مكاتب العمداء تتحول إلى اصطبلات.. وكلية تكنولوجيا المعلومات من دون انترنت.. جامعة حضرموت بين وهم الإنجاز ومرارة الواقع

مكاتب العمداء تتحول إلى اصطبلات.. وكلية تكنولوجيا المعلومات من دون انترنت.. جامعة حضرموت بين وهم الإنجاز ومرارة الواقع

– فايز سالم

كثيرة هي «منجزاتنا الإعلامية» فما أن يشق طريق هنا أو توصل خدمة الكهرباء هناك حتى يتعالى صوت الماكينة الإعلامية الرسمية لتمجيد هذه «المنجزات» ويتبارى معها المسؤولون الحكوميون لإبرازها وتهويلها والمن علينا ليل نهار بعطايا حكومتهم الرشيدة بصورة تبعث الاشمئزاز.
جامعة حضرموت مثال صارخ لهذه المنجزات الموجهة فقط للاستهلاك الاعلامي، أما من حيث النتائج فهي ضحلة جداً… وحتى لا نتهم بالمبالغة دعونا نتتبع القصة من بدايتها.

أصل الحكاية
تاريخ التعليم النظامي في حضرموت قديم نسبياً مقارنة مع باقي المناطق اليمنية، حيث افتتحت اول المدارس النظامية في ثلاثينيات القرن الفائت، ناهيك عن البعثات الدراسية للخارج والتي دشنت في الأربعينيات وازدادت وتيرتها خلال الخمسينيات والستينيات.. وبعد الاستقلال تسارعت خطوات التعليم العالي فكان اهمها انشاء كلية التربية بالمكلا عام 1976م لتكون بذلك اول كلية في حضرموت والثانية على مستوى اليمن، وظلت هذه الكلية اليتيمة تتبع جامعة عدن حتى عام 1959م لتنضم بعد ذلك إلى جامعة حضرموت.
ظل حلم إنشاء الجامعة يراود الحضارم في الداخل والخارج، وطرحت فكرة انشاء جامعة في حضرموت كثيراً في اللقاءات والمنتديات والندوات التي كانت تجمع الحضارم في الداخل والخارج، وبعد تحقيق الوحدة المباركة بدا هذا الحلم يقترب من التحقيق على يد المهندس حيدر العطاس، رئيس الوزراء السابق، فتم جمع التبرعات من المغتربين الحضارم ووضعت المخططات في انتظار التنفيذ، لكن ظروف السياسة في تلك الفترة عرقلت تنفيذ الكثير من المشاريع الطموحة ومنها مشروع الجامعة الذي لم ينجز منه سوى السور وتوقف المشروع بعد ذلك نتيجة ظروف الحرب.. ضاعت التبرعات ولا أحد يدري إلى الآن إين اختفت حيث أن كل طرف يلقي باللائمة على الآخر.

تحقيق الحلم
بعد زيادة رئيس الجمهورية إلى حضرموت عام 1995م تجددت الآمال خصوصاً بعد مناداته بضرورة استحقاق حضرموت لجامعتها الخاصة، ودارت عجلة التبرعات من جديد واضحى الحلم واقعاً في عام 1996م بافتتاح كلية الهندسة والبترول باعتبارها النواة الأولى لجامعة حضرموت، تلاها افتتاح كلية العلوم الادارية ثم البيئة والطب وكلية البنات اضافة إلى كليات التربية في المكلا وسيؤون والمهرة وسقطرى.
استمر تفاطر التبرعات من كل مكان وبدأ الناس ينظرون إلى جامعتهم الوليدة بشيء من الفخر والاعتزاز؛ فحضرموت بتاريخها العريق تستحق على الأقل جامعتها الخاصة ا لتي تحمل اسمها.

بداية الانحدار
بعد تأسيس الجامعة بفترة وجيزة بدأت معالم انحدارها بالبروز بشكل واضح حيث اختلطت السياسة بالعمل الاكاديمي وظهر ذلك جلياً أثناء عملية الفرز التي حدثت لهيئتها التدريسية على اساس الانتماء الحزبي، وأثناء الانتخابات النيابية عام 97م بدا جلياً أن هدف إنشاء الجامعة لم يكن نبيلاً مائة بالمائة؛ الترقيات والمناصب توزع للكوادر حسب درجة الاخلاص الحزبي لا علىاعتبار مكانتها العلمية والاكاديمية، كما أن روائح الفساد والصفقات المشبوهة بدأت تتصاعد من داخل اروقة الجامعة بنفس مستوى تصاعد العمارات والفلل الخاصة بالمسؤولين عنها.

الوصول إلى الهاوية
بعد تعيين رئيس جديد للجامعة استبشر الجميع خيراً بقدومه آملين منه تغيير الصورة السلبية التي رسخت في أذهانهم عن الجامعة إلا أنه صدمهم باتباعه لسلسلة من السياسات والاجراءات استطاع من خلالها اخماد ما تبقى من نفس للجامعة لتصل معها سمعة الجامعة إلى الحضيض مما أنعكس سلباً على مخرجاتها واصبحت لعنة السمعة السيئة تلاحقهم أينما ذهبوا.
نذكر بعض من هذه الإجراءات والقرارات على سبيل المثال، لا الحصر:
1 – إلغاء معظم المراكز البحثية في الجامعة وتحويل ما تبقى منها -على قلته- إلى مجرد مستودعات تراكم فيها اطنان من الأوراق لبحوث وهمية لم تجر إلا مخبلة القائمين عليها.
2 – اتباع سياسة تطفيشية لكل من يؤدي عمله بإخلاص سواء من الهيئة التدريسية أو الموظفين لإرغامهم على الموافقة على السياسات الفاشلة المتبعة وتحويلهم إلى مجرد تابعين يقبلون ما يأتيهم بدون جدال أو مناقشة ومن يخرج عن الطاعة مصيره الطرد خارج اسوار الجامعة، والأمثلة كثيرة، منها قضية الدكتور محمد بامطرف الذي حكمت محكمة المكلا الابتدائية باستحقاقه الترقية العلمية فكان رد الجامعة قطع الراتب.
3 – انتهاج معايير جديدة لجلب الاساتذة من الخارج بحيث اصبح المستوى العلمي والاكاديمي يأتي في المرتبة الاخيرة وكل من يثبت جدارته منهم يتم انهاء عقده بصورة قياسية ليبقى فقط على الفاشلين والخاضعين لسياسته وللقاعدة استثناءات.
4 – تغييب البحث العلمي من اجندة الجامعة وإهمال الجوانب العلمية والبحثية بشكل متعمد ومثير للاستغراب في آن واحد، فمثلاً إلى الآن كلية الهندسة بدون مختبرات للانترنت فكيف حال باقي الكليات!
5 – توزيع المناهج الدراسية على الاقارب والمحسوبين ففي حين يلقى الأوائل والمتفوقين شتى العراقيل ويتم تأجيل استحقاقهم السنة تلو الاخرى وخصوصاً في التخصصات العلمية، نجد بالمقابل ان الكثير ممن يحظون بفرص التأهيل في الخارج على حساب الجامعة هم من المحسوبين، بل يصل احياناً أن تمنح لاناس من خارج الجامعة بناء على توصية حزبية من هذه الجهة أو تلك.
6 – وأخيراً، وليس بأخير، تحويل الجامعة ومكاتبها إلى أوكار حزبية للحزب الحاكم في الوقت الذي يجرم فيه أي نشاط سياسي آخر، حتى أن عمداء الكليات ونوابهم اصبحوا يتبارون كلٌ منهم يريد ابراز ان كليته هي الاكثر ولاء، وحولوا معها مكاتبهم إلى «اصطبلات» للخيل تدار فيها الاجتماعات الحزبية بشكل علني فاضح، ويتم تسخير كل امكانيات الجامعة لخدمة اهداف حزبية ضيقة، والانتخابات الاخيرة لطلاب الحزب الحاكم مثال صارخ على ذلك حيث سخرت لها كل الامكانيات من اموال وقاعات ووسائل نقل واصبح منظر العمداء ونوابهم وهم يستجدون الطلاب للتصويت لصالح مرشح معين مخزياً ومثيراً للاشمئزاز بعد ان كان مجرد الوصول إليهم طلباً يعتبر ضرباً من الخيال لإنشغالهم الدائم بتأدية مهامهم الحزبية على حساب عملهم الاداري والأكاديمي.
هذا مجرد غيض من فيض يوضح فداحة ما يعتمل داخل اروقة الجامعة.. هذه الجامعة التي ظلت تحلم بها الأجيال وعندما تحقق الحلم تحول فجأة إلى كابوس، فسمعة الجامعة اضحت في الحضيض وعلقت هذه السمعة بمخرجاتها اينما ذبهوا رغم أن لا ذنب لهم سوى انهم ظنوا انهم جيل لهم حقوق في هذا الوطن، وفي المقدمة منها حق التعليم.