الحديث تركيزاً فقط على طرف الحكومة التي تشكو من أعباء مفروضة لأطراف هنا وهناك، وتقول إن أي حكومة ستأتي لن يكون بإمكانها إلا أن تفعل ذات الأمر؟
– لا أريد أن أتحدت كطرف، فأنا وعبركم أدعو الحكومة لأن تنظم ندوة علنية تشارك فيها القوى السياسية المختلفة وخبراء وجهات دولية؛ ليقوم الجميع بتحليل مدى رشادة إعداد وإنفاق الموازنات السنوية بما فيها الاعتماد الإضافي وتناقش مناقشة موضوعية وتقدم بموجبها رؤية حول جوانب القصور، وكيف يمكن أن يصحح هذا المسار.
وإذا كانت الحكومة تعتقد صواب خطواتها فلماذا لا يفتح الباب لمثل هذا الجدل، وبخاصة في ندوة لخبراء وذوي اختصاص إضافة لأطراف سياسية تساعد الحكومة على تقييم حقيقي لأدائها، وكيف يمكن أن يكون لحكومتنا موازنة مخططة بطريقة عملية وحديثة وتستهدف تحقيق تنمية.
> 90% من موارد الاعتماد الإضافي من النفط وهو مايؤكد الحديث عن شحة الموارد في اليمن..
– اليمن فعلاً ليس ذاك البلد النفطي الكبير، فهو ضمن الدول النفطية الصغيرة، لكن حتى ماهو موجود لم نستفد منه بشكل أمثل.
> إذا حتى النفط مورد مهدد… فكيف يمكن الحديث عن تنمية ونحن بلاموارد؟
– حديث الحكومة الدائم عن شحة الموارد جانب من جوانب القصور.
لليمن ككل بلدان الدنيا موارد، لكن مشكلته هي في الحكومة التي تسعى لموارد سهلة لاتتطلب أي جهد لإدارتها، كما هي تريد موازنة بلا حساب، وهذا يمثل العجز عن القيام بدور الحكومة الحقيقي في تحقيق التنمية.
ونحن دائماً ننتقد الفساد المالي والإداري، ومع أهمية استمرار نقد الفساد إلا أن الأهم هو عدم وجود تنمية بالمعني المعروف في كل بلاد الدنيا.
> لكن الحكومة دائما تفتتح مشاريع، وطرقات.. كيف تقول إنه ليس هناك تنمية؟
– التنمية أشمل من افتتاح المشاريع، ومع أننا لو بحثنا عن المشاريع الجديدة التي يمكن أن نسميها مشاريع تنموية لوجدناها ضئيلة جدا، فالأهم هو أن يكون لدينا حكومة تحدد متطلبات النهوض بالبلد، ثم تضع خططاً لذلك حتى لعشرات السنين، وتبدأ بالأهم، وهو تأهيل المجتمع لاستغلال موارده.
لو أن لدينا تنمية تبدأ بتحمل الدولة لمسئوليتها الحقيقة لتضاعفت موارد الدولة من 4 مليار دولار إلى 40 مليار دولار.
ولن تحدث هذه التنمية إلا عندما تعرف الدولة ماهي مهامها الأساسية وكيف عليها ممارستها، من أجل بيئة سليمة، تحفز الشعب بفئاته المختلفة للقيام بواجباته.
> تتحدث عن تحفيز الشعب، وأنت تعلم تدني مستوى تأهيله لإدارة مثل هذه القضية.
– هذه واحدة من أدلة عجز السلطة عن القيام بمهامها.
فإذا لم تستطع أن تنمي المجتمع بحيث يقوم بمهامه، وهو يعيش في القرن الواحد والعشرين، الذي لم تعد فيه الحكومات هي من تواجه التحديات، بل مهمتها تأهيل شعوبها لفعل ذلك.
> لو تحدثنا عن الأحزاب، وهي أهم آلية لتنظيم جهود المجتمعات، الحكومة تقول إن هذه الأحزاب ليس لها برامج يمكنها المساهمة من خلالها في تحمل تبعات قضايا التنمية.
– نحن نتحدث عن أسس وتحديات لايمكن لمن ليس في الحكم أن يحقق منها شيئاً. السلطة هي التي عليها إدارة إمكانيات المجتمع بما يؤهل هذا المجتمع للمشاركة في مواجهة التحديات المختلفة عبر تكوين وعي ناضج لدى الشعوب يمكنها من إدارة الحياة العامة بما يتلاءم مع المرحلة والعصر الذي يسيرون فيه، بالعكس من ذلك فإن حكومتنا وخلال العشر السنوات الأخيرة إنما تعمل مع التحديات، من أجل مراكمة القيود والأعباء أمام الشعب كأفراد أو أحزاب أو مؤسسات بإدارة تكون نتيجتها إشغال الناس بلقمة العيش، وعدم توفير البيئة السليمة للمشاركة الفاعلة.
> لو تحدثنا عن البرلمان باعتباره شريكاً في القرار السياسي.. وهو أيضا أحد أدوات أي مجتمع للإدارة الشعبية التي تتحدث عنها، بمتابعة بسيطة لأدائه يصل المراقب إلى انه لم يستطع أن يقوم بدوره، فهو لم يوقف أي خطأ حكومي مهما كان صوت النقد فيه عاليا.
– بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر حول مدى نزاهة وشفافية الانتخابات التي أوجدت مثل هذا البرلمان، فالبرلمان تمثيل شبه واقعي لوضعية المجتمع. أعتقد أن الخلل ناتج عن شخصيات أعضاء مجلس النواب ال301. فهم لديهم بمجموعهم إمكانيات تؤهلهم للعب دور أفضل مما هو عليه الآن. وأنا كعضو في البرلمان ألمس رغبة كبيرة وصادقة عند كثير من أعضاء مجلس النواب من جميع الكتل بما فيهم كتل الحزب الحاكم لأحداث التغيير والقيام بدور أفضل. ويكفي متابعة الجلسة التي بدأت بها الدورة الحالية لملاحظة استياء الأعضاء مما هو قائم.
> إذا ما هي المشكلة؟
– طالما ونحن نتحدث عن الديمقراطية، وهي لاتعمل إلا بالأطر السياسية والقانونية المنظمة لها، فعلينا أن نعترف بدور الإرادة السياسية في تعطيل مؤسسات الديمقراطية.
كنا نتوقع أن وجود أغلبية ساحقة من حزب واحد ستحفز هذا الحزب بحكم مسئوليته الناتجة عن الأغلبية، للسعي نحو تحسين الأداء البرلماني، لكن للأسف حتى الأغلبية لم تقنع الإرادة السياسية بدعم البرلمان ليؤدي دوره المهم في حياة اليمن.
> لماذا تقبل هذه المؤسسات هذا الأمر؟
– لماذا لا نلقي اللوم على من يمارسون التوجيهات الحزبية ويلزمون الأعضاء بموقف واحد؟
قلت لك أن الأغلبية وبدلا من أن تؤدي دورا إيجابيا لدعم دور مجلس النواب في إدارة البلاد، وتحمل المسئولية- تحولت إلى عامل إضافي من عوامل ضعفه.
لايصح أن نطالب عضواً واحداً في مجلس النواب أن يؤدي دور المؤسسة البرلمانية، والأعضاء حين يريدون أن يؤثروا عليهم أن يكونوا كتلا، وفي وضعنا فهم كتل حزبية تحولت الكبيرة منها إلى عائق إضافي تمنع الفرد من أداء دور، وإلا استخدمت ضده مختلف الضغوط، وأنتم ترون الحملات التي تشن ضد أي شخص تظهر فعاليته، حتى لو كان من هذه الأغلبية، ويصل الأمر إلى حد الإيذاء في المصالح الشخصية المشروعة.
نحن نقول للإخوة أعضاء الأغلبية مادمتم أغلبية ساحقة فعليكم أن تؤسسوا لعلاقة متوازنة بين الناخب والنائب، والبرلمان وحزب الأغلبية فيه. والحقيقة أن هناك غرابة أن يعقد حزب يملك هذه الأغلبية جلسات حزبية في غرف مغلقة، رغم أن النقاش في البرلمان سيكون في أصله بين أعضاء الأغلبية.
أسأل أعضاء المؤتمر لماذا لايشجعون البلاد على الشفافية، وتوضع أمور المجلس كاملة على قاعة المجلس؟ وأعتقد أن النقاش العام يتيح لكل طرف أن يدافع عن رأيه وفي النهاية فقرار الأغلبية هو القرار الصحيح.
المؤتمر وبدلا من ذلك يعمل عبر الاجتماعات المغلقة لتفريغ حماس الأعضاء، وإفراغ الديمقراطية من مضمونها بحيث يحق لعضو المؤتمر أن يقول مايقول بعيدا عن الرأي العام ومقابل ذلك لايحق له أن يقرر إلا ما ينسجم مع قرار الأقلية التي هي الحكومة.
لدى كثير من أعضاء مجلس النواب الرغبة في تحقيق شيء للبلد، لكن لاتوجد إرادة سياسية تدعم هذا الاتجاه، وقد فشل المؤتمر في استخدام هذه الكتلة الكبيرة وتفعيلها. ومع ذلك لا يزال أمامهم وقت.
 ونناشد قيادة المؤتمر أن تستشعر أهمية تفعيل المؤسسات وأن تتيح لمجلس النواب أن يقوم بعمله، فلنضحي بحكومة ولنضحي بوزير لكن لا نضحي بشعب.
> لكنك دعيت في أولى جلسات هذه الدورة لحل البرلمان؟
– أنا قلت إذا كنا غير قادرين على القيام بدورنا فما الفائدة من وجودنا.
> هناك حديث عن أن هذه الدور المطلوب القيام به فقط هو استغلال البرلمان لمصالح شخصية، وأنه حين عجزت عن الاستفادة منه طالبت بحله؟
– مجلس النواب لايبرم الصفقات، حتى يقال إنني لم استطع أن استخدمه.
مجلس النواب يوافق أو يرفض، والجميع يعرف يقيناً أن ما يقصدوه هو سعينا في إيقاف فساد، خاصة أننا كنواب قد استطعنا إيقاف فساد في قضيا مختلفة، وعندما نحاول أن نسهم مع أعضاء المجلس للقيام بدوره تحدث ردود أفعال مثل هذه.
أريدهم أن يأتوا بقانون واحد حاولت من خلاله أن اسخر مجلس النواب لمصلحة خاصة، وسآتي بالمقابل بقائمة من قضايا الفساد التي حاول أعضاء مجلس النواب أن يوقفوها واستطعنا في البعض، ولم نستطع في البعض الآخر.
> المصالح المقصودة ليست عبر قوانين البرلمان، وإنما عبر استغلاله للضغط للحصول على مصالح خارج البرلمان، في قضايا أخرى في شؤون التجارة والاقتصاد؟
– لا أعتقد أن هناك تاجراً عاقلاً يصل به الأمر من أجل الحصول على مصلحته أن يدخل في جدل علني مع الحكومة من أجل أن يحصل على شيء كان يمكن أن نستخدم الضغط غير المباشر.
الأمر الثاني هو أننا نمارس عملنا عبر شركاتنا المسجلة والمرخصة ونوظف الآلاف ونساهم في خلق تنمية، التي يعيقها أننا وغيرنا ننشغل بالدفاع عن أنفسنا من التصرفات الدائمة غير المسئولة.
> نعود للعمل الحزبي، يكثر الحديث عن المؤتمر الشعبي العام كمعيق للتنمية السياسية وغيرها، مع أنه ضحية لتحالف قبلي يدير البلد بطرق تمنع الأحزاب كقوى حديثة من إدارة اليمن.
– لا تزال القبيلة تستخدم كشماعة للعجز والضعف والاختلال. القبيلة في اليمن هي جزء من المجتمع ومكون من مكوناته.
> تحدثت عن تحالف قبلي وليس عن القبيلة.
– إذا نحن بحاجة لتحليل علمي للحالة القبلية التي أنتجت مثل هذا التحالف، وعلى الدولة تحمل مسئوليتها في إنتاج عوامل تنقل الحكم من هذا التحالف -إذا كان موجود- إلى عمل مؤسسي.
السلطة اليوم عبارة عن أفراد من مناطق مختلفة، وكونك تجد أفراد من هذه المنطقة أو تلك، فلايعني أنهم يمثلون تحالفا من أجل توزيع مثل هذه الأدوار.
> لا أتحدث عن توزيع الأدوار، بل عن الاتفاق حول قضايا تتعلق بإدارة الدولة في النظام السياسي.
– بمراجعة محايدة للأمور أجد أن القرار في اليمن اليوم لم يعد يعبر عن أي تحالف، القرار اليوم في اليمن عندما يصدر يصدر مباشرة، لا يمر عبر قناة ولا تحالف ولا مؤسسة.
> بناءً على هذه المعطيات كيف تقرأ قادم الشهور… ليس كبرلماني ولكن كأحد رجال القطاع الخاص، الذي لاشك يراقب فرص المستقبل كأحد أهم عوامل الاستثمار.
– من خلال تحليل الوضع السياسي العام أو من خلال الإطلاع على ما تنشره صحف المعارضة أو السلطة سترى أن الحال الذي نعيشه ليس حالة طبيعية، فنحن صرنا نعيش في حالة صراع دائم.
ومع أننا نقول إننا دولة ديمقراطية، فقد صارت العلاقة بالسلطة هي المحدد للحالة العامة: من مع السلطة ومن ضدها؟ وهذا الصراع موجود حتى على مستوى القرية، بل حتى على مستوى المغتربين خارج البلد، الذين بدلا من أن تقوم سفاراتنا بالاستفادة منهم لتعميق روابطهم ببلدهم ومصالحها، صاروا يعيشون ذات الصراع في الداخل.
> الخطاب الرسمي السياسي والإعلامي يتحدث عن تحول ديمقراطي وشراكة مع المجتمع، ولكن يشكو من أن المعارضة تسعى للإساءة لسمعة اليمن خارجياً.
– الخارج الآن لديه أدوات تحليل أفضل منا، ولديه إمكانيات، ويعيش في حالات من الاستقرار، ويملك مؤشرات قياس أكثر دقة منا، فهو يعرف أوضاعنا.
ويكفي أن تعود لما نشرتموه انتم في موقعكم من تقارير دولية أو جهات معنية عن الوضع في اليمن.
مشكلتنا في الداخل عدم القدرة على تحديد ملامح المستقبل وتحدياته، وعدم الرضا بآلية الإدارة واضحة جداً.
وواحدة من عوامل هذه الأزمة رفض النقاش حول أوضاعنا، بحيث أن من يقول كلمة يعتقد صحتها عن حالنا السيئ يتحول إلى هدف لهجوم غير مبرر.
> إذا كان هناك فعلا عدم رضا عن آلية إدارة اليمن.. فلماذا لانرى عملا سياسيا يقول هذا الأمر بالطرق التي تكفل معالجة هذا الاختلال.
– واحدة من مشاكلنا في اليمن أن النخب السياسية تمارس الصمت أو المجاملة، قد يكون هذا ناتجاً من تعرضها للابتزاز في حقوقها المشروعة في الحياة, حق الوظيفة.
منطق السلطة اليوم هو اصمت وجامل أو ستخرج من وظيفتك أو ستحارب في تجارتك أو يقضى على وجاهتك أو يشوه تاريخك، أو تلبس تهمة الإرهاب أو العمالة أو تسفه آراؤك، وإن استطاعوا فستحبس والتهم موجودة وجاهزة. ولكن الأحق أن هذا الصمت قاتل للحياة السياسية. وهذا لايفيد ولا السلطة والمعارضة مستقبلا.
> هل هذا نقد للأحزاب السياسية المعارضة؟
– هم جزء من هذه الحالة ويمارسون المجاملة… لأنهم أيضاً حقوقهم تتعرض للابتزاز، لكني أقول لهم ان الحياة الكريمة لا يمكن المحافظة عليها بالصمت على ماينتج ضدها.
> سنسأل عن مسؤولية القطاع الخاص الذي يفترض انه ليس لديه تهديد سياسي للسلطة بل يمكنه أن يساعدها، وهو أيضا لديه القدرة أكبر على العمل من أجل صناعة الرفاهية العامة.
– القطاع الخاص في المجتمعات التي فيها حراك سياسي عمله متعدد، ومن ضمنها المشاركة في إدارة الحياة السياسية كممول.
يمكن القول أن المهمة الأخيرة قد ألغيت في اليمن، لأن أي تاجر لا يستطيع أن يعبر عن رأيه أو عن دعمه لأي جهة من الجهات؛ خوفا من أن تنزل عليه الويلات. وهذا بالتالي منع القطاع الخاص من المساهمة الإيجابية في الحياة السياسية؛ ولهذا ومع الفقر العام أصبحت الحياة السياسية عاجزة عن الحركة، خاصة وأن الأحزاب في الأصل لاتنشغل بالبحث عن التمويل بل في إدارة الشأن السياسي العام، في تبادل أدوار مع القطاع الخاص.
لكن في اليمن القطاع الاقتصادي ممنوع من المساهمة الإيجابية، مثله مثل غيره في العالم، في تمويل الحياة السياسية، وهذه واحدة من أكبر المؤشرات السلبية عن عدم دعم القرار السياسي للتنمية السياسية.
> لنبحث عن تأهيل هذا القطاع لنفسه.. ومشاركته مع المجتمع.
– القطاع الخاص يشعر بأن دور الدولة سلبي أكثر مما هو إيجابي، في كل الاتجاهات، الدولة عندنا ليست فقط لاتساند القطاع الخاص على النمو بل هي تعمل ضد نموه.
ولنأخذ مؤشرات يمكن أن نقيس عليها نمو القطاع الخاص في بلادنا، ويمكن أن يؤخذ القطاع البنكي كمؤشر، خاصة وانه عصب العمل التجاري، فكل التجار يمارسون أعمالهم من خلاله.
هذا القطاع عندما ننظر إليه نجد أن موجودات البنوك اليمنية مجتمعة لا تساوي موجودات آخر بنك في قائمة المائة بنك الأكبر في البنوك العربية.
> لكن القطاع الخاص مساهم في هذا القصور…. من حيث غياب التنسيق لمواجهة قضايا معينة ولو حتى بعيداً عن السياسة.
– القطاع الخاص هو جزء من هذا المجتمع، والشعب الذي تزداد درجة فقره باستمرار لايمكن لقطاعه الخاص أن يستمر في النماء. والغريب أن وسائل الإعلام في اليمن، منذ عقود، دأبت على تصوير التاجر والقطاع الخاص على أنه قطاع مستقل، ولم تخلق ثقافة تقول بأن مصلحة القطاع الخاص مصلحة متوازنة تماماً مع مصالح المجتمع.
وبقدر ما تزداد الثروة عند مجتمع تزداد فرص رجال القطاع الخاص، والعكس صحيح أيضا.
> لكن القطاع الخاص أكثر حرصا على علاقته بالسلطة منه للسوق والمواطن.
– بسب الأعباء فإن القطاع الخاص في اليمن يدير معارك الحفاظ على الذات، وفي أحيان كثيرة قد لا يكون من المفيد الشكوى لأنها أحياناً تزيد من ضراوة السوء، يكفي أن نتحدث عن الدولة التي تتعامل مع القطاع الخاص بعقلية المنافس والخصم. وأضرب لك مثل على المنافسة غير السليمة من الدولة للقطاع الخاص، بقطاع النقل فنحن في اليمن لدينا عدد كبير جداً من القاطرات لنقل البضائع يمتلكها أفراد، ومع هذا استوردت الدولة من خلال إحدى مؤسساتها أسطولاً كبيراً للمنافسة.
وكثير من القطاعات يحدث فيها هذا الأمر، ومعيار نجاحها، عند متخذ القرار، لا يقاس بالربحية بقدر ما تقاس بوجود العمل حتى لو كانت كلفته من الخزينة العامة اكبر من أن تبرر.
> أنت تتحدث هنا عن وظيفة الدولة وهذه نقطة مهمة بالنسبة للإصلاحات… إن الدولة لا تزال تسيطر على العمل العام ليست شريكة فقط باعتبارها سلطة، وأتفق معك ولكن حتى هذه هناك من رجال القطاع الخاص من يستفيدون من هذه الوضعية، فيمارسون الفساد بحجة أن الفساد أمر واقع ومفروض على الجميع.
– المسئول عن الفساد هو صاحب السلطة؛ لأنه هو الموكل إليه الأمر العام بشكل رسمي، ولا ينبغي أن نلقي بمسئولية الفساد على القطاع الخاص.
> لكن بحكم أن الحكومة فقيرة وضعيفة… فهي محتاجة لعلاقة ما مع التجار؛ ولذا تسهل لهم بعض الأشياء، لأنها في النهاية ليس لديها موارد.
– قد يكون هناك تجار مستفيدين من الوضع الفاسد، وهذا موجود في كل مجتمع، ولكن أعدادهم قليلة، وليسوا هم من يعول عليهم في إحداث التنمية أو التغيير، والمعول عليهم هم القطاع الأوسع من التجار، القادرين على إحداث تنمية وأعتقد أن هناك رغبة متزايدة عند كثير من أفراد القطاع الخاص للمساهمة في التغيير، والتنمية بشكل أكبر.
> ما هي مؤشراته؟
– وجود الرغبة بحد ذاتها في هذه المرحلة مهمة، ومقاييس القطاع الخاص مختلفة، والتفكير في أعمال مشتركة في بعض المجالات مؤشر مهم على التغيير في الأداء، وإذا اتجهنا للجهات الرسمية المشرفة على التسجيل فستجد هناك تحالفات بين هذا وذاك، وأكثرها فاعلية عندما تكون على مستوى كبير، ويمكنني أن أشير إلى دور مشترك للقطاع الخاص اليمني في العمل السياحي لأحداث تنمية سياحية التي أعتقد أنها واحدة من أهم الثروات في اليمن؛ إذا ما أديرت إدارة جيدة.
> تتحدث عن الشركة العربية للسياحة.
– نعم هي واحدة منها، ولو لاحظنا أداء المجموعات التجارية الكبيرة في اليمن وبعض أفرادها فسنجد لديهم خطوات في اتجاهات إيجابية.
> تتحدث عن المستقبل في اليمن بشكل متشائم، ولكنك ذكرت الآن الشركة العربية وهي شركة حديثة أنت من مؤسسيها، وهي ضمن شراكة مع مستثمرين عرب.. ألا ترى في هذا تناقضاً؟
– أولا حديثنا يركز على نقد أداء الدولة، والمستقبل الذي نحذر منه هو التي تصنعه السلطة بأدائها، أما السوق اليمنية فستظل، في حدها الأدنى غير مشجعة، ولكنها غير سيئة.
وثانيا لايعني نقدنا للأوضاع أننا نستعد للرحيل من اليمن، أنا في خطابي مع المستثمرين العرب والأجانب أحاول أن لا أكون شديد الصراحة عن الوضع في اليمن؛ لأنه من مصلحتنا جميعاً أن يأتي الاستثمار.
ومع ذلك فحتى لو لم نتحدث فهاهي الأبواب مشرعة ومفتوحة طيلة السنوات السابقة وعلى من يقول أن عندنا تدفقات استثمارية كبيرة أن يأتينا بعشرة مشاريع حجمها أكثر من خمسة ملايين دولار خارج قطاع النفط لتجار من الخارج غير إخواننا السعوديين من أصول يمنية.
> ما آخر أخبار إتفاقية الغاز، التي وقعتها الحكومة مع شركات خارجية، بعد الجدل الذي أثير في البرلمان؟
– أثار هذا الموضوع بعض الأخوة في المجلس في بداية انعقاد هذه الدورة وطلبنا حضور الحكومة وتحدث بعض الأعضاء أن هذه الصفقات تمت بمخالفة التزامات الحكومة لمجلس النواب، وتقول الحكومة إنها حين تأتي إلى مجلس النواب ستوضح الأمر، بأنها لم تخالف.
أنا لدي نسخة من تقرير أعدته لجنة من وزارة النفط ووزارة المالية بأنه لا يمكن تلبية طلبات مجلس النواب حول الأسعار.
فالحكومة باعت لكوريا ب3 دولارات كحدٍ أقصى، واليوم وأسواق البورصات مفتوحة فإن السعر 12 دولاراً. بمعنى أننا بعنا بربع القيمة.
أعتقد أن ما حدث في موضوع الغاز جريمة وأتمنى على مجلس النواب أن يحاسب ويعاقب من قاموا باقترافها. واعتقد انه لا يزال هناك مجال لإيقاف بعض العبث حتى لو تطلب الأمر رفع قضايا من أي فرد من أفراد الشعب اليمني ضد الشركات الأجنبية أو أي من المسئولين اليمنيين لدى المحاكم الدولية وفقاً لقوانين مكافحة الفساد، وحتى لو أدى الأمر إلى مخاطبات شعبية للحكومات الأمريكية والفرنسية؛ لتثبت حسن نية في توجهاتها نحو الشعوب الفقيرة، بأنها لا يمكن أن تتواطأ مع شركاتها من أجل أن تزيد شركة من الشركات من أرباحها مقابل أن يدفع الثمن شعب كامل يعاني الفقر.
> الحكومة تتحدث أن الذين ينتقدون يريدون فقط أن يعلوا صوتهم السياسي وإلا فعمليا العملية تمت بشكل صحيح، وهناك مرجعيات دولية تقر هذا الأمر.
– الخروقات الموجودة في إتفاقية الغاز بعضها واضح جداً، وبعضها سببه تواطؤ الجانب الحكومي اليمني.
والأخير قد يمكن هذه الشركات من القول إنها تعمل وفقاً للقانون. لكن هناك من المداخل القانونية العالمية ما يحمي الشعوب من فساد وزرائها وحكوماتها، ونحن نؤمل أن تقف الجهات والدول المانحة مع المواطن اليمني ضد منهج صناعة الاستقرار السياسي بالإفقار، فالفقر في النهاية لايصنع إلا الكوارث، ولم يعد هناك كوارث محلية في ظل تشابك المصالح.
> تحدثت عن الفقر. وهناك جدل بين اليمن والدول المانحة عن من يصنع الآخر الفساد أم الفقر؟
– الفساد هو سبب الفقر بلاشك، فهناك الكثير من الشعوب الفقيرة تحولت تحت قيادة حكومات رشيدة إلى دول غنية، فيما الفساد يشتت حتى الإيرادات المتوفرة ويصنع فقرا إضافيا.
> يدور هذه الأيام جدل عن حوار بين الرئيس وأحزاب معارضة لترتيب رؤية للخروج من مأزق الوضع الحالي، إما بحكومة ائتلاف أو بانتخابات مبكرة؟
– لقد جربت اليمن حكومات ائتلافية ولم تغير من الأمر شيئاً. والحديث عن انتخابات مبكرة يدعونا للتساؤل عن ضمانات نزاهة الانتخابات.
وحينما دعوت لحل المجلس مثلا، لم انطلق من ضعف أعضاء البرلمان ولكن احتجاجا على التعطيل المتعمد لحزب أغلبيته من حزب المؤتمر أصلا. فكيف يمكن أن نضمن عدم تكرار ذلك مع برلمان بلا أغلبية.

* العدد (25) 15 سبتمبر 2005م