ياسين سعيد نعمان – الأمين العام للحزب الاشتراكي لـ«النداء»: الجنوب هو البوابة التي يجب أن يبدأ منها الجميع لإصلاح أحوال البلاد

ياسين سعيد نعمان – الأمين العام للحزب الاشتراكي لـ«النداء»: الجنوب هو البوابة التي يجب أن يبدأ منها الجميع لإصلاح أحوال البلاد

* لو كنا نريد مقراتنا لاستعدناها بكل بساطة مقابل السكوت عن قضايا الناس
* إذا كان الحوار مع (معارضة) الخارج مثل الحورات التي تَُدار في الداخل فلا داعي للإنشغال بها
* يجب أن تأخذ التعبيرات الشعبية مداها دون قمعها بـ«تعبيرات سياسية» تتعجل قطف الثمار
* محمد سالم باسندوة يقوم بدور متناغم مع مكانته الوطنية، والمؤتمر الشعبي لا يعجبه ذلك الدور ويقوم بتعطيله
* الأحمر كان نقطة ميزان في الحياة السياسية، والنظام أكثر من سيشعر بغيابه
* حرب 94 حولت الجنوب إلى مجرد جغرافيا وهذا ما دفع إلى طرح القضية الجنوبية مجدداً
* متفقون على أن السقف هو الوحدة والديمقراطية، وكل شيء دونهما قابل للنقاش
* من المهم أن نفهم التصالح والتسامح على أنه أيضاً اعتراف بالتنوع والاختلاف
* استقالة النوبة خسارة، وإذا طرحها رسمياً على الهيئة التي ينتمي إليها لكان لها رأي آخر
 
خلال الأيام الماضية كان حضور الحزب الاشتراكي في فعاليات الاحتجاجات في الجنوب لافتاً، سواءً عبر مواقف هيئاته القيادية أو من خلال تقدم كوادره إلى صدارة المشهد الاحتجاجي في أكثر من موقع في الجنوب الملتهب.
إنه حضور فوق طاقة احتمال أطراف عديدة في السلطة وخارجها، أظهرت على الدوام رغبة جامحة في إخراج الاشتراكي من المعادلة الجنوبية بتكريس استقطاب سياسي واجتماعي حاد يتغذى من أطروحات حدية تنفر من الاختلاف والتنوع.
في هذا الحوار يظهر ياسين سعيد نعمان الأمين العام للاشتراكي حرصاً على تظهير موقف حزبه مما يجري في الجنوب، عارضاً رؤيته للخروج من المأزق الوطني الراهن.
القيادي البارز في المعارضة اعتمد هنا خطاباً هادئاً، لكأنه يتقصد تعكير صفو «الصخب» الذي يتسيد المشهد الوطني منذ أشهر. وهو ميَّز بين سلطة تعتمد أساليب أحادية في مقاربتها للأزمات الخطيرة التي تشهدها اليمن، وتعبيرات شعبية في غير مكان ينبغي أن تأخذ مداها، بدلاً من قمعها أو استعجال قطف ثمارها من قبل البعض.
> حوار: سامي غالب

> بالأمس (الأحد) وقعت أحداث مؤسفة في عدن. وصدر بيان عن لقاء الأمانة العامة والمكتب السياسي للاشتراكي، حمَّل السلطة مسؤولية ما جرى، في حين أن الحكومة تقدم رواية مختلفة، ماذا حدث بالضبط؟
– نحن في الاشتراكي واللقاء المشترك، عندما بدأت التحضيرات لفعالية التسامح، كنا نرى أنها طبيعية، وأعلنا تأييدها وكنا فاعلين فيها على اعتبار أن الفكرة نبيلة، ومطلوب من الجميع أن يتجهوا نحو ثقافة التصالح والتسامح، وتأخذ بعدها الوطني. إذا (كان) الجنوب قد سلك هذا الطريق لتحقيق مثل هذا التصالح، فليكن خطوة نحو تصالح وطني شامل، على اعتبار أن اليمن مثقلة بالحروب والصراعات السابقة والثارات. وبالتأكيد فإن انتهاج ثقافة التصالح والتسامح بين أبناء الشعب اليمني وقواه الاجتماعية والسياسية خطوة نحو إيجاد مناخ لتنمية حقيقية ونهوض شامل في بلدنا المثقل بجراح الماضي. لذلك وقفنا منها موقفاً مؤيداً، ونظرنا إليها باعتبارها خطوة موفقة.
الذي حدث أمس مؤسف بكل المقاييس، وكان يفترض من السلطة أن تحمي مثل هذا العمل على اعتبار أنه دعوة لثقافة تسامحية وطنية شاملة. يا ترى من له مصلحة فيما حدث؟ هذا هو السؤال الذي يجب الاجابة عليه.
نحن أدنا منهج الحكم في التعاطي مع النضال السلمي الديمقراطي أياً كان، بدءاً مما حدث في الضالع وحضرموت وردفان، وما جرى بالأمس. وما زلنا نرى أن من الضروري أن يتمكن هذا العمل الديمقراطي من الانتشار ومن تحقيق أهدافه كي يضع اليمن على طريق النضال السلمي الديمقراطي، بدلاً من العنف الذي ساد خلال الفترات الماضية.
> يعني أنت لا ترى أي مسؤولية تتحملها المعارضة على الرغم مما يطرحه مسؤولون في الحكومة من أن منظمي الفعالية، سواءً من الملتقيات أو من قادة المعارضة، غادروا الفعالية، وتركوا الناس الذين حشدوهم لانفعالاتهم، ما أدى إلى التداعيات؟
– لا أستطيع أن أجزم. توجد حاجة إلى تحقيق محايد لمعرفة ما حدث، حتى نجنب هذا المزاج السياسي الذي بدأ يعتمد النضال السلمي الديمقراطي أية مخاطر. لكن من بيده السلاح ومن بيده القوة ومن بيده القدرة على حماية المجتمع، عليه أن يتحمل مسؤوليته.
> ما تقييمك للخطاب الذي ساد مهرجان الأمس؟
– لم أتابع الخطابات التي ألقاها الأشخاص، لكنني تابعت الحوارات الداخلية للفعاليات المختلفة منذ أن بدأت، ووجدت أن الاتجاه الوطني الديمقراطي السلمي هو السائد، مما يعكس صواب المنهج الذي يتجه بهذا العمل الشعبي نحو الغايات الوطنية التي تضع الجميع أمام مسؤولياتهم. وبالتالي كان على الجميع رعاية هذا التوجه الذي من شأنه أن يحمي المشروع الوطني الديمقراطي.
> المشترك تبنى إغلاق ملفات الماضي ومعالجة آثاره، والفعالية كانت معنية بأحداث 13 يناير، هل لدى المشترك رؤية واضحة لهذا الموضوع؟ ملتقيات التسامح تتحدث عن صيغة ليست واضحة المعالم، كيف يمكن للمعارضة أن تساهم بتقديم رؤية وطنية لهذه الملفات لا تخدمها فقط بل تخدم البلد بأكمله؟
– في ورقة الحوار السابقة مع الحزب الحاكم، تقدمنا بمقترح يقضي بمعالجة وتصفية آثار الحروب السابقة، وفي مقدمتها تصفية آثار حرب 94. كنا سنعد مثل هذا المشروع ليكون مشروع اللقاء المشترك في أي حوار، سواء مع الحزب الحاكم أو حوار وطني عام.
لدينا خطوط عامة لرؤية شاملة. وفي جوانب معينة لدينا رؤية تفصيلية. لدينا رؤية فيما يتعلق ب94، وبعض محطات العنف التي شهدتها البلاد خلال الفترة السابقة، ولكن فوجئنا بأن السلطة شكلت لجنة بعيداً عن الحوار، وبعيداً عمّا كنا اتفقنا عليه، وبالتالي أرادت السلطة أن تستأثر بهذا الموضوع بعيداً عن اللقاء المشترك.
مع ذلك، من الضروري أن تكون هناك رؤية متكاملة يسير في ضوئها الجميع، سواءً اللقاء المشترك أو الآخرون، في ظل هذا المناخ الذ ي تسود فيه ثقافة التصالح والتسامح.
> لديكم في الاشتراكي مخاوف حيال هذا الموضوع. عندما يجري الحديث عن الماضي بالمعنى السلبي، سواء 13 يناير أو غيرها، يُطرح وكأنه ماضي الاشتراكي فقط، ما يفيد بأن هناك أخياراً وأشراراً، والأشرار حصرياً هم الاشتراكي.
– أنا مع ما كتبته في افتتاحية «النداء» (العدد الماضي) من أن الأشرار لا يتجمعون في ضفة واحدة من النهر. هناك محاولة لاختزال المشكلة. واختزال المشكلة دائماً ما يضعف الرؤية الاستراتيجية لمعالجتها، فتتحول في الأخير إلى ما يشبه المكايدة السياسية. علينا أن نبحث في أخطاء الماضي عموماً، سواء كانت أخطاء الاشتراكي أو أخطاء الحكم هنا وهناك، أو الأخطاء التي مارستها القوى المختلفة. يهمنا في الوقت الحاضر أن نضع اليمن على عتبة مرحلة جديدة. ليكن الحديث: ما الذي مورس من أخطاء هنا، وما الذي مورس من أخطاء هناك، وكيف يجب أن نتجاوزها. على سبيل المثال في اللحظة الراهنة، ونحن نتحدث عن أسباب حرب 1994، ما يهم السلطة هنا هو أن تبحث عن شهادات، وكثير من الشهادات تعتمد على حسابات سياسية، وحسابات سياسية من النوع الرديء، بدلاً من البحث في جوهر المشكلة، أي: لماذا حدثت؛ حتى نتجنبها في المستقبل. تقتصر على البحث عن شهادات تدعم روايتها أو تدعم طبعتها، وهذا لا يحل مشكلة، والذين يجارون السلطة في إعطاء مثل هذه الشهادات، هم في نهاية المطاف يلعبون الدور نفسه الذي تلعبه السلطة في محاولة تكريس مغالطات تاريخية لا تستند على أسانيد حقيقية فيما يخص معالجة حدث هام كحرب 1994.
> هل تشير هنا إلى رواية الجفري، ودور المكتب السياسي في اتخاذ قرار الانفصال؟
– أنا أحترم الأخ عبدالرحمن ولا أتمنى له أن يلعب هذا الدور.
الجفري لم يتحدث عن القضية الرئيسية وهي الحرب ومن فجرها. لكي تكون روايته صحيحة ومعتبرة كان لا بد أن يبدأ من هذه النقطة، لماذا أغفل هذه النقطة إذا كان الهدف تقديم شهادة للتاريخ حول أهم منعطف تاريخي في اليمن كما يقول؟ أما روايته، فيما بعد، عن المكتب السياسي وعن حواراته المزعومة، فهي رواية واهية تفتقر إلى الأسانيد، وظهر فيها التحامل ويمكن دحضها بسهولة، إلا أن هذا الوقت ليس مناسباً للرد عليها.
> لكنه أشار إلى أنه حاورك حول تشكيل حكومة الانفصال (في الدولة الجنوبية التي أعلنت أثناء الحرب)؟
– إذا كنتُ قد اعتذرت عن قبول المشاركة في الحكومة فكيف أحاوره حول ذلك؟
> تعرف أن صحيفة «النداء» فتحت ملف «المختفون قسرياً»، وفيه بُعدان: حقوقي وجنائي. أشرت إلى رؤية لدى المشترك لمعالجة الماضي، هل يمكن أن تزودنا بملامح هذه الرؤية، وبخاصة ما يتعلق بالتفاصيل، وهذا لا يتعلق بمصير أزمة وبلد بل مصير أفراد، هل دخلتم في هذه التفاصيل أم تتجنبونها حالياً خشية التوظيف السياسي ضدكم؟
– أشيد أولاً بفكرة «النداء» التي تبحث في المشكلة بغض النظر فيما بعد عن الأدوات التي استخدمت في البحث. هذا يذكرني بمقولة سقراط وهو يتجرع السم: «لست ضد آلهة الجمهور ولكنني ضد فكرة الجمهور عن الآلهة». أي بحث تاريخي مهم يجب أن يتشكل على قاعدة البحث عن الحقيقة لتجنبها مستقبلاً وليس البحث عن إدانات، وهذا حقيقة ما أعجبني فيما سعت إليه «النداء»، على عكس صحف آخرى كانت تبحث بأسلوب آخر. أحياناً تحتاج الرواية التي يرويها شخص معين إلى رواية الطرف الآخر.
> في العادة يرفض الطرف الآخر الإدلاء بأية إفادة؟
– مع ذلك أشعر أن هدف «النداء» مختلف جذرياً عما هدفت إليه صحف أخرى. تاريخنا مليء بالجراح والعنف، والسبب بالطبع غياب الديمقراطية، لأسباب ايديولوجية أو لأسباب تتعلق بطابع الحكم السياسي هنا وهناك. فدائماً، كما يقول سارتر، «الجحيم هو الآخر». هذا المنطلق في إدارة الحكم أدى إلى مثل هذه الأخطاء الكبيرة: إسكات الآخر، إقصاء الآخر، إنهاء الآخر. لدينا تراث أوصلنا إلى هذا الوضع الذي نعيشه الآن، إلى هذا المأزق. عندما نحاكم هذا التاريخ فإن الهدف الأساسي (ينبغي أن يكون) مغادرة هذا المأزق.
> نتحدث عن فتح ملفات أو غلقها، هل من حق طرف واحد، سواءً السلطة أو المعارضة أو غيرهما، أن يقرر في لحظة معينة نبش مقابر أو فتح ملف معين؟ تعلم أن صحيفة «26سبتمبر» نشرت وصية منفذ عملية اغتيال الغشمي، قد نعتبره كصحفيين سبقاً لكن ليس مستبعداً أن يكون وراء النشر هدف سياسي…؟
– إغلاق الملفات وفتح الملفات موقفان متطرفان. بين أن تغلق الملفات ما يعني أن تهيل التراب على تاريخ بأكمله حارماً الأجيال الجديدة من الاستفادة منه، أو فتحه بشكل مختلف، وبروحية تفادي أخطاء الماضي، وبين أن تفتحه وأنت في وضع تستطيع فيه أن تدين طرفاً معيناً، هذا لا يعني شيئا سوى توظيف السيئ لإنتاج الأسوأ.
لسنا مع غلق الملفات ولا فتحها على النحو الذي يتم اليوم، ولكن ننادي ببحث موضوعي وقراءة موضوعية لتاريخنا. على كل إنسان أن يدلي برأية فيما حدث، إذا عاش هذه الظروف أو تلك، وتصبح (خبرة التجربة) في الأخير ملك الناس جميعاً، لكن أن يجري توظيفها بالطريقة التي تخدم طرفاً، فإننا نمارس في هذه الحالة أبشع من السلوك الذي حدث.
> في ذكرى 13 يناير، ما الذي تستدعيه من الكارثة التي وقعت؟
– 13 يناير كان لها مقدمات، بعضها موضوعي وبعضها ذاتي. في تقديري الشخصي كانت نتاج صراع بين رومانسية الفكرة الثورية وبين براجماتية الدولة، أي أن رومانسية «الفكرة» لم تسمح لها أن تقرأ الحاجة الحقيقية للدولة في التعاطي مع المصالح المتنوعة والمتداخلة. كما أن براجماتية الدولة تعالت على الفكرة دون أن تسمح بحوار جاد. لم يجْرِ التعامل مع هذا الصراع بشكل صحيح، وبالتالي أدى ذلك إلى أحداث يناير التي كانت داخل الحزب ولم توجه ضد المجتمع.
> اقتتال داخلي؟
– نعم. أحداث يناير أثرت كثيراً على الأوضاع في الجنوب سابقاً، وإنْ كان قد جرى تجاوزها في مرحلة معينة، لكن ظلت ثقافياً ونفسياً مؤثرة بشكل كبير، وحصل انقسام اجتماعي فيما بعد بحكم الاصطفاف. أنا كحامل فكرة فإن 13 يناير بالتأكيد كانت بمثابة حدث كبير أثقل كاهل الفكرة التي كنت أحملها. في ظروف غياب الديمقراطية وحرية الآخر، ينتهي الحزب الواحد إلى الاحتراب مع نفسه. وعندما طالب البعض بدمج المؤتمر والاشتراكي بعد الوحدة، قلنا نحن في 86 احتربنا لأننا كنا نظام حزب واحد، وإذا رحنا الآن إلى الوحدة بدون التنوع والديمقراطية والحريات سنعود إلى الاحتراب مجدداً، ولذلك رفضنا حينها فكرة الدمج.
> رغم أن علي سالم البيض وقيادات أخرى تحمسوا للفكرة، أو على الأقل لم يعارضوها؟
– البعض تحمس للفكرة برؤية معينة، وآخرون رفضوها من هذا المنطلق (الذي تحدثت عنه).
> وإذاً فانت تعزو جزءاً مما حدث في 13 يناير إلى الواحدية ورفض التنوع؟
– بالتأكيد، إضافة إلى عدم إجراء حوار هادئ وناجح بين الفكرة ومنتجها في الواقع.
> تقديرك في اللحظة الراهنة أن الذين احتربوا حينها قد بلغوا نضجاً سياسياً وروحياً بحيث أنه ما عاد ممكناً أن ينظروا إلى تلك الأحداث كما كان الحال مطلع التسعينات أو في 1994؟
– بعد 13 يناير، بدأ داخل الحزب بحث جاد حول الأسباب، وجرى نقاش حول الاصلاح السياسي على قاعدة الديمقراطية، وهذا مهَّد للوحدة في 22 مايو. بدأ التفكير في إخراج المشروع الوطني على قاعدة مختلفة عن القاعدة الأيديولوجية السابقة، وهي قاعدة الديمقراطية. بدأت الأفكار الديمقراطية تشيع داخل الحزب، وبالطبع لم تكن عملية سهلة لكنها حقيقة مهدت للقبول بفكرة الديمقراطية داخل الحزب.
> ولكن ما يزال الذين قاتلوا في 1994 ضد الحزب في السلطة، وما تزال السلطة تلعب ورقة المضاربة بين الاشتراكي والاصلاح من جهة وشركاء الحرب من جهة أخرى (جماعة علي ناصر)؟
– أتمنى أن يكون الجميع قد وصلوا إلى قناعة بأن صراعات الماضي قد أثقلت حياة اليمنيين بجراح لا يمكن النهوض بالبلد معها، وبأن دعوات التصالح والتسامح لا تستثني أحداً سواء كانوا في السلطة أو تقتصر على من هم في الشارع. الشيء المهم هو أن نفهم التصالح والتسامح على أنه أيضاً إعتراف بالتنوع والاختلاف وإدارة هذين الأخيرين بأدوات أخرى غير الاقصاء والعنف وإنما بالحوار والقبول بالآخر.
أما السلطة فطالما أنها تفتقر إلى مشروع وطني يمكنها من إنتاج أدوات رشيدة للتعاطي مع الآخر فلا شك أنها ستظل توظف هذا الأسلوب الذي تفضلت به، ولكن المثل يقول: «من يجرب المجرب عقله مخرب».
> لنتحدث عن التطورات في مشهد الاحتجاجات السلمية في الجنوب، أنت في آخر دورة للجنة المركزية عبر ورقة منسوبة لك، لا أدري ما إذا أصبحت بعد ذلك رسمية، رحبت بحركة الاحتجاجات، وشدّدت على ألا يكون هناك وصاية على الحركة الاحتجاجية، ألست نادماً على ذلك؟
– قلت إنها احتجاجات واسعة ينبغي أن تدعم، والذين يضعون انفسهم أوصياء على هذه الحركة هم يقتلونها، سواء كانوا أحزاباً أم أفراداً… الحركات الاحتجاجية الشعبية تفرض زعاماتها من داخلها، هذا ما قلته. لكني قلت أيضاً، إن على المشترك ألا يقف بعيداً عنها، وعليه أن يدعمها، وبدلاً من قيادتها بشكل مباشر، لا بد من تنسيق فعاليات مختلفة شعبية واجتماعية يكون المشترك طرفاً فيها. مازلت أرى أن ذلك هو الصحيح، لأن ركود الحياة السياسية لم يمكّن من خلق زعامات شابة جديدة، وكنت حينها أراهن على الشباب، أراهن على الشباب الذين يستطيعون فعلاً إثراء الحياة السياسية. كان ذلك ممكناً، لكن مع الأسف هناك إصرار على «طغيان الوصاية» وبالتالي لم تُمكِّن (الاحتجاجات) من انتاج زعامات شابة جديدة، ترفد الحياة السياسية كما حدث في تاريخ الحركة السياسية اليمنية.
> مع ذلك ما يزال الاحتمال قائماً لظهور هذه الزعامات؟
– بالتأكيد.
> ماذا عن استقالة ناصر النوبة من الاشتراكي، كيف بررها؟ وهل ستقبلونها؟
– إذا صح ما تناقلته وسائل الإعلام عن استقالة العميد ناصر النوبة من الحزب فإن ذلك بكل تأكيد خسارة، لكننا نحترم خياراته، فالعمل الحزبي طوعي ولو أنني اشعر لو أن إستقالته قدمت رسمياً وطرحت في الهيئة التي ينتمي إليها لكان للهيئة رأي آخر. لكن الحقيقة الإستقالة لا يتم التصويت عليها، ولا نملك إلا أن نتمنى له التوفيق، نطلب منه فقط أن يحتفظ بمشاعر المودة، وله الحق، كما لغيره، أن يظهر مواطن الخلاف ولكن بشكل موضوعي.
> قيادات في الحركة الاحتجاجية تقول بوجود محاولات لاحتواء حركة الاحتجاجات أو ركوب موجتها، من المشترك، و هنا نذهب مباشرة إلى الاشتراكي باعتباره الألصق بالحركة ومعنياً بمطالبهم أساساً..؟
– المنطق مر بمرحلتين: مرحلة طلع فيها البعض يقول بأن الاشتراكي تخلى عن القضية الجنوبية، وكان واضحاً أن هناك تركيزاً لإخراج الاشتراكي من المعادلة الجنوبية، بهدف إخراجه من المعادلة الوطنية. هؤلاء يتحدثون عن تخلي الاشتراكي عن القضية الجنوبية، والسلطة في الشمال تتهم الاشتراكي بالانفصالية والخيانة.
تقاطع المنطقان عند هدف واحد: ضرب الاشتراكي في وعي الناس في الجنوب. هذا تم تجاوزه بفعل نشاط منظمات الحزب في المحافظات الجنوبية التي لعبت دوراً بارزاً وفاعلاً والذي أكد على أن الحزب جزء من هذه العملية الموضوعية التاريخية لا خارجها.
عندما برز دور الحزب في الاحتجاجات والتعبير عن هموم الناس في المحافظات الجنوبية، تعالت أصوات تقول أن الاشتراكي يريد أن يسيطر، في حين أن الاشتراكي لم يضع نفسه وصياً.
أريد أن أقول أن الاشتراكي منذ 1994، كان همه الأكبر هو مواجهة السلطة فيما يتعلق بالأوضاع في المحافظات الجنوبية. طرح قضايا الناس، وتخلى عن حقوقه حتى لا يقال بأنه تلهى بحقوقه وترك الناس. واليوم هناك من يعاير الاشتراكي بأنه لم يستطع أن يسترد مقراته. لو كنا نريد مقراتنا لاستعدناها بكل بساطة مقابل السكوت عن قضايا الناس والقضايا السياسية الأخرى.
> تقصد بتسوية سياسية؟
– بالضبط. لكننا كنا نرى أن القضية أكبر من هموم الاشتراكي الخاصة، وهي قضية دولة بكاملها جرى العبث بها.
منذ ذلك التاريخ (حرب 94) وحتى اليوم، ونحن لنا رؤيتنا فيما يتعلق بهذا الموضوع، سواء رؤيتنا البرنامجية، أو في إطار اللقاء المشترك. من هذا المنطلق أعتقد أن الهدف الأساسي مما يطرح هو مكايدة سياسية لا أكثر ولا أقل. البعض يرى أنه يستطيع أن يُقدِّم نفسه كزعامة للجنوب على حساب الآخرين، فليكن، لكن هذا منطق ليس له أي معنى سوى تمزيق الجهد وتكريس الإنقسامات. على الجميع أن يتكاملوا باتجاه معالجة هذا الوضع في هذا الجزء من الوطن.
> عندما يتم توجيه هذه التهمة للاشتراكي: التخلي عن الجنوب، ما هي الحيثيات التي يتم سوقها لتبرير هذا الاتهام في النقاشات داخل الهيئات القيادية للحزب الاشتراكي، خصوصاً وهناك تيارات داخله تتبنى هذا الطرح، فضلاً عن شخصيات برلمانية في كتلة الاشتراكي؟
– شوف، بمراجعة المسألة منذ 1994، لنسأل: من هو الحزب الاشتراكي؟ الاشتراكي هو الحزب الذي تصدر المعاناة منذ حرب 1994. الذين فصلوا من أعمالهم 80٪ منهم هم من أعضائه، الحزب منذ 1994، وكل شيء يخصه مصادر، مقراته وممتلكاته، كأنه حزب محظور. هذا المنطق لا ينسجم مع المنطق الذي يقول بأن الحزب تخلى (عن الجنوب)، مع وضع الحزب ومعاناته والحصار المفروض عليه.
 من 1994، وأنا أتابع معاناة الحزب -حتى وأنا خارج الوطن- وأتابع أحياناً المنطق الذي يريد أن يحاصر الحزب في زاوية معينة، والهدف الأساسي، كما قلت، إخراج الحزب من المعادلة الجنوبية.
> نشهد حملات على الحزب، وفي المقابل يتردد حديث عن محاولات للشغل بقاعدته الشعبية والحزبية في إطار مشاريع معينة، هل استشعرتم في أية لحظة الخطر، أو على الأقل القلق، على تماسك قاعدتكم الحزبية؟
– القلق على القاعدة الحزبية لم يكن باعثه هذاالنوع من الممارسات، وإنما مما واجهه الحزب من تعسف منذ 1994. ومع ذلك استطاع الحزب أن يقاوم، واستطاع أعضاؤه بالرغم من الظروف الصعبة أن يعيدوا بناء الحزب، وأن يُبقوا عليه كرقم في الحياة السياسية.
ما حدث بعد ذلك، هو أن البعض تطلع إلى البحث عن زعامة من خارج الحزب ولكن بالاستفادة من معاناة أعضاء الحزب… يبحث لزعامته عن قواعد داخل الحزب الاشتراكي، مستفيداً من معاناة الناس وظروفهم الصعبة. هذه عملية عايشناها في المرحلة الماضية وستظل. لكن قواعد الاشتراكي اليوم، في ظل الظروف السياسية الجديدة ومع التطور الذي حدث في الفكر السياسي اليمني، ليست محاطة بسوار أيديولوجي، بل بخطاب سياسي وبرنامج سياسي، إما أن يكون برنامجك وخطابك يلتف حوله آلاف الناس، وإما أن يكون خطاباً أو برنامجاً يحاصرك في زاوية معينة.
> في ظل التداعي في الجنوب، طُرح موضوع الحوار مع معارضة الخارج، تعرف أن هذه المعارضة في الأساس من قيادات الاشتراكي، وهم في أغلبهم أعضاء في اللجنة المركزية. أنت أيضاً كنت في الخارج في زيارة علاجية، هل يوجد حوار حقاً؟
– مايزال يوجد في الخارج الكثير من قيادات الحزب، وكثير منها قيادات مجربة سواء على الصعيد الحزبي والسياسي، أو على صعيد بناء الدولة هؤلاء نكن لهم كل تقدير، وهم مؤثرون في الساحة السياسية. كلهم أعضاء في اللجنة المركزية منذ 1994. التشاور معهم لا يتوقف، والتشاور يقوم على قاعدة الحرص على تحقيق الرؤية المشتركة لما يحدث في الوطن. نلمس منهم موقفاً وطنياً حريصاً يساعدنا على اتخاذ القرارات الصحيحة.
> هذا التشاور يمتد إلى موضوع الجنوب؟
– نعم. الجميع يرى أن الجنوب بعد 1994 تعرض للتهميش، ومعالجة هذه القضية لا بد أن تتم في إطار المعادلة الوطنية. ولكن هناك مفردات لا بد أن تؤخذ في الاعتبار ونحن نتحدث عن معالجة قضية الجنوب: طبيعة الدولة، التطلع إلى دولة للجميع، المركزية الحادة التي أرهقت مشروع الوحدة بقيود، لم تمكنه من تحقيق أهدافه التاريخية، حرب 1994 التي ضربت المشروع الوطني. لم تستطع سلطة 94 أن تملأ فراغ هذا المشروع، ما أدى إلى انتاج هذا الجو وهذه المشاريع المختلفة.
> مع ذلك يوجد قدر من التمايز في المواقف. حيدر العطاس، مثلاً، يقول شيئاً مغايراً نسبياً للخطاب الحزبي الرسمي، الحزب يطالب بمعالجة آثار الحرب بما يؤدي إلي استعادة جوهر الوحدة، فيما العطاس يقول بأن على السلطة أن تقر بعدم مشروعية كل ما ترتب على حرب 1994.
– الخطاب السياسي يحمل أحياناً مفردات مختلفة. عندما يتحاور الناس حول الموضوع محل الحوار، بالتأكيد سيصلون إلى قواسم مشتركة فيما يتعلق بالمشكلة، لكن لا أستطيع أن أقول ونحن نتحدث عن مشكلة عميقة انتجتها حرب 94، أن هناك تطابقاً في التعبيرات عن المشكلة. المهم أن الناس متفقون على أن السقف هو الوحدة والديمقراطية، وكل شيء دونهما قابل للنقاش والحوار والبحث: وثيقة العهد والإتفاق، برنامج الاصلاح الشامل، برامج الأحزاب المختلفة، ما ينتجه الواقع من أفكار ورؤى. لا يوجد مقدس هنا طالما كل هذه الأفكار من إنتاج الناس.
> نسمع عن مبعوثين رئاسيين إلى الخارج؟
– الحقيقة ليس لدي فكرة عن مثل هذه الحوارات. وشخصياً أبارك أي حوار، غير أنها إذا ستكون مثل الحوارات التي تدار في الداخل فلا داعي للإنشغال بها.
> أنت، إذا، مطمئن لتماسك الاشتراكي، ومن عدم إمكانية حصول تباعد بين قيادة الاشتراكي وقواعده وكوادره وبالذات في المحافظات الجنوبية والشرقية، أو بين قيادة الاشتراكي وأعضائه في الخارج؟
– الاطمئنان لدي نابع من تاريخه، أقصد تاريخه كفكرة، الفكرة هي التي انتجت الحزب والقيادات. لا أستطيع أن أقول أن الفكرة هي تعبير مجرد عن الواقع الموضوعي الذي ينشأ فيه الناس في فترة زمنية معينة. لا بد من النظر إلى المسألة في حركتها لا في جمودها حيث تنشأ أوضاع وظروف مستجدة. في تقديري أن الاشتراكي متماسك بالرغم من كل الظروف التي يواجهها منذ 1994 والقهر الذي تعرض له. هذا مشروعه التاريخي وليس مشروع الآخرين، وهو متمسك به.
> تعرف بأن هناك توصيفات عديدة لما يجري في الجنوب: يقال حيناً حالة جنوبية، وحيناً قضية جنوبية، وأحياناً احتجاجات مطلبية، ويجري الحديث عن هوية…الخ، ألديكم قلق من أن تأخذ هذه الحالة وجهة أخرى، كأن تبلور هوية جنوبية ضداً على الشمال؟
– السؤال: ما الذي انتج هذه التوصيفات والاحتمالات؟ ممارسات السلطة بعد 94 قدمتها على أنها طرف ضد جزء من الوطن استندت السلطة على تعبيرات نظر إليها الناس على أنها شكلية، عندما تعاملت مع جزء من الوطن كان إلى وقت قريب دولة.
 مواجهة هذا الشعور ليس رهناً بما يقوله الاشتراكي ولا رهناً بما يقوله المشترك، بل بما يجب أن تقدم عليه السلطة من سياسات.
نشعر أننا كلقاء مشترك واشتراكي، أمام خيارين: الأول أن تستمر هذه السلطة في تقديم نفسها على أنها طرف في المعادلة الوطنية في السلوك والممارسة وهنا نسأل أين الطرف الثاني؟ وبالتالي تسمح لهذا المزاج أن يتكون إلى ما لا نهاية، أو أنها تسمح بانتاج شراكة وطنية تسمح ببناء دولة تمثل المعادلة الوطنية بأطرافها كلها وهنا سيشعر الجميع أنهم مستوعبون في هذه الدولة.
> ماذا تسمها أنت: حالة أم قضية؟
– لنفرق بين أمرين: عندما نتحدث عن الجنوب كجنوب فإن الاشتراكي هو الذي حرره ووحده في 1967. كان الجنوب 23 سلطنة وإمارة ومشيخة ومستعمرة. في الستينات رفعت القضية الجنوبية في مواجهة المشروع الوطني. أنا لا أريد أن يستعان مجدداً بمفردة «القضية الجنوبية» في مواجهة المشروع الوطني. القضية الجنوبية اليوم لها معنى مختلف تماماً: كانت هناك دولة اسمها جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية تكونت في انتصار ثورة 14 اكتوبر والاستقلال، وكانت الجناح الثاني في وحدة 22 مايو. والسؤال: أين هي هذه الدولة (الجنوبية)؟ وما الذي جرى لها؟ حرب 94 أرادت أن تنهيها من الذاكرة التاريخية بشكل عام، وحولتها إلى مجرد جغرافياً. هذا ما دفع إلى طرح القضية الجنوبية من جديد، بمعنى أن الدولة الوطنية الديمقراطية اليمنية التي نتطلع إليها لا بد أن تقوم على جناحين، ولا تستطيع أن تقلع بجناح واحد.
> كقارئ ومتابع، أكثر من كونك ناشطاً سياسياً، هل من المحتمل أن تتطور هذه الحالة باتجاه هوية جنوبية خارج الهوية اليمنية الجامعة؟
– في مسارات التاريخ فإن أي أزمة كالأزمة اليمنية، إن لم يتم معالجتها في إطار وطني أشمل وبرؤية مستجيبة لكل مفاصل المشكلة. فإن كل الاحتمالات ممكنة. نحن في الاشتراكي والمشترك نرى اليوم أن حل القضية الجنوبية هو مفتاح الحل للاصلاح الشامل. وأن الجنوب هو البوابة التي يجب أن يبدأ منها الجميع لإصلاح أحوال البلاد. نحمل مشروعاً وطنياً من شأنه أن يحافظ على الوحدة اليمنية (لكننا) نواجه سلوكاً (إقصائياً) من السلطة غير القادرة على أن تنتج مشروعاً وطنياً لليمن بشكل عام، و(نواجه) دعوات مستفيدة من هذا الوضع تريد أن تعيدنا إلى الخلف. نحن في الوسط نتعرض لهجوم من الطرفين.
> المثل يقول من يقف وسط الطريق تدهسه العربات؟
– (ضاحكاً) نحن لسنا في وسط الطريق، ولا نمسك العصا من الوسط. نحن أصحاب مشروع ونعترف بما أنتجه وينتجه الواقع من قوى وأشكال وفعاليات سياسية، ولا نريد أن نحل محلها، كما لا نسمح لأحد بأن يقصينا. علينا أن نبحث عن المشترك فيما بيننا وننميه، والمختلف عليه نتحاور بشأنه. والحياة ستنتج كل يوم فكرة ومعها قوتها التي تحملها. وما يحدث اليوم هو تأكيد على أن الحياة تجدد نفسها.
> السلطة تتهم المشترك باستغلال الأزمات، سواء في صعدة أو في الجنوب، وتقول إنها لا تعرف مع من تتحاور بالضبط، وترى أن الاصلاح يدفع المشترك إلى مناطق معنية تخصه. دعني أسألك: مع من ينبغي أن تتعامل السلطة: مع المشترك أم مع قيادات الاحتجاجات، أم مع الخارج؟
– ما تقوله نحن سمعناه أكثر من مرة. الواقع يقول شيئاً آخر. بخصوص صعدة، المشترك لم يكن طرفاً فيما يجري هناك. وفي الجولة الأخيرة من الحرب كان للمشترك موقف وطني مسؤول، بوقف الحرب، ولم يستغلها إطلاقاً، بل نظرنا إليها على الدوام باعتبارها جرحاً في الجسم اليمني. وعندما طلبوا تشكيل لجنة وافقنا، وقلنا إذا هناك نية صادقة لحل هذه الأزمة فعلى بركة الله. السلطة تبحث أحياناً عن شماعة تعلق عليها مشاكلها واخطاءها.
بالنسبة للجنوب، علينا أن نبحث عمن أنتج المشكلة. في الوقت الذي تتخلى فيه السلطة عن المشروع الوطني، وتلوِّح فقط بالقوة لمواجهته يبحث المشترك عن معالجة في إطار المعادلة الوطنية، وبروح وحدة 22 مايو السلمية الديمقراطية.
> من يمثل الجنوب الآن، هناك أصوات داخل حركة الاحتجاج تشدِّد على أن لا أحد من حقه الحديث باسمنا، والمشترك يقدم نفسه باعتباره ممثلاً لمشروع وطني. مع من تتعامل السلطة؟
– يبدو لي أن السلطة ستتعامل مع المشروع الذي تستطيع أن تقمعه.
> تقصد بالاحتواء أو بالقمع؟
– بالاحتواء والقمع، ستتعامل معه وستشجعه.
> هل توجد مشكلة تمثيل للجنوب؟
– لا أحد يستطيع الادعاء أنه يمثل الجنوب. في الظروف الراهنة سترتفع أصوات تدعي أنها تمثل هذا الجزء أو ذاك. القضية ليست هنا. التعبيرات السياسية أشد تعقيداً في هذه المسألة من التعبيرات الشعبية التي يجب أن تأخذ مداها دون قمعها بتعبيرات سياسية متعجلة «قطف الثمار».
المشكلة أن هناك سلطة لم تستطع أن تقنع الناس بأنها انتجت دولة وطنية تمثل مظلة للجميع. الانسان عندما يشعر بأن هذه الدولة لا تشمله بمظلتها إلى أين يرجع؟ إلى القبيلة وإلى الطائفة وغيرها من الأشكال والتعبيرات التي هي أقل من الدولة الوطنية.
> أين يتم بحث جوهر هذه القضية؟ كان هناك حوار مع الحكم لكنه متوقف الآن، وطرأت مبادرة الرئيس، ثم طُلب من محمد سالم باسندوة القيام بوساطة، لكنه صرح الأسبوع الماضي بانتهاء الوساطة بسبب عدم الجدية…؟
– إذا لاحظت آخر ورقة للحوار تم التوقيع عليها، معظم الموضوعات التي شملتها كانت تتركز حول هذه القضية، وإن كانت في مواضع متفرقة بدءاً من البحث في آثار حرب 94، والجنوب، والتعديلات الدستورية. عندما شعر المؤتمر أن الموضوع أكبر من الموضوعات التي شملتها الوثيقة، ألغى الحوار. سافر باجمال ونحن على وشك بدء الحوار. ثم بدأ الحوار يتعثر بأعذار مختلفة. المؤتمر عنده الآلية الاعلامية التي تحاول دائماً أن تحمَّل المشترك المسؤولية، وأن تقدم المؤتمر كما لو كان مفترى عليه. إذا بحثنا في هذا الموضوع (تعطيل الحوار) بالتفصيل، سنجد أن المؤتمر عندما اكتشف أن الهدف الأساسي هو أكبر مما حوته الورقة (سارع إلى) إلغاء الحوار. بعد ذلك سمعنا عن مبادرات أخرى. علماً بأن مبادرة الرئيس هي اعتراف بوجود مشكلة وعلى الناس أن تبحث عن حل لها.
> ماذا عن وساطة محمد سالم باسندوة؟
– الاستاذ محمد سالم باسندوة يقوم في الحقيقة بدور وطني متناغم مع مكانته الوطنية خصوصاً في محاولة تقريب وجهات النظر. عندما لا يعجب المؤتمر الشعبي العام الدور الذي يقوم به يعمل على تعطيله.
> بمناسبة المبادرات، انتم قدمتم برنامجاً للاصلاح السياسي والوطني قبل نحو عامين، والآن طرأت مستجدات وأزمات، ألا تعتقد أن المشترك مطالب بتقديم مبادرة جديدة توضح رؤيتكم إزاء هذه المستجدات؟
– نحن كأحزاب سياسية لا نقف جامدين، ولا ننظر إلى المبادرات التي نقدمها في مرحلة معينة بأنها نهاية المطاف، أو نتعامل معها كبقرة هندوس مقدسة. كلما انتج الواقع ظروفاً جديدة لا بد على الحزب السياسي أن يتعامل مع هذه الظروف. الحزب السياسي بطبيعته منتج للمصالح الاجتماعية يفتش عنها في كل زمان ومكان… والدولة الناجحة هي التي تقوم برعاية وتنظيم هذه المصالح.
> هل ننتظر مبادرة للمشترك خلال الأيام القادمة؟
– لدينا رؤية تنطلق من برنامجنا للاصلاح، والبرنامج قاعدته الرئيسية إصلاح النظام السياسي وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية بما في ذلك حل مشكلة الجنوب في إطار تسوية تاريخية شاملة جديدة. في آخر بيان للمشترك رأينا أن الاصلاح الحقيقي يبدأ من معالجة قضية الجنوب، والجنوب يمثل مقدمة حقيقية لمثل هذا الاصلاح.
> متى يمكن أن تعلن هذه المبادرة؟
– نحن بصدد إنجازها حالياً.
> من دون أحكام قيمية عن دور ومكانة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، كيف تتصور وضع المشترك بعد وفاة الشيخ؟
– الشيخ الأحمر كان أثره على الحياة السياسية اليمنية (عميقاً) بشكل عام. أتصور أن أكثر من سيشعر بغياب الشيخ عبدالله هو النظام, باعتباره كان نقطة ميزان في الحياة السياسية. كان يوكل إليه معالجة الكثير من القضايا. وكذلك الحال بالنسبة للاصلاح فإن غيابه سيكون له أثر كبير.
> وبالنسبة للمشترك؟
– المشترك يتأثر من خلال الاصلاح. الفراغ الذي تركه الشيخ سيكون كبيراً.
* يحظر إعادة نشر هذه المادة بغير إذن من الصحيفة.