«ميونيخ» ل ستيفن سبيلبرغ.. فيلم سينمائي يشكك بمشروعية القتل

«ميونيخ» ل ستيفن سبيلبرغ.. فيلم سينمائي يشكك بمشروعية القتل

ماجد المذحجي

هل يمكن لموت أحد ما أن يكون منصفاً، وحين يُلقي الضحية التحية ويتمنى للقاتل الذي يشاهده للمرة الاولى والاخيرة ليلة طيبة بعد ان يتحرش به بحديث عابر هل يستطيع القاتل أن ينام مطمئناً؟. والقتل كفعل ينتزع من الحياة اطمئنانها هل يجد جذوراً كافية لتبريره في الانتقام وفي كون الاخر يرغب بمحوك عن الوجود وآذاك علناً؟..
ربما هذه هي الالغام الاخلاقية باسئلتها الحاده التي يمكن ان تعلق في الذهن بعد أن تنتهي من مشاهدة الفيلم الاشكالي الاخير للمخرج الامريكي الشهير ستيفن سبيلبرغ الذي اثار عاصفة منذ عرضه كعادته في مجمل افلامه، ورغم كون ستيفن سبيلبرغ ذو خلفية يهودية، ويقدم فيلماً عن تجربة اسرائيلية في الانتقام، تتعلق بحادثة هجوم ميونخ الشهيرة الذي نفذه فلسطينيون من مجموعة “أيلول الأسود” ضد مقر الفريق الرياضي الإسرائيلي في أولمبياد عام 1972. وهو الهجوم الذي قتل فيه رياضي ومدرب إسرائيلي خلال الاقتحام، واحتجز تسعة كرهائن طالبت المجموعة بمقايضتهم بسجناء عرب، لكنهم قتلوا خلال عملية إنقاذ فاشلة. وسلسلة عمليات الاغتيال التي قامت بها الموساد للانتقام وتصفية كافة المشاركين الفلسطينين سواء بالتخطيط للعملية أو بتنفيذها. لكن على الرغم من استغراق الفيلم في شأن موجع للذاكرة الاسرائيلية قد تدفعه لاستحضار خلفيته اليهودية في محاكمة الموضوع لكنه تجاوز هذا في هذا العمل الرائع، ولم يُغيب عنصر الفنان ذو الحساسية المستقلة المعادي للرأسمال المتعصب ووظائفة، وهو الشأن الذي يحضر كضابط مهم في إدارته للفيلم بعيداً عن تجاذبات العصبية الدينية أو القومية، والذي خفض به بلاغة الانتصار لصالح تفحص ذكي لاسئلة تتعلق بمشروعية القتل – بغض النظر عمن يقوم به – ومدى الملاءمة الاخلاقية التي تكفلها الاسباب التي تبرره جوار الفداحة الهائلة التي تقود لها نتائجه. وإن كانت هناك مشكلة لايمكن تجاوزها، فالعنصرالاسرائيلي في الفيلم يجد الفرصة الكافية للتعبير عن انسانيته والافصاح عن ضيقة الاخلاقي بما يقوم به، بينما لم يحظ الطرف العربي والفلسطيني، بأي فرصه ليتحدث او يبرر ما يقوم به مما جعل موقفهم معلقاً على تقدير المشاهد فقط!!.

كونك يهودياً يكفي لان تقتل عربياً.. والعكس أيضاً!!…
منذ المشهد الاول في الفيلم والذي يبدأ بقيام مجموعة من الناشطين الفلسيطنيين باقتحام مقر البعثة الاولمبية الاسرائيلية واختطافهم ومن ثم قتلهم ل 11 رياضي اسرائيلي ومقتل الناشطين اللاحق، يُصعد الفيلم لمدة ساعتين وأربعين دقيقة عبر كاميرا سينمائية شديدة الاناقة في حركتها الاحساس بالتأذي من القتل. تُثير اللقطات الاولى التي يُحتجز ويُقتل فيها افراد البعثة الاسرائيلية احساساً متبايناً بموقعك من الواقعة، ويستيقظ ضمناً فرز عصبي يدفعك للتفتيش عن اسباب تبرر لمن قاموا بها ذلك حين يؤذيك مشهد القتل المصنوع باحتراف عال، خصوصاً حين يترافق ذلك من ما تظنه ارتفاعاً في النبرة اليهودية للكاميرا على حساب النبرة العربية او الفلسطينية. ويُعزز سبليبرغ ذلك الارتباك الشخصي حين ينقل الكاميرا لتتفحص ملامح واصوات وانفعالات المتابعين العرب والاسرائيلين امام الشاشات، مُحيلاً المتابع لمشهد واسع تتنافر فيه الهويتين في تأكيد كل واحده منهما على حقها فقط بالحياة واستحقاق الاخرى للموت. يضخ المخرج منذ البداية عنفاً ذكياً في الصورة، وإن كان رغم حدته غير مفرط في دموية عبثية رغم امتلاء الواقعة الحقيقية به. وعبر ايقاع عال يستمر لدقائق عده يشدك فيها لمتابعة احداث ميونيخ الشهيرة التي تحضر فيها بشكل عال مفردات النضال، والرصاص، والهويات العصبية، والتي يسيطر الغموض على مبرراتها الاخلاقية. تقوم الكاميرا فجأة ببتر انفعالك وخفضه لصالح مشهد اخر اقل ضجيجاً، ينتقل به من قلب ميونيخ الالمانية إلى قاعة اسرائيلية يتم فيها التخطيط من قبل مسؤلين استخبارتيين وسياسيين للتخلص من 11 قيادياً فلسطينياً للانتقام لل 11 اسرائيلياً. ومن هنا يبدأ سبيلبرغ بناء احداث الفيلم التي ستعتمد على اوامر الموساد لمجموعة من عناصرها بتنفيذ الاغتيالات للانتقام متلاعباً طوال الفيلم وبشكل مثير للاعجاب بالفكرة الاخلاقية الرديئة ” السن بالسن والعين بالعين ” كمبرر كافٍ للقتل…..

فرد يأتي للحياة واخر يأخذه الموت.. من يُقرر الحق بذلك؟؟…
عمل سبيلبرغ بشكل متميز على جعل أحد تاكيدات الفيلم الاساسية تتمحور حول فكرة استبطان الفرد القدرة على انتاج الحياة وسلبها أيضاً، وعلى الخيط الرقيق الذي يفصل بين التبريرات الاخلاقية للقيام بأي فعل منهما!!. تم ذلك عبر اشتغال السيناريو والكاميرا على مشاهد يتم فيها دفع التقابل بين الموت والحياة بحده، فحين تتم تهنئة أفنار (إيريك بانا) بمولودته الجديدة تتم تهنئته أيضاً بنجاح عمليته وموت الهدف الثاني (محمود الهمشري). و(وائل زعيتر) الذي قتل بالمسدسات امام المصعد وكان ممسكاً بقنينتي النبيذ والحليب. التقابل بين الولادة والموت، والمسدسات وقناني الحليب والنبيذ هو افصاح شديد الذكاء لمدى التشوش الاخلاقي للانسان حين يستطيع ان يمنح الحياة ويسلبها، وحين يستطيع أيضاً الامساك بيده بمفردات للقتل واخرى للحياة. تم الاشتغال بخفة على رمزيات بصرية عالية المستوى تُحيل المشاهد لحجم تورط كافة عناصر اطراف القضية في الخسارة حين تستولي على تبريراتهم بلاغة الهوية وعصبيتها الدموية، والتشوش الذي يلحق بقرارهم في كون أي طرف كان يستحق الموت لمجرد كون تحقق هذا الفعل يكفل تعزيز قيمة حياته او قضيته، فلايمكن ان تنتصر القضية الوطنية الفلسطينية او لفت النظر لها بقتل الرياضيين الاسرائيليين، ولايمكن التأكيد للعالم على قيمة اليهودي أو اهميته بقتل الفلسطينيين. كانت الكاميرا ذكية وهي تتسلط على مفاجئة عميل الموساد لكون الفلسطيني مثلاً يمكن ان تكون له فتاة صغيرة تهوى الموسيقى وتعزف على البيانوا. او وهي تتابع فلسطيني أخر ينفح البائعة الايطالية العجوزة بقشيشاً أضافياً ويبتسم. لم تنكر الكاميرا تشوش (أفنار) الاخلاقي امام قيامه بفعل القتل، حتى وأن كان يقوم بهذا بغية الدفاع عن الامة اليهودية ضد اعداء يريدون محوها والقائها بالبحر، بل قامت باستثمار هذا التشوش كخلفية لسؤال الفيلم الاساسي الذي انتصرت له الكاميرا والنص في تسلطيهما الضوء على اعتماد (أفنار) وزملاءة على البلاغة الصوتية العالية لحق اليهودي في العيش حين يحاجج ضعفه الذي يُغذى من كون القتل بهذه الطريقة لن ينتهي أبداً، وان فكرة ” سنظل نقتلهم إلى الابد ” لاتكفي لصنع السلام الذي يرغب به لضمان ان تعيش طفلته وزوجته بامان.

الجنس يكفي لجعلك حياً…
حين مارس (افنار) الجنس مع زوجته الحامل في أول الفيلم، وفي اخر ليلة قبل ذهابة للعملية كان يتمسك بكونه حياً وانسانياً للغاية. وحين قالت له زوجته (انا لست زوجة البطل الجيدة) كانت تُقر برغبتها الاحتفاظ بضعفها امام بلاغة القضايا السامية. وحين مارس الجنس معها في نهاية الفيلم عندما عاد إلى المنزل في حي بروكلين بنيويورك كان يختلط بلهاثة وتعرقه اخر الصور من عملية ميونيخ حين قُتل الناشطيين الفلسطينيين والرياضيين الاسرائيليين وهم يصرخون ويتعرقون أيضاً. كان يريد ان يعود حياً.. وكلما استغرق في الممارسة معها استغرقت الحياة فيه وطردت اسباب الموت. وبين الحياة في بداية الفيلم و الحياة في نهاية الفيلم كان الموت يُغرق كل شيء في الوسط. إنه موت كثير، وحتى عندما حاول أن يهرب منه إلى الحياة.. إلى امرأة في بار الفندق تركت عطراً على ذراعه لم يستطع، وكان الجنس مفتاحاً للموت هنا لا للحياة، اوقع صديقه في حين انقذه الحظ. ذات المرأة حاولت ان تستعين بالجنس لكي تحتفظ بالحياة حين قدموا لقتلها والانتقام لصديقهم. ارخت روب نومها ليبدوا جسدها عارياً وقالت لهم: (ستضيعون عليكم هذه الموهبة). ولم تنجح بذلك، كانت تقصد موهبة الحياة بالتأكيد.

عن كون ستيفن سبيلبرغ صانع سينما عظيم
استطاع ستيفن سبيلبرغ أن يوظف حدثاً مهماً كعملية ميونيخ دون ان يقع في فرز تبني صوت واحد او رؤية واحده، وهو الامر الذي كان سيوقعه في استقطاب ايديولوجي يدفعه بعيداً عن موقع المخرج الفنان ذو الحساسية المستقله نحو موقع المتعصب بوظائفة الدعائية. فانقذ الفيلم من التورط في اسباب الصراع لصالح تفحص مايُحدثة من شروخ في الاخلاقيات حين يتم استخدام أي مبررات ينتجها لشرعنة القتل. ميونيخ كان الحدث الذي استثمر في صياغة فيلم ذو قدرة تشويق عالية وبمزاج يميل بشكل حاد إلى توغلات ذات طابع نفسي واخلاقي، مع تحرر كامل من فكرة الوصول إلى اجابات أو تقرير نتائج في النهاية. كما سيظل ستيفن سبيلبرغ قادراً باستمرار على تاكيد كونه مخرجاً متميزاً من الناحية الفنية عبر اخراج شديد الاناقة تبدى في الاسقاطات البصرية لافكار شديدة الرمزية بشكل مبدع، وفي إدراة متميزة للاحداث والشخصيات تتضح عبر التقطيع المتميز لوقائع عملية ميونيخ ذاتها على طول الفيلم وعدم ضخها دفعها واحده في البداية ليجعلها حاضرة في استدعاءات ذكية لتسند التصاعد في الاحداث او في الاداء. و لايمكن ان يغيب عن الانتباه ابداعه لصورة سينمائية استطاع ان يجعلها تنتمي بدون أي تكلف لبيئة الحدث وعلاقاته بالمعنى المكاني والزماني أيضاً، وهذا يتضح في استخدامه المتميز لعناصر الاضاءه والالوان. هذا إذا تجاوزنا الحديث عن حقل تميزه وابداعة كمخرج اشتهر في صناعة التقنيات السينمائية شديدة الاتقان، والتي استخدمها هنا في مشاهد الانفجارات ومعارك الشوارع والقتل.
[email protected]